وتخمينات المستشرقين المتجددة
سبق أن أشرنا إلى مخطوطات صنعاء القرآنية. (١) ففي سنة ١٩٧٠م عثر على مجموعة من المخطوطات القرآنية القديمة في الدور العلوي للمسجد الجامع الكبير بصنعاء. وفي بداية الثمانينات دعا مدير إدارة الآثار في اليمن، القاضي إسماعيل الأكوع خبيرين ألمانيين هما الدكتور جيرد ر. بوين (Gerd R Puin) وهـ. س. غراف فون بوتمر (H.C. Graf Von Bothmer) لترميم المخطوطات وصيانتها وذلك بالتعاون مع وزارة الخارجية الألمانية. وعمل بوين وبوتمر في صنعاء بضع سنين، ويبدو أنهما لم يعملا خبيرين للترميم فحسب بل استهدفا عملا إستشراقيا أيضا. فالتقط بوتمر صورا ميكروفلمية لأكثر من ٠٠٠ر٣٥ ورقة ورجع بها إلى ألمانيا، وفي ١٩٨٧ كتب مقالة تحدث فيها عن هذه المخطوطات وأشار إلى أن أحدها، وهو ذو الرقم ٢٣-١٠٣٣ يرجع إلى الربع الأخير من القرن الأول الهجري (٢)، كما كتب بوين مقالة بعنوان "ملحوظات على المخطوطات القرآنية القديمة بصنعاء" (٣) . وقد أثار خبر هذه المخطوطات اهتماما بالغا بين المستشرقين، فعقدوا ندوة في ١٩٩٨ بليدن
_________________
(١) انظر ص ٩
(٢) بوتمر، المصدر السابق
(٣) انظر: Gerd R. Puin: "Observation on Early Qur'an Manuscripts in San'a"، in Stefan Wilde (ed)، The Qur’an as Text، E.J. Brill، Leiden، ١٩٩٦، pp.١٠٧-١١١
[ ٢٢ ]
(Leiden) عن "الدراسات القرآنية" حيث ألقى كل من بوين وبوتمر محاضرة في موضوع المخطوطات الصنعانية.
لم ينشر بعد مضمون محاضرتي بوين وبوتمر، غير أن بوين أشار في مقالته إلي اتجاهاته هو والمستشرقين عامة في هذا الصدد، إذ يشير أولا إلى الجهود المبذولة من قبل المستشرقين السابقين مثل أرثر جيفري (Arthur Jeffery)، وأوتو برتزل (Otto Pretzel)، وأنتون شبيتالر (Anton Spitaler)، وأ. فشر (A. Fischer) لجمع المخطوطات القرآنية القديمة ثم إعداد نسخة منقحة للقرآن بعد مقارنة ما يجدونه من اختلافات في النصوص في جميع النسخ، ويقول: إن هذه الجهود لم تنجح لأن المخطوطات المقتناة بجامعة ميونخ (Munich) لهذا الغرض - وهي عدد هائل من المخطوطات - دمرتها قنبلة وقعت عليها أثناء الحرب العالمية الثانية. ثم يقول بوين: إن المخطوطات القرآنية بصنعاء تتيح الفرصة لتجديد الجهود في الاتجاه نفسه (١) .
ثانيا: يشير بوين إلى النقاط التي لاحظها في المخطوطات وذكر منها: (أ) طريقة غير صحيحة في كتابة "الألف" (همزة) في عدد من المواضع (ب) الاختلاف في إحصاء عدد الآيات بالنسبة إلى بعض السور (ج) الاختلاف في ترتيب السور في ورقتين أو ثلاث (٢) .
ثالثا: يؤكد بوين أن هذه الاختلافات جدّ طفيفة وأنه إذا لم يتم جمعها بأكملها فإنه ربما لا يؤدي إلى اختراق أو تقدم مفاجئ في الدراسات القرآنية ولكنه يستطرد قائلا: " إن القرآن ليس بواضح (مع ادعائه أنه مبين) وإن
_________________
(١) المصدر السابق، ص ١٠٧
(٢) المصدر نفسه ص ١٠٨-١١٠
[ ٢٣ ]
وجود هذه الاختلافات يشير إلى أن السور القرآنية لم تكتب في شكلها النهائي أثناء حياة محمد (صلى الله عليه سلم) وأنه من المحتمل أن قرآنا ذا ترتيب مختلف للسور كان متداولا لزمن طويل (٣) . (١)
ومما لا شك فيه أن كتابة بوين وبوتمر أثارت تخمينات واسعة في دوائر استشراقية، فقام أحد المستشرقين - واسمه توبي ليستر (Toby Lester) - باتصال هاتفي مع بوين (٢) ثم حرَّر مقالة صحافية لها وزنها نشرتها مجلة The Atlantic Monthly في عدد ينابر، ١٩٩٩ بعنوان "ما هو القرآن؟ ") (What is the Quran) ٣) . تشتمل المقالة على ثلاثة أصناف من المواد: (أ) خبر عن المخطوطات الصنعانية والاستنتاجات التي توصلت إليها بوين وبوتمر (ب) مزاعم المستشرقين الآخرين مثل وانسبرة وكرون وكوك ونيفو وبيلامي (J.A. Bellamy) عن القرآن (ج) إشارة إلي ما يقوم به المستشرقون حاليا من الدراسات القرآنية أو ما ينوون القيام به في المستقبل القريب.
أما بالنسبة للمخطوطات الصنعانية وعمل بوين وبوتمر فيها فكرر توبي ليستر ما قاله بوين في مقالته المشار إليه آنفا وأضاف أن بوين يرى أن القرآن تطور عبر زمن طويل ولم يكن كتابا منزلا من السماء على محمد (ﷺ) في القرن السابع الميلادي، وأنه ليس بواضح و"مبين"، بل كل خمس آيات من القرآن تكون الآية الخامسة منها لا يمكن فهمها أو تفسيرها، وأن هناك علامات في المخطوطات تدل على إعادة كتابة بعض العبارات في
_________________
(١) المصدرنفسه ص ١٠٧ و١١١
(٢) انظر خطاب بوئن إلى القاضي الأكوع بتاريخ ١٤/٢/١٩٩٩م المنقول في Impact International، ج٣٠، (ا) العدد لمارس ٢٠٠٠م، ص ٢٧.
(٣) انظر: The Atlantic Monthly، January ١٩٩٩، pp.٤٣-٥٦
[ ٢٤ ]
بعض المواضع (palipmsests) . وأن المسؤولين في صنعاء غير حريصين على القيام بدراسات مفصلة لهذه المخطوطات حتى لا تحدث بلبلة في العالم الإسلامي ومع ذلك فإن المخطوطات الصنعانية ستساعد المستشرقين في إثبات أن للقرآن أيضًا تاريخًا كما أن هناك تاريخًا للكتاب المقدس. (١) وأما بالنسبة لأقوال وانسبرة والآخرين قفد تحدثنا عنهما من قبل إلا قول بيلامي الذي سنشير إليه فيما بعد. وأما بالنسبة لما ينوي المستشرقون عمله فسنشير إليه في الخاتمة إن شاء الله.
أثارت هذه المقالة لتوبي ليستر، أكثر من مقالتي بوين وبوتمر موجة من الاحتجاج والاغتياظ في الصحف اليمنية ضد المسؤولين في إدارة الآثار. فسارع بوين وبوتمر إلى توجيه خطابين إلى القاضي إسماعيل الأكوع وذلك لمنع تدهور العلاقة بينهما وبين المسؤولين اليمنيين. ودافع بوين عن نفسه وعن المجلة الأمريكية (The Atlantic Monthly) قائلا إنه ليؤسفه "ما يزعم أن مجلة أمريكية نشرت اكتشافات مزعومة لباحثين ألمانيين وأنه يوجد بين الرقوق التي تم ترميمها ضمن المشروع الألماني قرآن مختلف عن القرآن المتداول حاليا بين المسلمين - إن هذه الحملة الصحفية ليس لها أساس فيما نشرته المجلة الأمريكية وليس لها أساس فيما يخص المخطوطات الصنعانية ولا أساس لها بالنسبة إلى البحوث القرآنية التي نقوم بها أنا وزميلي الدكتور جراف فون بوتمر - أتأسف جدا لهذه الحملة التي تستهدف إلى الإضرار بالتعاون العملي بين اليمن وألمانيا " (٢) .
_________________
(١) المصدر السابق، ص
(٢) انظر صورة خطاب بوئن في Impact International، ج٣٠، عدد لمارس ٢٠٠٠، ص ٢٧.
[ ٢٥ ]
إن دفاع بوين لا يتفق وما تتضمنه مقالته ومقالة توبي ليستر. فهما شاهدان عليه، وقد قال ما أشرنا إليه آنفا على أساس هاتين المقالتين. كما كان أبدى رغبته في إثبات أن القرآن له تاريخ مشيرا إلى جهود المستشرقين السابقين في هذا الصدد. فينبغي أن نتحدث قليلا عن النقاط التي أثارها بوين.
أولا: إنه عندما يشير إلى المخطوطات القرآنية التي كانت قد جمعتها جامعة ميونخ في ألمانيا والتي دمرتها قنبلة أثناء الحرب العالمية الثانية، لا يشير إلى حقيقة هامة وهي أن المسؤولين عن هذه المخطوطات كانوا نشروا تقريرا أوليا عنها قبيل اندلاع الحرب قائلين: إنه قد تمت المقارنة بين عدد كبير من النسخ وإن لم تتم المقارنة بينها جميعًا، وإنه لم يوجد اختلاف في النص القرآني ما عدا أخطاء طفيفة في الإملاء أو النسخ هنا أو هناك والتي لا تمس بوحدة النص. (١) فالاختلاف الذي لاحظه بوين في المخطوطات الصنعانية طبيعي ولا يتعدى هذا النوع من الأخطاء الإملائية.
ثانيا: إن إعادة كتابة لفظ أو عبارة في مكان ما (Palimpsests) لا تدل إلا على أن الكاتب كان قد أخطأ في كتابة اللفظ أو الحروف في أول الأمر فصححها بعد طمس الكلمة، أو أن الكلمة كانت قد طمست لسبب ما فكان من الضروري إعادة كتابتها. على أية حال، فإنها لا تدل على تطوير أو تعديل النص إلا في حالة وجود نسخة أخرى توجد فيها في الموضع نفسه عبارة أو كلمة أخرى، وهذا لم يثبت من المخطوطات الصنعانية أو من مخطوطات أخرى.
_________________
(١) انظر: محمد حميد الله، خطبات بهاولبور (باللغة الأردية)، تحقيقات إسلامي، إسلام آباد، ١٩٨٥، ص ٢٠-٢١، المنقول في Impact International، لندن، مارس ٢٠٠٠، ص ٢٨.
[ ٢٦ ]
رابعا: إن وجود سورة أو جزء منها وسورة أخرى أو جزء منها بترتيب مخالف للترتيب القرآني على ورقة واحدة لا يدل على وجود نسخة للقرآن بترتيب مختلف، لأنه كان من عادة المسلمين من البداية - ولا يزال - جمع سور مختارة في مؤلف صغير، وذلك للتحفيظ أو الدراسة أو التدريس في مختلف المراحل التعليمية، ومن الطبيعي أنه قبل ظهور فن الطباعة كان هذا النوع من المجموعات يعد عن طريق النسخ. فليس غريبا أن توجد مخطوطات فيها سور باختلاف الترتيب القرآني، خصوصا تلك التي توجد في المساجد التي كانت مدارس للتعليم بلا استثناء.
وحتى وجود نسخة كاملة للقرآن بترتيب مختلف للسور لا يدل البتة على أن قرآنا مختلفا كان بأيدي المسلمين في وقت ما، إلا إذا ثبت أن ذلك كان مقبولًا ومعمولا بها لديهم، وذلك نظرا لما يقوم به بعض الناس من حين إلى آخر لنشر القرآن بترتيب السور حسب أوقات أو ترتيب نزولها. فرودويل (A. Rodwell) - مثلا - قام بترجمة معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية، ورتَّب فيها السور حسب أوقات نزولها، وسمّاها: The Coran: Translation with Suras Arranged Chronologically، وفي ١٩١١ تبعه رجل مسلم من البنغال فقام بترجمة جديدة لمعاني القرآن ورتَّب فيها السور حسب أوقات النزول (١) . كما قام ر. بيل (Richard Bell) بترجمة أخرى على المنهج نفسه في سنة ١٩٣٧ (٢) . وقد عرفنا أن من أهداف المستشرقين إعداد ما يسمونه
_________________
(١) انظر: Mirza Abu al-Fazl، The Qur'an، Arabic Text and English Translation، Arranged Chronologically، ١٩١١، (British Library [British Museum] Catalogue Call mark ١٤٥١٢.d.١٥)
(٢) انظر: R. Bell: The Quran: Translated with a Critical Rearrangement with the Suras، T. & T. Clark< Edinburgh، ١٩٣٧
[ ٢٧ ]
في سنة ١٩٣٧ (١) . وقد عرفنا أن من أهداف المستشرقين إعداد ما يسمونه نسخة منقحة للقرآن. وفي الآونة الأخيرة جاء ج. أ. بيلامي بهذا الاقتراح مجددا بزعم أن في القرآن أخطاء عديدة ينبغي تصحيحها، وأشار توبي ليستر في مقالته إلى كتابات بيلامي في هذا الصدد، فلننظر فيها.
_________________
(١) انظر: R. Bell: The Quran: Translated with a Critical Rearrangement with the Suras، T. & T. Clark< Edinburgh، ١٩٣٧
[ ٢٨ ]