: لعل الصورة الواضحة للكسائيّ رسمت أبعادها الرئيسية ببيان حياته العلمية، وصلته بمن جاء قبله من أهل العلم، وصلته بمن جاء بعده، من تلاميذ نهلوا من علمه، ولعل اكتمال الصورة الواضحة عن الكسائيّ، يتطلب التعرف على شيء من حياته الخاصة، وأهم سمات وملامح أسلوبه في تناول أحداث الحياة.
وتفيد المصادر على تنوعها بأن الكسائيّ كان صاحب دعابة وطرفة، لكن في إطار مأمون، لا ينال من وقاره ولا من هيبته، وقد قيل لأبي عمر الدوري: كيف صحبتم الكسائيّ على الدعابة التي فيه؟ قال: لصدق لسانه (١).
وكان الكسائيّ ورعا في فتواه، ومما يشهد لتثبّته في (الفتوى)، وشدة حذره أن يجانب الصواب: ما حكاه الفراء عنه، قال: لقيت الكسائيّ يوما، فرأيته كالباكي، فقلت له: ما
يبكيك؟ فقال: هذا الملك- يحيى بن خالد-
_________________
(١) معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار «للذهبي» (١٢٠).
[ ١٦ ]
يوجّه إليّ، فيحضرني فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني من عيب، وإن بادرت لم آمن الزلل. قال: فقلت له- ممتحنا-: يا أبا الحسن؛ من يعترض عليك؟!، قل ما شئت فأنت الكسائيّ، فأخذ لسانه بيده، فقال:
قطعه الله- إذا- إن قلت ما لا أعلم (١).
ولم ينل من ورع الكسائيّ قربه من السلطان؛ قال أبو عمر الدوري: لم يغير الكسائيّ شيئا من حاله مع السلطان، إلا لباسه. قال: فرآه بعض علماء الكوفيين وعليه جربانات عظام، فقالوا له: يا أبا الحسن؛ ما هذا الزي؟ قال:
أدب من أدب السلطان، لا يثلم دنيا، ولا يدخل في بدعة، ولا يخرج عن سنة (٢).
كما كان الكسائيّ متواضعا، لا يأنف أن يقضي حوائجه بنفسه، فقد روي أنه كان مع الأمين والمأمون يؤدّبهما، فأقبل الرشيد عليه وهو لا يراه، فقام الكسائيّ، ليلبس نعله، لحاجة يريدها، فابتدرها الأمين والمأمون، فوضعاها بين يديه، فقبل رءوسهما وأيديهما، ثم أقسم عليهما ألا يعاودا، فلما جلس الرشيد مجلسه، قال: أي الناس أكرم خادما؟ قالوا: أمير المؤمنين، أعزه الله! قال: لا، بل الكسائيّ، يخدمه الأمين والمأمون وحدّثهم الحديث (٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤١١).
(٢) المرجع السابق نفس الصفحة.
(٣) إرشاد الأريب (٥/ ١٩٥).
[ ١٧ ]
ولعل هذا الورع وذاك التواضع وتلك السماحة والسهولة في تناول الأمور عند الكسائيّ، فضلا عن المكانة العلمية للرجل، كل ذلك قد مهّد للكسائي أن ينال حظّا من المبشرات من خلال الرؤيا الصالحة.
فقد أورد الخطيب البغدادي عن الكسائيّ قوله: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال لي: أنت الكسائيّ؟ فقلت: نعم، يا رسول الله.
قال: «اقرأ».
قلت: وما أقرأ يا رسول الله؟
قال: «اقرأ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا».
قال: فقرأت وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ فضرب النبيﷺ- بيده كتفي، وقال: «لأباهين بك الملائكة غدا» (١).
ومما رئى له، ما حكاه تلميذه أبو مسحل الأعرابي قال: رأيت الكسائيّ في النوم، كأن وجهه البدر، فقلت: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي بالقرآن! فقلت: ما فعل بحمزة الزيات؟
_________________
(١) تاريخ بغداد (١١/ ٤١٠).
[ ١٨ ]
قال: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما يرى الكوكب الدري (١).