والمنقحون (The Revisionist)
تأثر بعض المستشرقين الجدد بأفكار وانسبرة، وعلى الأخص الذين يلقَّبون بـ "المنقحين" (Revisionists) ويعتقدون أنه لا بدّ لليهود في العصر الحديث من تنقيح أو نسف تاريخ العصور الوسطى وذلك لإفساح المجال لتمكنيهم من التعايش مع الآخرين على أرضية متساوية. ومن بينهم يهودا دي نيفو وج. كورن اللذان حددا منهجهما في نقطتين هما:
١-إنه لا بد من توثيق أية معلومات تنفرد بها الروايات الإسلامية بشواهد أثرية مادية (Archaeological evidence material)، وفي حالة التناقض بينهما تفضل الثانية.
٢- إن عدم وجود شاهد خارجي لحدث تنفرد به الروايات الإسلامية يعد دليلا إيجابيا على أن الحدث لم يحدث.
وانطلاقا من هذين الأساسين يقول دي نيفو وج. كرون: إن حفريات أجريت في مناطق صحراوية من الأردن قد كشفت عن آثار يونانية ونبطية ورومانية، كما أن حفريات في النقب أظهرت آثارا تدل على وجود الوثنية والحياة الجاهلية هناك في القرن السادس والسابع الميلاديين (القرن الأول الهجري) وهذه الجاهلية مماثلة لما تذكره المصادر الإسلامية بالنسبة للحجاز في ذلك العصر، ولكن الحفريات في الحجاز نفسه لم تكشف عن أية آثار للجاهلية والوثنية، ولا عن آثار تشير إلى وجود اليهود في المدينة أو في خيبر أو
[ ١٣ ]
في وادي القرى. وهذا يعني أن المصادر الإسلامية أخذت معلومات عن الجاهلية والوثنية السائدة في النقب ثم نسبتها إلى تاريخ الحجاز ومكة في القرن السادس الميلادي. (١) ومن ناحية أخرى اكتشفت في النقب عدد من النقوش العربية تشير إلى وجود اليهودية والنصرانية هناك جنبا إلى جنب مع فكرة التوحيد بدون ذكر نبي أو رسول، كما تحتوي على عبارات توجد في القرآن ولكنها لا تذكر القرآن ولا الإسلام ولا الرسول، وهذه النقوش ترجع إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، وفي الوقت نفسه لم تكتشف في الحجاز أية نقوش تدل على وجود القرآن والإسلام هناك في القرنين الأول والثاني الهجريين. فهذا يعني أن القرآن اقتبس الأفكار من اليهودية والنصرانية ومن فكرة التوحيد النقبي القديمة. تم ترسيم (٢) القرآن بعد أن أدخلت فيه العبارات العربية الموجودة في تلك النقوش الخاصة بالمصطلحات الدينية للمسلمين وذلك في نهاية القرن الثاني الهجري أو بعده (٣) .
من الواضح أن هذه المزاعم خليط مما يقوله المستشرقون القدماء: إن القرآن مقتبس من اليهودية والنصرانية، ومن أقوال جولدتسيهر وشاخت ووانسبرة الذين يزعمون أن المصادر التاريخية الإسلامية مختلقة برمتها في القرن الثاني الهجري، وأن القرآن تم ترسيمه في الوقت نفسه. وقد حاول دي نيفو وأعوانه المنقحون تدعيم هذه الآراء بما يزعمونه شواهد أثرية. ولكن موقفهم
_________________
(١) انظر: Koren & Y.D. Nevo: "methodological Approaches to Islamic Studies"، Der Islam، Band ٦٨، Hapt ١، pp.٩١-١٠٢
(٢) المراد به نشر القرآن بصفة رسمية أقرَّها الخليفة.
(٣) انظر: Y.D. Nevo: "Towards a pre-history of Islam"، Jerusalem Studies in Arabic and Islam، vol:١٧، ١٩٩٩، pp.١٢٥-١٢٦
[ ١٤ ]
غير معقول إلى حد أنَّ دَحضَه جاء بادئ ذي بدء من قبل المستشرقين غير المنقحين. فقد كتب الأستاذ ف. م. دونار (F.M. Donar) كتابا مستقلا (١) يثبت فيه أن تدوين الروايات والتاريخ الإسلامي بدأ في وقت مبكر من القرن الأول الهجري ويقول: إن عدم وجود أسلوب قرآني في النقوش العربية المكتشفة في النقب مع إشارة فيها إلى التوحيد يمكن اتخاذه شاهدا على جمع القرآن متأخرًا. ولو ثبت أن جمع القرآن حصل أولا في الشام وليس في الحجاز- ولكن هذا ما لم يثبته نيفو ولا وانسبرة - لأمكن استخدام الحجة نفسها لإثبات أن تعاليم القرآن وأساليبه تسربت تدريجيا إلى البلاد المجاورة مثل الشام (٢) .
وتشير المستشرقة استيلا ويلان (Estelle Whelan) إلى ثلاثة شواهد تبطل ادعاءات نيفو ووانسبرة. (٣) أولا: النقشان الطويلان الموجودان على وجهي البواكي في قبة الصخرة بالقدس، واللذان يشتملان على مقتبسات من القرآن الكريم، ولاسيما الآيتان ٥٧: ٢ و٤٦: ١، مع إثبات كلمة الشهادة في كليهما، نصبهما الخليفة الأموي عبد الملك في سنة ٧٢هـ (٦٩١-٦٩٢م) إلا أن الخليفة العباسي المأمون وضع اسمه مكان اسم عبد الملك بدون تغيير التاريخ. وتقول ويلان: إن وجود اختلافات طفيفة في العبارات لا تعني أن المقتبسات ليست من القرآن، كما يزعم كرون وكوك، (٤) بل أدخلت من
_________________
(١) انظر: Fred M. Donner: Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Historical Writings، Darwin Press، Inc، Preston، ١٩٩٨
(٢) المصدر نفسه، ص ٦٢.
(٣) انظر: Estelle Whelan: "Forgotten Witness: Evidence for the Early Codification of the Qur'an"، Journal of the American Oriental Society، vol:٤٨، no:١، ١٩٩٨، pp.١-١٤
(٤) انظر: P. Crone & M. Cook، Hagarism etc.، pp.١٨; ١٦٧n.١٨
[ ١٥ ]
أجل تنسيق النص مع الموضوع والسياق، وكان المسلمون ولا يزالون يخلطون النصوص القرآنية بعبارات أخرى مناسبة في النقوش والمؤلفات والخطب، وهذا يدل أن القرآن لم يكن نصا مدونًا فحسب، بل كان متداولا ومألوفا لدى عامة المسلمين المثقفين. وإلى جانب هذين النقشين في القبة الخضراء نصوص قرآنية قصيرة مثل ١١٢: ١-٢ و٩: ١٣٣ على عملات الأمويين المضروبة بين سنتي ٧٧هـ و١٣٢هـ (٦٩٧-٧٥٠م) . وكل هذا يدل على وجود القرآن وتداوله بين المسلمين منذ منتصف القرن الأول الهجري خلافا لما يزعم نيفو ووانسبرة.
والشاهد الثاني نقش طويل كان على الجدار الجنوبي (ناحية القبلة) للمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وكان يمتد من باب السلام عبر الجدار إلى باب جبريل وكان يشمل سورة الفاتحة والسور ٩١-١١٤. شاهد هذا النقش أبو علي بن رسته في سنة ٢٩٠/٩٠٣م (١) كما شاهده زائر أندلسي وكان قد نصبه عمر بن عبد العزيز في سنة ٨٨/٧٠٦م حينما كان واليا للخليفة الوليد بالمدينة. ويشير ابن رسته إلى أنه كانت هناك نقوش قرآنية أخرى في جدران المسجد التي هدمها الخوارج سنة ١٢٠/٧٤٧م. كما يشير السمهودي، نقلا عن الواقدي وابن زبالة إلى أن نقوشا قرآنية أخرى كانت على الجدران بوجهيها الداخلي والخارجي وفوق أبواب المسجد. (٢) وتقول ويلان "إن وجود ٢٤ سورة متتالية من أواخر القرآن في النقش على الجدار
_________________
(١) ابن رسته: كتاب الأعلاق النفيسة، (تحرير دي جيجي (M.J. De Geeje) ليدن، ١٨٩٢، ص. ٧٠
(٢) السمهودي: وفاء الوفى بدار المصطفى، المجلد الأول (تحرير: م. م. عبد الحميد)، القاهرة، ص. ٣٧١.
[ ١٦ ]
القبلي لدليل قاطع على أن ترتيب السور القرآنية كان قد تم قبل عهد عمر بن عبد العزيز بكثير. (١)
والشاهد الثالث وجود نساخ للقرآن بالمدينة منذ منتصف القرن الأول الهجري اشتهروا بـ "أصحاب المصاحف". (٢) كما تطورت فيها مدرسة للنحويين المهتمين بالكتابة القرآنية في أواخر القرن الأول الهجري. (٣) ومما لا شك فيه أن المدينة كانت مركزا علميا وثقافيا للمسلمين قبل نشأة المدن في العراق، وأن هؤلاء النساخ كانوا يلبون طلبا متزايدا لنسخ القرآن للدراسات والتدريس في المساجد والمدارس وبيوت الناس. وتجدر الإشارة إلى أن الخلفاء الأمويين، بدءا من معاوية، كانوا ينظمون جميع جوانب الحياة الدينية، فقام معاوية – مثلًا - بتزيين المنبر في المسجد النبوي وأمر ببناء المقاصير في المساجد الجوامع، واستخدم عبد الملك النصوص القرآنية استخداما موزونا مناسبًا في النقوش وعلى العملات، وقام الوليد بتوسيع المسجد النبوي إلى حد كبير. ونظرا لهذا كله، فإن الاحتمال بأن اهتمامهم بهذه الأمور سبق اهتمامهم بجمع القرآن وتوزيعهم بين الناس احتمال بعيد كل البعد.
وبالإضافة إلى هذه الحقائق فإن نيفو يخطئ في وجهة نظره من نواح أخرى. منها:
_________________
(١) ويلان: المصدرالسابق، ص. ١٠
(٢) المصدر السابق، ص. ١٠-١٢، نقلا عن الطبري، التاريخ، (ط. ليدن) ٣:٢٣٢٩، انظر أيضا مقالتها: “Writing the Words of God: Some early Qur’an Copyists and their Milieu”، part ١، Ars Orientalis، ١٩٩٠، pp.١١٣-٤٧
(٣) انظر: R. Talman: "An Eight century Grammatical School in Madina: The Collection and Evaluation of the Available Material"، Bulletin of the School of Oriental and African Studies، vol. ٤٨، ١٩٨٥، pp.٢٢٥-٢٢٨
[ ١٧ ]
أولًا: افتراضه أن جميع ما تقوله المصادر والروايات الإسلامية بالنسبة لتأريخ الإسلام للقرنين الأول والثاني ينبغي توثيقهما بمصادر معاصرة غير إسلامية أو بآثار مادية، وإذا لم يمكن توثيقها فإنها تعتبر معدومة. هذا منهج غير معقول وغير مناسب حتى بالنسبة لكثير من وقائع التاريخ الحديث فضلا عن وقائع تاريخ العصور الوسطى والقديمة التي لا محالة من أن تعتمد في كثير من الأحيان على مصدر منفرد ليس بمعاصر.
ثانيا: إن ظنه أن قصة الجاهلية والوثنية بالنسبة للحجاز مختلقة يفترض أن جميع ما ينبغي من الحفريات في تلك المنطقة قد، تم عمله وأنه لم يبق عمل شيء بهذا الصدد. وهذا ليس بصحيح على الإطلاق، فإن كثيرا من الأماكن لا تزال بحاجة إلى مسح ودراسة. كما يتغاضى في هذا القول عن أمر هام وهو أن الأوثان والمعابد الوثنية تم تدميرها وطمسها في الحجاز على نطاق أوسع وأكمل بعد مجيء الإسلام مما كان الحال في البلاد المجاورة التي دخل فيها الإسلام تدريجيا.
ثالثا: يغفل نيفو كذلك عن طبيعة الوثنية في الحجاز، فأنها لم تكن أصيلة هناك بل كانت مستوردة من الشام، ومن ثم لم تكن عميقة الجذور ومتطورة ذات أساطير متشابكة مثلما كانت في اليونان والعراق والهند، وإن كانت منتشرة انتشارًا واسعًا قبيل ظهور الإسلام. وتقول رواية إسلامية: إن عمرو بن لحي زعيم بني خزاعة هو الذي استورد الوثنية من الشام وقدم بصنم هبل فنصبه بمكة وأمر الناس بعبادته وتعظيمه (١) . كما جاء بأصنام ود وسواع
_________________
(١) صحيح البخاري: ح ٣٥٢١ و٤٦٢٣-٤٦٢٤، صحيح مسلم، ح ٢٨٥٦، مسند أحمد، ج٢، ص. ٢٧٥-٢٧٦، وج٣، ص. ٣١٨، ٣٥٣-٥٤، وج٥ ص. ١٣٧، وابن هشام: السيرة النبوية (تحرير مصطفى السقا والآخرون)، ج٥، ص.٧٨ -٧٩، الكلبي: كتاب الأصنام (تحرير أحمد زكي باشا)، القاهرة، ١٣٤٣هـ، ص. ٨.
[ ١٨ ]
ويغوث ويعوق ونسر، (١) وهي الآلهة التي كان قوم نوح ﵇ يعبدونها، ويتحدث عنها القرآن (٢) . وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاكتشافات الأثرية في النقب توثق المصادر الإسلامية من هذه الناحية، بدلا من أن تناقضها، كما يظن نيفو.
رابعا: يخطئ نيفو في تلميحه بأن الإسلام كان ردة فعل للوثنية إذ يقول إن المسلمين اختلفوا قصة الوثنية في الحجاز تمهيدًا لظهور للإسلام. القرآن طبعا يدين الوثنية، ولكنه لا يكتفي بذلك، بل ينتقدها وينهى عن جميع أنواع الانحرافات عن التوحيد وجميع ألوان الشرك التي كانت سائدة لا في الجزيرة العربية فحسب بل في العالم أجمع. فالقرآن يحرم عبادة الشمس والقمر والأجرام الفلكية الأخرى التي كانت سائدة في بعض مناطق الجزيرة العربية ولكنها جاءت من الشرق إلى الغرب، كما يدل على ذلك وجود معبد السماء (The Temple of Heaven) في بكين (Beijing، China) ووجود أهرامات لعبادة الشمس والقمر والأجرام الفلكية في جنوب شرق آسيا وعبر شمال إفريقيا إلى أمريكية الجنوبية (٣) . كذلك ينهى القرآن عن عبادة الجبال والأشجار والأنهار والظواهر الطبيعية مثل السحاب والبرق والرعد. قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (الصافت: ٣٧) . وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (الحج:١٨) . قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري، ج٦، ص. ٦٣٤
(٢) القرآن: ٧١: ٢٣
(٣) Alan F. Alford، Gods of the New Millennium، London، ١٩٩٦.
[ ١٩ ]
السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد: ١٣) . كما ينهى الله في القرآن عن تأليه الملائكة والأنبياء والأشخاص البارزين كما كان الناس في شتى أنحاء العالم يفعلون ولا يزالون. يقول ﷿: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ (آل عمران: ٨٠)، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤) . كذلك ينهى الله ﷿ في القرآن عن عبادة إلهين، إله للخير وإله للشر، أو إله النور وإله الظلمات، كما كان المجوس يفعلون. يقول ﷿ في القرآن ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، (النحل: ٥١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: ١) وفي السياق نفسه يستنكر القرآن تأليه عيسى ﵇ وجعل الأبناء والبنات لله، وفكرة التثليث والتجسد، وغير ذلك من الشرك والانحرافات عن التوحيد، فالقرآن عالمي من ناحيتي المنطلق والرسالة على السواء، فلا داعي للمسلمين لاختلاق قصة للوثنية في الحجاز على غرار ما كان سائدا في النقب، كما يزعم نيفو وأمثاله.؟
وبما أن نيفو لا يدرك طبيعة القرآن هذه يزعم أن القرآن خليط من الأفكار اليهودية والنصرانية والتوحيدية الموجودة في النقب قبيل ظهور الإسلام. إن القرآن لا ينكر وجود اليهودية ولا النصرانية، بل ينتقد ويرفض الانحرافات عن التوحيد وتقاليد الشرك التي طرأت عليهما، كما يقول إنه إنما جاء لإحياء وإكمال رسالة التوحيد التي بلغها النبيون والرسل من قبل، ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: ١٨،١٩) .
[ ٢٠ ]
ويشير أيضا إلى إنه بالرغم من الظلم والاضطهاد من قبل الكفار فإن مجموعة أو أفرادا من المؤمنين بالتوحيد لا يزالون في أماكن مختلفة (١) . كما تشير روايات إسلامية إلى وجود بعض الموحدين (الحنفاء) في الحجاز قبيل ظهور الإسلام. فالمعلومات عن الآثار في النقب، خصوصا تلك التي تشير إلى وجود فكرة التوحيد، تؤيد وتوثق ما يقول القرآن والمصادر الإسلامية، خلافا لما يظنه نيفو.
خامسا: يغض نيفو النظر عن أن العرب ذوو عواطف، ويعتزّون بأسلافهم. فلو لم تكن قريش مشركين عند ظهور الإسلام، لما سمح أحفادهم من الأمويين أو العباسيين بتدنيس ذكرى آبائهم بالوثنية، كما يخطئ في زعمه أنه لا توجد آثار تشير إلى وجود اليهود في المدينة أو في خيبر، فإن آثار حصن كعب بن الأشرف أحد زعماء اليهود بالمدينة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم موجودة حتى اليوم في ضاحيتها. وبالجملة فإن مزاعم نيفو فاسدة ولا أساس لها من الصحة.
_________________
(١) القرآن، ٨٥: ٤-٨
[ ٢١ ]