كان ابن كثير يهمز كل حرف مهموز همزته، نحو قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)
و(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) و(كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
وإنما يَضم الميم إذا كانت في كلمة مضمرة، مثل: (أنْتُم) و(هم) و(كُنتم) إذا انضم ما قبل الميم، أو كان مفتوحا، فإذا كان انكسر ما قبلها سكنها،
نحو: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) و(فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .
وقال ورش عن نافع الهاء مكسورة، والميم موقوفة، إلا أن يلقى الميم
ألفَ أصلية، كقولك: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) .
[ ١ / ١٢٣ ]
وقرأ حمزة ويعقوب بضم الهاءات في تلك المواضع المذكورة
على الأصل؛ لأن أصل الهاء الضم، ألا ترى أنك تقول: (هُم يُوقنُونَ)
و(هُم يُوقِنُونَ) فتجد الهاء مضمومة لا غير.
وروى إسحاق الأزرق عن حمزة (عَليهِم) بكسرالهاء وجزم الميم.
وأخبرني المنذري عن أبي العباس أنه ذكر قول أبي عبيد في (عليهم)،
و(لديهم) و(إليهم) قال: قال أبو عبيد: اختيارنا كسر الهاء، ووقف
الميم في كله ما لم يلقها ألف ولام، فإذا لقيتها ألف ولام كان الخفض أحب
إليَّ؛ لأنه أقيس في العربية أن يكون كل حرف منجزم بعده حرف ساكن أن
يكون حركته إلى الخفض.
قال أبو العباس: وهذا غلط؛ لأن للميم حركة، وهو الضم، فإذا
ْحُركَت كان أولى بها أن يرد إلى حركتها التي هي لها فتُضم.
قال: وقال الأخفش ومن قال بقوله: أضم الهاء وأسكن الميم؛ لأن
الهاء هو الأصل، وهي القراءة القديمة، قراءة أهل الحجاز ولغتهم.
[ ١ / ١٢٤ ]
ويسكن الميم فيها، وكذلك كل هاءٍ ضُم وميم قبلها ياء ساكنة وما قبل الياء
مفتوح، مثل: (عَليهُم) و(لدَيهُم) .
قال أبو العباس: أما ما ادعي من أنها أصل فهي الأصل، ولكن العرب
تقرب الحرف من الحرف إذا قاربه، مثل الإدغام.
قال: والكسر في (عَليهِم) أولى، لأن الهاء من جنس الياء، لأنها يقع في القوافي مكانها، وأن الهاء ينقطع إلى مخرج الياء، فلذلك أتبعت الهاءُ الياءَ، وكذلك إذا كانت الهاء منفردة من الميم فقد اجتمعوا على كسر الهاء، مثل (بِهِ) و(عَليهِ) .
وزعم الفراء أنها لغة. . . النبي صلى الله عليه، فإذا جاءوا
بالألف واللام ضموا الهاء والميم.
قال أبو العباس: وهذا هو القياس؛ لأن الهاء
إذا انفردت تبعت الكسر والياء لمؤاخاتها لهما، وإذا كانت معهما
الميم، والأصل (هُمُ)، ثم أتبعت الهاء والياء والكسرة كما ذكرنا، فإذا حركَت الميم ردت الهاء والميم إلى أصلهما، فإذا لم تأت بالميم تركت الهاء على ما تبعت، مثل (بِهِ القول) و(عَليه العَذاب) .
[ ١ / ١٢٥ ]
فهنا هو الاختيار، والضم لغة والإشباع في الضم والكسر لغة، مثل:
(بِهِ يا هذا) و(عليه ياهذا) و(بهو) و(عليهو) و(بهِي) و(عليهي) -
فإذا كان ما قبلها ساكنا حذفوا الواو، وهو الاختيار، وعليه القراءة وإذا انفتح ما قبل الهاء أو انضم فلا فرق بينهم أنه الإشباع، مثل (ضربهو)
و(لن يضربهو) وإذا كان قبله ساكن مثل (عَنه) و(إِليهِم) و(مَحيَاهم)
فالاختيار الحذف عند أبي العباس، والذين يقولون: (عَليهُم) هم الذين أتبعوا الهاء شكلها، وردوا الميم إلى أصلها.
وقال أبو إسحاق الزجاج: الأصل في هذه الهاء التي في قولك:
ضربتهو يا فتى) و(مررت بهو يا فتى) أن يتكلم به في الوصل بواو، فإذا
وقفت قلت: (ضربته) و(مررت به)
قال. رزعم سيبويه أن الواو زيدت على الهاء في الذكر كما زيدت
الألف في المؤنث في قولك: (ضربتهَا) و(مررت بها) ليستوي المؤنث والمذكر
في باب الزيادة قال أبو إسحاق: والقول "في هذا الواو عند
أصحابنا أنها إنما زيدت لخفاء الهاء، وذلك أن الهاء تخرج من أقصى
الحلق، والواو حرف مدٍّ ولينٍ تخرج من طرف الشفتين، فإذا زيدت الواو بعد الهاء أخرجتها من الخفاء إلى الإبانة، فلهذا زيدت - وتسقط في الوقف - كما
[ ١ / ١٢٦ ]
تسقط الضمة والكسرة في قولك - سَاكنة أو متحركة في جميع القرآن.
إلا (القرآن) فإنه لايهمزه ويمهمز (قرأت) وكلهم يهمزون "يُؤْمِنُونَ "
و"نؤمن " و، يَأكلون، و، تأكل، و، يُؤتون، و، يَأتون "
ونحو هنا من الحروف إلا أبا عمرو فإنه يطرح الهمزة من هنا ونحوه مما
يكون فيه الهمز ساكنة، وذلك أنها لما سكنت ضعفت، واستحسن
طرحها لسكونها في الحدر والدرج إلا أن يكون همزها أخف من
طرحها.
وروى اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان إذا قرأ في الصلاة أو أدرج
القراءة لم يهمز.
وإذا حقق همزَ.
وكذلك قرأت بِحرف عاصم الذي رواه أبو بكر عنه من رواية الأعشى عن أبي بكر بِطرح الهمز من هذه الحروف، ومن حروف أخَر الهمزة فيهن متحركة، نحو قوله؛، مِائةَ
[ ١ / ١٢٧ ]
حَبةٍ، و: (لِيَطمَئن قَلبِي)، و: (تَطمَئِن قُلوبُنَا)، و(كمَ من فِئَةٍ
قَليلةٍ)، و(رِئاءَ الناسِ)، و(كتَابًا مؤَجلا)، و(فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا)،
و(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ)، و(الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) .
ونحو هذا في قراءة الأعشى عن أبي بكر، وأحسب أن الذي حكاه الإشناني عن ابن الصباح عن ْحفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن عن علي أنه كان يدع الهمز من الخوف إذا تخوف النقصان هو هذا الذي رواه الأعشى عن أبي بكر عن عاصم من طرح الهمز فيما قدمت ذكره.
وكان حمزة يهمز هذه الحروف كلها إذا وصل القراءة، فإذا سكت وقف
بغير همز، وكذلك يفعل بقوله: (يَسْتَهْزِئُونَ) وقوله: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ)،
ونحو هذا.
فأما: (خَائفِينَ) و(الخَائِنِينَ)
[ ١ / ١٢٨ ]
و(يَكلؤكم) و(تَفتَأ) يشير بصدرِه إلى الهمز ولا يَهمِز.
وما الهمزة فيه عين الفعل فإنه يصله ويقف عليه بالهمز، نحو (مَوئلا)
و(تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ)، وقال الأدمي: قف على (مُؤَجَّلًا) بالهمز أَيضا.
قال أبو منصور: وللعرب مذاهب في الهمز: فمنهم من يحقق الهمز،
ويسمونه (النبر) .
ومنهم من يخفف الهمز ويلينه.
ومنهم من يحذف الهمز. ومنهم من يحول الهمز.
وهي لغات معروفة، والقرآن نزل بلغات العرب، فمن
همز ما قرئ به فهو الأتَم المختار، ومن لم يهمز مما تَرك همزه كثير من القراء
فهو مصيب.
وأما قول الله جلَّ وعزَّ: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)
فالأصل فيه همزتان:
إحداهما: الألف، والأخرى ألف الاستفهام.
واختلف القراء فيه، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب
"آنذرتهم " بهمزة مطولة، وكذلك جميع ما أشبه هذا، نحو قوله:
[ ١ / ١٢٩ ]
(آنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ)، (آلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) .
وقرأ الباقون بهمزتين في كل هذا.
وكل ذلك عربي فصيح، فمن همز همزة مطولة فر من الجمع بين الهمزتين، ومن جمع بينهما فهو الأصل.
وكان أبو عمرو يخفف الهمزة الأولى، ويُحَققُ الثانية.
وكان الخليل يحقق الأولى ويخفف الثانية، ونحويو أهل
البصرة مالوا إلى قول الخليل، وكلهم أجاز ما اختاره أبو عمرو.
قال أبو منصور: ومن القراء القدماء من أدخل بين الهمزتين ألفا ساكنة
فرارًا من الجمع بينهما، فقرأ: (ءاأنذَرتهُم)، و: (ءاألد)،
قال أبو حاتم:
أخبرني الأصمعي أنه سمع نافعا يقرأ: (ءانَّئكُم لتشهَدُونَ)، أدخل بين
الهمزتين ألفا.
قال الأصمعي: أنشدني أبو عمرو لمزرد:
تطَالَلْتُ فاسْتَشْرَفْتُه فَعَرَفْتُهُ فقلت له آأنتَ زيدُ الأرانبِ
[ ١ / ١٣٠ ]
ومثله قول، ذي الرّمة:
أيا ظبيةَ الوَعْساء بين جُلاجِلٍ وبين النقا آأنتِ أَمْ أمُّ سالمِ
قال أبو حاتم: ويجوز تخفيف الهمزة الثانية التي بعد الألف الزائدة،
وكان أبو عمرو ربما فعَل ذلك.
قال أبو حاتم: ونحن نَكْرهُ الجمع بين همزتين،
قال: ومما يدلك على كراهية العرب اجتماع الهمزتين قول الله ﵎:
(هَا أنتم) .
قال أبو حاتم: قال الأخفش: إنما هو (ءاأتتُنم)، أدخلوا بين
الهمزتين ألفا استثقالا لهما، وأبدلوا من الهمزة الأولى هاء كما قالوا:
(هرقت الماء) و(أرقت)، وقالوا: (هِياك) بمعنى: إياك.
* * *