إنه - والحق يقال - لا يمكن إحصاء فضل القرآن الكريم، ولو أُفرِدت لذلك المُطوَّلات، وفَنِيَتْ فيه الأعمار، وقد جمع شيئًا من ذلك جهابذة من العلماء: منهم ابن كثير ﵀ في كتاب «فضائل القرآن»، والنوويُّ ﵀ في «التبيان في آداب حملة القرآن»، وأبو القاسم الشاطبيُّ ﵀ في مطلع قصيدته الفذَّة «حِرْز الأماني ووجهُ التهاني» المعروفة بالمنظومة الشاطبيَّة، وغيرهم ممن يضيق المقام عن إحصائهم، أقول: مع سَبْق هؤلاء الأعلام لذلك الفضل، إلا أني أحبُّ أن أذكر- مستعينًا بالله - نزرًا يسيرًا من فضائل القرآن العظيم وخصائصه:
- القرآن كلام الله تعالى، وسبيل هدايته الخلق.
- وهو ملاذ الدِّين الأعلى؛ يستند إليه الإسلام في عقائده وعباداته، وحِكَمه وأحكامه، وأخلاقه، وقَصصه ومواعظه.
- وهو عماد لغة العرب الأسمى، تَدِين له العربيَّةُ في
[ ٢١ ]
بقائها وسلامتها، وتستمدُّ منه علومها.
- وهو حُجَّة الله تعالى على الخلق، وحُجَّة الرسول ﷺ ومعجزته الخالدة، شاهدًا بحقِّ رسالته، دالًاّ على صدق نبوَّته.
- وهو كتاب الله الخاتم للوحي، المُنزَّل على قلب نبيٍّ هو خاتم النبيِّين ﷺ (٣) .
- وهو معلِّم الإنسانية جمعاء، بإشارات لعلوم كونية كبرى، ومعارفَ ما زال علماء التجريب إلى يومنا هذا يحارون في دِقَّتها وسَبْقها، وكأن الكون كتابٌ مُشاهَد، والقرآن كتاب مقروء لحقائق هذا الكون.
- وهو الكتاب الشفيع لأصحابه يوم القيامة، قال النبيُّ ﷺ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ» (٤) .
أما أهله شرَّفهم الله، فتكاد أيضًا فضائلهم أن لا تنحصر، وسأكتفي بإيراد بعضٍ منها:
- أهل القرآن هم خير الأمة الإسلامية ومقدَّمُها.
_________________
(١) المرجع السابق (١/١٢) .
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها (فضائل القرآن وما يتعلق به)، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، برقم (٨٠٤)، عن أبي أمامةَ الباهلي ﵁.
[ ٢٢ ]
.. قال ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٥) .
- وهم المتبوِّئون مرتبةَ الملائكة الكَتَبة، وأدناهم حائز على مضاعفة الأجر.
قال النبيُّ ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (٦) .
- وهم كالأُتْرُجَّة (٧)، رِيحها طيِّبٌ وطَعْمُها طيِّب، كما صحَّ وَصْفُهم بذلك في الحديث، قال ﵊: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُْتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ » (٨) الحديث.
- وهم ممن جاز اغتباطهم المحمود في الخير.
قال النبيُّ ﷺ: «لا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» (٩) .
_________________
(١) أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» . برقم (٥٠٢٧)، وأخرجه أيضًا بلفظ: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» برقم (٥٠٢٨) . وأبو داود؛ كتاب الوتر، باب: في ثواب قراءة القرآن، برقم (١٤٥٢) . والترمذي، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في تعليم القرآن، برقم (٢٩٠٧) . وبرقم (٢٩٠٨)، بلفظ: «خَيْرُكُمْ أَوْ أَفْضَلُكُمْ »؛ جميعُهم عن عثمانَ ﵁.
(٢) أخرجه البخاري؛ كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة عبس، برقم (٤٩٣٧)، عن عائشة ﵂. ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها (فضائل القرآن وما يتعلق به)، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه، برقم (٧٩٨)، عنها أيضًا. واللفظ لمسلم.
(٣) الأُتْرُجَّة: ثمرة معروفة، يقال لها أيضًا: تُرُنْجَة، و«أُتْرُنْجَة» .
(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري؛ كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (٥٠٢٠)، عن أبي موسى الأشعري ﵁. ومسلم؛ كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها (فضائل القرآن وما يتعلق به)، باب: فضيلة حافظ القرآن. برقم (٧٩٧)، عنه أيضًا. واللفظ لمسلم.
(٥) أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن، برقم (٥٠٢٥)، عن ابن عمر ﵄. ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها (فضائل القرآن وما يتعلق به) . باب: فضل من يقوم بالقرآن ويُعلِّمه، برقم (٨١٥)، عنه أيضًا. واللفظ لمسلم.
[ ٢٣ ]
- وهم من يرفع الله منزلتهم في الآخرة حتى يُبلَّغوا منزلة آخرِ آيةٍ يقرؤونها.
قال ﷺ: «يُقَالُ - يعني لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ - اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا» (١٠) .
- وهم من تنزَّل السكينة عليهم، وتدنو الملائكة عند قراءتهم.
قال النبيُّ ﷺ لأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ ﵁: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ (١١) تِلْكَ الْمَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» (١٢) .
- وهم المُقدَّمون للإمامة في الصلاة.
قال ﵊: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى » (١٣) . الحديث.
- وهم الواجب إكرامهم.
قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ: إِكْرَامَ ذِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة (الوتر)، باب: كيف يُستحب الترتيل في القرآن، برقم (١٤٦٤) عن عبد الله بن عمرو ﵄. والترمذي، كتاب ثواب القرآن، باب: «إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ..» برقم (٢٩١٤)، عنه أيضًا. وقال: هذا حديث حسن صحيح. واللفظ المختار له.
(٢) أُسَيْد بنُ حُضيرٍ هو أبو عتيك ﵁، كما في رواية: «اِقْرَأْ أَبَا عَتِيك»، عند ابن حبان (١٧١٦) والطبراني في الكبير (٥٦٦)، وغيرهما.
(٣) أخرجه البخاري؛ كتاب: فضائل القرآن، باب: نزول السَّكينة والملائكة عند قراءة القرآن، برقم (٥٠١٨) عن أُسَيْد ﵁. ويشار هنا إلى أن البخاري بعد إخراجه الحديث بانقطاع السند بين محمد التيمي وأُسَيد ﵁، عاد فوصله في آخر الحديث بسماع ابن الهاد من عبد الله ابن خبَّاب، عن أبي سعيد الخدري، عن أُسَيد ﵁. فالتعويل فيه على الإسناد الموصول كما نبَّه على ذلك الحافظ ﵀ في «الفتح» (٨/٦٨١)، والله أعلم.
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم؛ كتاب المساجد، باب: مَن أحقُّ بالإمامة؟، برقم (٦٧٣)، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁.
[ ٢٤ ]
الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (١٤) .
- وهم، أخيرًا وليس آخرًا، أهلُ الله وخاصَّتُه.
قال النبيُّ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ»، قيل: من هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ ﵊: «أَهْلُ الْقُرْآنِ: أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ» (١٥) .
شرَّف الله أهلَ القرآن وجعلني وإياك - أخي القارئ - ممن يُكرِمهم إجلالًا لمقامه ﵎.
****
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم، برقم (٤٨٤٣)، عن أبي موسى ﵁. وفي سنده أبو كنانة القرشي - وهو مجهول - عن أبي موسى، وللحديث شواهد يتقوى بها. وقد حسَّنه الأئمة: النووي والعراقي وابنُ حجر رحمهم الله تعالى. انظر: «التبيان» للنووي بتحقيق الأستاذ الأرناؤوط ص (٢٠) .
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣/١٢٧)، من حديث أنس بن مالك ﵁، برقم (١٢٣٠٤) . وابن ماجه؛ كتاب: السُّنة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه؛ برقم (٢١٥) عنه أيضًا. والحديث حسَّنه العراقيُّ في تخريج الإحياء (١/٢٨٠) . كما جوّده الألبانيُّ في «الضعيفة» (٤/٨٥) . وقال الذهبيُّ في «الميزان» (٣/٦٢٦): إسناده صالح. ووافقه الحافظ في «اللسان» (٥/٢٥٤) .
[ ٢٥ ]