بالنظر إلى الهاءات المستعملة في اللسان العربي نجدها تنحصر في ست، وهي:
١- الهاء الأصلية، وهي التي تعد جزءًا من بنية الكلمة.
٢- هاء التأنيث.
٣- هاء البدل.
٤- هاء العوض.
٥- هاء السكت.
٦- هاء ضمير المذكر.
وللقراء، وعلماء القراءات مذاهب في هذه الهاءات منها الأصول المطردة التي يهمنا أن نشير إليها هنا بإيجاز، ومنها حروف مختلف فيها
[ ٢٢٨ ]
تراها مسجلة فيما يسمى بالفرش في كتب القراءات.
١- الهاء الأصلية:
ومن أمثلتها: "إله، إلهًا، الله، نفقه، فواكه، وجوه، برهان".
هذه الهاء لا خلاف بين القراء في أن تكون على ما هي عليه من حركة إعرابية أو من حركة بناء حسب وضعها في الكلمة فاء أو عينًا أو لامًا.
إلا حالة واحدة: الهاء التي هي جزء من الضمير "هو أو هي" إذا سبقت بواو أو فاء، أو ثم حيث وقعت.
قرأ قالون والكسائي بإسكان الهاء في ذلك، وتابعهما أبو عمرو إلا مع "ثم" وهو موضع واحد: ﴿ثُمَّ هُو﴾ في [القصص الآية: ٦١] .
وبقية القراء بتحريك الهاء في ذلك حيث وقعت.
٢- هاء التأنيث:
أمثلتها: "رحمة، نعمة، كلمة ربك، لعنة الله، سنة الأولين".
القاعدة فيها أنها في الوصل تاء، وتقلب في الوقف هاء، والدليل على أنها تاء اتصالها بالفعل نحو: ضربت، وبقاؤها فيه وصلًا ووقفًا على حال واحد، وإنما قلبت في الوقف هاء؛ لأن الشأن في الوقف أن يغير الحروف، كما أبدلوا الألف من التنوين في نحو: رأيت زيدًا١.
وحكى سيبويه أن بعض العرب يجعلها في الوقف تاء، ولم يحدد القبائل التي تفعل ذلك٢.
_________________
(١) ١ الإقناع ج١ ص٤٩٣. ٢ الكتاب ج٤ ص١٦٧ هارون.
[ ٢٢٩ ]
وقد ذكر السيرافي في شرحه على الكتاب: إن من العرب قومًا، وهو من طيئ يقفون على التاء، فيقولون: شجرت وجحفت يريدون:شجرة وجحفة١.
ومثل ذلك روي عن الفراء، النحوي الكوفي تلميذ الكسائي٢.
وقد كتبت في المصحف في بعض المواضع بالتاء على هذه اللغة.
والقراء لهم اختلاف في الوقف على هاء التأنيث.
وقد ذكرنا في الوقف أن الكسائي يقف على ما قبل تاء التأنيث، المنقلبة في الوقف هاء بالإمالة عند خمسة عشر حرفًا يجمعها قولهم: فجثت زينب لذود شمس٣.
٣- الهاء التي هي بدل:
وذلك مثل الهاء في "هذه" التي هي بدل من الياء في "هذي" كما أبدلت من الهمزة في "هراق" ولا يصح أن يقال: إن الهاء هنا للتأنيث؛ لأنه لم يؤنث بها في أي موضع من مواضع الكلام وإنما أنث بالياء في مثل تقولين، ونحوها أعني ياء المخاطبة.
لا خلاف بين القراء في قراءة "هذه" بهاء موصلة بياء حيث وقع، وهذه الياء زائدة كالزيادة التي تلحق هاء الضمير في "به" فإذا وقفت عليها، أو لقيت ساكنًا سقطت الزيادة وسكنت الهاء "هذه الشجرة" "هذه الأنعام"٤.
_________________
(١) ١ شرح السيرافي على الكتاب ج١ ص٦١. ٢ راجع لسان العرب ج٢٠ ص٣٧٠. ٣ إرشاد المبتدي لأبي العز القلانسي "باب الوقف". ٤ الإقناع ج١ ص٤٩٤.
[ ٢٣٠ ]
٤- هاء العوض:
ومثالها: أن مذهب "البزي" في الوقف على "ما" الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر أن يحذف ألفها، ويعوض عنها الهاء نحو: "لمه، فيمه، عمه، وممه، فلمه".
٥- هاء السكت:
وهي هاء ساكنة تزاد في الوقف لبيان الحركة، وحقها أن تسقط في درج الكلام.
ومذهب القراء فيها أنهم اختلفوا في إثباتها وحذفها في خمسة مواضع: في ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وفي ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠]، وفي ﴿عَنِّي مَالِيَهْ﴾، ﴿عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨، ٢٩]، وفي ﴿مَاهِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] .
ذهب حمزة إلى إسقاطها في الوصل في هذه المواضع.
وتابعه الكسائي في موضعين هما: "يتسنه" و"واقتده" وأثبتها فيما عداهما.
وعند الباقين ساكنة وصلًا ووقفًا فيهن إلا ما جاء عن ابن عامر في "اقتده"؛ إذ روى هشام كسر الهاء فيه من غير صلة بالياء في الوصل ويقف بالإسكان.
يقول ابن الباذش: قرأت لابن ذكوان١ عن طريق الأهوازي عن أهل العراق على نحو ما روى هشام ثم يقول: والمشهور عنه: كسر الهاء فيه وفصلها بالياء، ويقف بالإسكان نص على ذلك الأخفش٢.
_________________
(١) ١ هو أحد الرواة عن ابن عامر مثل هشام. ٢ الإقناع ج١ ص٤٩٥.
[ ٢٣١ ]
والهاء في هذه الحالة لا تكون للسكت، وإنما هي ضمير يعود على مصدر الفعل، أي: اقتد الاقتداء، وكذلك "يتسنه" عند من أثبت في الوصل: الهاء لام الفعل أو بدل.
٦- هاء الكناية عن المذكر "هاء ضمير المذكر":
هذه الهاء كما نعلم، تتصل بالأسماء والأفعال والحروف، وهي كثيرة الدور في القرآن الكريم.
وهي عند القراء على قسمين: متفق عليه، ومختلف فيه.
القسم المتفق عليه:
١- إذا تحرك ما قبل الهاء بإحدى الحركات الثلاث: الضمة نحو: "يعلمه ويخلقُه"، والفتحة نحو: "قدَّرَه، وأنشرَه"، والكسر نحو: "أمه وصاحبته".
في هذه الحالة اتفق القراء على صلة الهاء بواو مع الضمة والفتحة، وبياء مع الكسرة، فإذا وقفوا سقطت الياء والواو وسكنت الهاء.
٢- إذا التقى ساكنان نحو: ﴿تَحْمِلْهُ الْمَلَائِكَة﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَم﴾ [طه: ٣٩] وشبهه والساكنان هنا: ألف وصل وحرف الإشباع. اتفق القراء على سقوط حرفي العلة، وبقاء حركة هاء الضمير على ما كانت عليه، يستثنى من ذلك ما قرأ به حمزة الآيتين: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠] و[القصص: ٢٩] بضم الهاء على الأصل؛ لأن الأصل أن تضم، ولا تكسر إلا إذا سبقها ياء أو كسرة على أن بقية القراء يسير على كسر الهاء١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص٤٩٦.
[ ٢٣٢ ]
القسم المختلف فيه:
ونستطيع أن نحصره في المواضع التالية:
١- أن يكون قبل هاء الضمير حرف لين، موجودًا في اللفظ، ساكنًا.
ومن أمثلته: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ﴾ [النحل: ١٢١]، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاه﴾ [الشعراء: ٤٥]، ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّل﴾ [النور: ٥٤] ومنه: "عقلوه، خذوه، فعلوه، فيه".
٢- أن يكون قبل هاء الضمير حرفًا غير لين ساكنًا:
ومن أمثلته: "منه، عنه، لدنه".
ابن كثير في هاتين الحالتين يصل الهاء بياء إذا كان قبلها ياء، وبواو فيما عدا ذلك، وهذا في حالة الوصل حيث وقع.
تابعه حفص في كلمة واحدة هي قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] .
وكذلك إذا لقيها ساكن مدغم أو غيره مثل: ﴿عَلَيْهُ اللَّه﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَاب﴾ [الحديد: ١٣]، ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّه﴾ [الحج: ١٥] .
وعند الوقف تسقط الواو والياء.
وبقية القراء يختلسون الكسرة والضمة في الحرفين من غير صلتهما بياء ولا واو.
وذهب حفص إلى ضم هاء الضمير المسبوقة بياء في حرفين، وهما: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا﴾ [الكهف: ٦٣] و﴿عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّه﴾ [الفتح: ١٠] ١.
_________________
(١) ١ الإقناع ج١ ص٤٩٨.
[ ٢٣٣ ]
وموقف النحاة من هذا الأمر يفسره ما ذهب إليه سيبويه من أن حذف الياء والواو مع حرف اللين أجود، وإثباتها مع غيرها أجود١.
٣- أن يكون قبل هاء الضمير ساكن محذوف، بأن يكون حرف علة حذف لأجل الجزم.
ووقع ذلك في سنة عشر فعلًا مضارعًا، منها اثنا عشر، كثر فيها ما قبل الهاء، وأربعة فتح فيها ما قبل الهاء وهي على هذا النحو، كما ذكرها أبو جعفر بن الباذش٢.
في ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾، ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، في موضعين في آل عمران: ٧٥، ١٤٥.
ومن [النساء: ١١٥] ﴿نُوَلِّه﴾، ﴿وَنُصْلِه﴾ وفي [الأعراف: ١١١]، و[الشعراء: ٣٦] ﴿أَرْجِه﴾ وفي [طه: ٧٥] ﴿وَمَنْ يَأْتِه﴾ وفي [النور: ٥٢] ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ .
وفي [النمل: ٢٨] ﴿فَأَلْقِهِ إِلَيْهِم﴾ وفي [الشورى: ٢٠] ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ فهذه الاثنا عشر حرفًا.
والأربعة: ﴿يَرْضَهُ لَكُم﴾ [الزمر: ٧]، ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد﴾ [البلد: ٧]، و﴿خَيْرًا يَرَه﴾، و﴿شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] .
وفي هذا القسم وجوه كثيرة من اختلاف القراء، نذكر بعضًا منها، ونحيل الراغب في الاستيعاب إلى المراجع التي تتناول في فرش الحروف كل رواية وردت٣.
_________________
(١) ١ الكتاب ج٢ ص٢٩١ بولاق. ٢ الإقناع ج١ ص٤٩٨ وما بعدها. ٣ راجع الإقناع ج١ ص٥٠٠ وما بعدها.
[ ٢٣٤ ]
٢- قرأ أبو بكر١، وأبو عمرو وحمزة بإسكان الهاء في سبعة أحرف: "يُؤَدِّهْ" [آل عمران]، "نُؤْتِهْ" [آل عمران والشورى]، و"نُوَلِّهْ"، "وَنُصْلِهْ" في النساء، وروي مثل هذا عن هشام.
وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهن، وروي مثل هذا عن هشام أيضًا.
وقرأ الباقون بإشباع الكسرة فيهن، وهي رواية أبي عبد الله الرازي عن الفضل بن شاذان عن الحلواني عن هشام، وبذلك يأخذ له أصحاب ابن غلبون٢.
والهاء في الوقف ساكنة عند الجميع.
ب- ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] .
قرأ أبو بكر وأبو عمرو "وَيَتَّقْهْ" بإسكان الهاء.
وقرأ قالون باختلاس حركتها.
وقرأ الباقون بصلتها بالياء.
وقرأ حفص: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بإسكان القاف واختلاس كسرة الهاء.
وقرأ الباقون بكسر القاف. والهاء في الوقف ساكنة بالإجماع.
_________________
(١) ١ أبو بكر بن عياش، أحد الرواة عن عاصم والمعروف بشعبة. ٢ هو طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون أبو الحسن الحلبي، أستاذ، عارف، شيخ الداني، ومؤلف كتاب التذكرة في القراءات الثمان، روى القراءة عنه عرضًا وسماعًا أبو عمر والداني وأحمد بن بابشاذ توفي سنة ٣٩٩هـ.
[ ٢٣٥ ]