قرأ حمزة ويعقوب: عليهُم، ولَدَيهُم، وإليهُم
وزاد يعقوب على حمزة: فيهُم، وفيهُما.
وذلك أن عليَّ ولديَّ وإليَّ إذا أفردنَ ولم يضَفنَ فلفظهنَّ بالفتح، فاستحسَنَ حمزة فيهن ضمَّ الهاء لما كن منفتحاتٍ في الإفراد، وذلك أن الهاء لا يجوز كسرها إلا أن يسبقها كسرة أو ياء،
وأما (أيديهم) و(يزكيهم) ونحوها مما كان قبل الهاء ياء فإن
يعقوب يضمها، وكذلك مكَني المؤنث، مثل: عليهنَّ، وفيهنَّ.
وكذلك إذا سقطت الياء التي قبل الهاء للجزم كقوله: (أولم
تَأتِهم " و(إنِ يأتِهم عَرَضٌ)، "فَاستَفتِهم) بضم الهاء -
[ ١ / ١١٢ ]
في هذه الحروف كلها إلا قوله: (وَمَن يولهِم " فإنه يكسر الهاء
في مثله.
والباقون من القراء يكسرون الهاء ويسكنون الميمَ إلا ابن كثير فإنه
يصل الميم بواو في اللفظ ويكسر الهاء، كقولك (عليهمو) و(إليهمو)،
وكذلك إذا انضمت الهاء وَصَل الميم بواو مثل: (لهمُو)
و(عندَهُمُو) و(وراءهمُو) في كل القرآن.
وكان نافع في رواية قالون وإسماعيل بن جعفر يُخير في هذا،
فمن أحب ضم الميم، ومن أحب أسكنها.
وكان ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم يكسرون الهاء
ويضمون الميم عند السواكن، مثل قوله: (عَليهمُو الغَمَامَ "
و: (إِليهمو اثنَينِ، و(مِن دُونِهم امرأتَينِ)،
وكان أبو عمرو يكسر الميم والهاء عند السواكنِ، وكان حمزة والكسائي يضمان الميم والهاء عند
[ ١ / ١١٣ ]
السوكن حيث لقي الميمَ سكنَ.
وكان يعقوب يضم الهاء والميم عند السواكن إذا سبقت الهاءَ ياء
فإذا تقدم الهاء حرف غير الياء كسر الهاء والميم.
مثل قوله: (بِهِم الأسباب) و(مِن دونهِم امرَأتَينِ) .
وقرأ الكسائي في رواية نصير عنه أنه يضم الميم إذا تطرفت
فكانت آخر كلمة مضمرة تلي رأس آية نحو قولهم: (هم يوقِنونَ)
(إِن كنتم صَادقِينَ)
(وأنتم تَعلمون)، ونحو هنا في كل القرآن.
وكذلك قراءته بَضم الميم عند الألفَات المهموزات (أنا) (أنت) في موضع
الاستفهام، فكانت أصلية أو قطعا. كقوله، (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)
(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا) وكذلك إذا لقيت الميمَ
ميمٌ نحو قوله: (جَاكم موسَى)، (فمنهم مَن يقول) (جَاءهم
مِن ربهم)، وإذا طالت الكلمة لم يضم الميم عند ماذكرنا من
هنا الباب، (أتانى زيد ومررت بزيد) ولأنهما واو وصل
[ ١ / ١١٤ ]
فلا يثبت لئلا يلتبس الوصل بالأصل، قال: فإذا قلت - (عليه مال)
فلك فيه أربعة أوجه:
إن شئت قلت (عليهِ مالٌ) وإن شئت قلت (عليهي مالٌ)
وإن شئت قلت (عليهُ مالٌ) وإن شئت قلت (عليهو مالٌ) .
وأما قوله جلَّ وعزَّ: (إن تحمل عليه يلهث)،
وقوله، (إلا ما دمت عليه قائما) فالقراءة بالكسر بغير ياء،
وهي أجود هذه الوجوه.
ولاينبغي أن يُقرأ بما يجوز في اللغات إلا أن تثبت رواية
صحيحة، أو يَقرأ به كبير من القراء.
قال: وَمَنْ قَرَأَ (عليهمُ) فأصل الجمع أن يكون بواو.
ولكن الميم استغني بها عن الواو، والواو أيضًا تثقل على ألسنتهم حتى إنه ليس في أسمائهم اسم آخره واو قبلها حركة، فكذلك اخترنا حذف الواو.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)
قرأ أبو عمرو. ونافع. وابن عامر. وعاصم، وحمزة والكسائي،
ويعقوب، (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ)، بالكسر واختلف عن ابن كثير، فقال
أبو حاتم: قال بكَّار: حدثتي الخليل بن أحمد عن ابن لعبد الله بن كثير
المكي أنه قرأ، (غيرَ المَغضوبِ عَليهِم) نصبا قال بكار وحدثني الغمر
بن بشير عن عباد الخواص قال: قراءة أهل مكة غَيرَ المَغضوبِ،
بالنصب، قال أبو حاتم: ررى هارون الأعور عق أهل مكة النصب في
[ ١ / ١١٥ ]
(غيرَ) . قال أبو منصور: وروى غير هؤلاء عن ابن كثير أنه قرأ (غيرِ)
بالكسر كما قرأ سائر القراء.
قال أبو منصور: والقراءة الصحيحة المختارة "غَيرِ المَغضُوبِ "
بكسر الراء، ونصب الراء شاذ.
وأخبرني المنذري عن أبي طالب عن أبيه
عن الفراء أنه قال في قول الله جلَّ ثناؤه: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)
بخفض غير، لأنها نعت للذين، لا للهاء والميم من (عليهم)، قال: وإنما
جاز أن يكون (غير) نعتا لمعرفة لأنها قد أضيفت إلى اسم فيه ألف
ولام وليس بمصمود له ولا الأول أيضًا بمصمود له، وهو في الكلام
بمنزلة قولك: (لا أمرُّ إلا بالصادقِ غيرِ الكاذبِ)، كأنك
تريد: بمن يصدق ولا يكذب.
ولا يجوز أن تقول: (مررت بعبدِ اللهِ غيرِ الظريفِ) إلا على التكرير، لأن (عبد الله) مُوَقَتَ، و(غير) في مذهبٍ نكرة غير موقتة، فلا يكون نعتا إلا لمعرفة غير موقتة.
قال: الفراء: وأما النصب في (غير) فجائز، يجعله قطعا
من (عليهم) .
قال: وقد يجوز أن يجعل (الذين) قبلها في موضع
توقيت، وتخفض (غير) بمعنى التكرير، صراط غيرِ المغضوبِ
[ ١ / ١١٦ ]
عليهم.
وأخبرني المنذري عن أبي العباس أنه قال: جعل الفراء
الألف واللام بمنزلة النكرة.
قال: وقال الأخفش: هو بَدل.
قال أبو العباس: وليس يمتنع ما قال، وهو قريب من قول الفراء.
وقال الزجاج في (غيرِ) - بالجر - قريبا مما قال الفراء.
قال: ويجوز نصب (غير المغضوب) على ضريين:
على الحال، وعلى الاستثناء.
فأما الاستثناء فكأنك قلت: إلا المغضوبَ عليهم،
وحق (غير) من الإعراب في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبًا، وأما الحال فكأنك قلت فيها: صراط الذين أنعمت عليهم لا مَغضُوبًا عليهم.
وأخبرني المنذري عن ابنٍ لليزيدي عن أبي زيد في نصب (غير) إنه على القطع كما قال الفراء.
وأما قول القائل بعد الفراغ من قراءة سورة فاتحة الكتاب:
[ ١ / ١١٧ ]
(آمين) ففيه لغتان:
إحداهما: قصر الألف
والأخرى: آمِين بوزن (عَامِين) .
وهما لغتان معروفتان، والميم خفيفة، والنون ساكنة.
ومعنى (آمين): الاستجابة.
وحقه السكون، ومن العرب من ينصب النون إذا مَر عليه،
ومنه قول الشاعر:
تَبَاعَد مني فَطْحَلٌ إِذْ رأَيتُه أَمينَ فزاد الله ما بيننا بُعْدَا
وقال الآخر فيمن طو" الألف:
يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبدًا ويَرْحمُ اللهُ عبدًا قال آمينا
[ ١ / ١١٨ ]
وأخبرني المنذري عن أبي العباس أنه قال في قوله (وَلَا الضَّالِّينَ)
القراء كلهم عليها إلا ما روي عن أيوب السختياني
أنه همز (وَلَا الضَّألينَ) لالتقاء الساكنين.
قال أبو العباس: وقال بعضهم: نَمُد المدغم إذا كان قبله واو، أو
ياء، أو ألف سواكن، نحو قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) و(لَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)
و(يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وما أشبهه.
قال: أرادوا: أن يكون المدغم عوضا عن الحركة التي كانت قبل أن يدغم الحرف الأول؛ لأنه لا يجتمع ساكنان.
قال أبو العباس: وهذا غلط، إنما مد لأن الساكن الثاني يخفَى فَيُمد
ما قبله لحركة الثاني، ولأن المدة إذا كانت مع الأول، فكأنهُ متحرك.
* * *
[ ١ / ١١٩ ]
القراءة في: