ج٥١: هذه المصطلحات جميعًا، هي داخلة - كما ذُكِر آنفًا - تحت الصفات العارضة للحروف، فالإظهار وهو، لغة: البيان. واصطلاحًا: إخراج
[ ٧٢ ]
كل حرف من مخرجه بغير غنة. وهو يكون عند التقاء نون ساكنة أو تنوين بأحد الحروف الستة [ء، هـ، ع، ح، غ، خ] ولكون هذه الحروف تخرج من الحلق فقد سمي الحكم إظهارًا حلقيًا، وقد مرَّ قريبًا بيان أمثلة لذلك.
كذلك لو التقت ميم ساكنة عند أي حرف من حروف الهجاء، ما عدا الميم والباء، فإن الحكم يسمى عندها: الإظهار الشفوي، لأن الميم من الحروف الشفوية. ومثاله: [الفَاتِحَة: ٧] ﴿عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ .
أما الإدغام فهو، لغة: إدخال الشيء في الشيء، واصطلاحًا: التقاء حرف ساكن بمتحرك بحيث يصيران عند النطق بهما حرفًا واحدًا مشددًا كالثاني، يرتفع اللسان عنده ارتفاعة واحدة. وهو من الصفات العارضة أيضًا، وهو يكون في حالين:
[ ٧٣ ]
الأولى: عند التقاء نون ساكنة أو تنوين بأحد الحروف الستة المجموعة في قولك (يَرْمُلُون) . ويسمى إدغامًا بغنة عند حروف (ينمو)، وإدغامًا بغير غنة عند حرفي اللام والراء. أي يجب إدخال النون الساكنة أو التنوين بأحد هذه الحروف الستة عند الالتقاء، والنطق بهما كالحرف الثاني مشددًا.
ومثاله
- مع النون الساكنة-: [البَقَرَة: ٨] ﴿مَنْ يَقُولُ﴾، [الليْل: ١٩] ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾، [النُّور: ٣٣] ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾، [الرّعد: ١١] ﴿مِنْ وَالٍ﴾، ومثاله مع التنوين: [البَقَرَة: ١٩] ﴿وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ﴾، [الغَاشِيَة: ٨] ﴿يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ *﴾، [الإنسَان: ١٩] ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، [البَقَرَة: ١٤٨] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ .
يشار هنا إلى أن رواية حفص عن عاصم قد وردت بوجوب إظهار النون الساكنة عند التقائها بواو، وذلك في موضعين من القرآن الكريم، الأول في قوله تعالى: [يس: ١-٢] ﴿يس *وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ *﴾،
[ ٧٤ ]
وقوله سبحانه: [القَلَم: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ فيجب - عنده - القراءة بإظهار النون هكذا في الأولى: [ياسينْ والقرآن الحكيم]، وفي الثانية: [نونْ والقلم] .
ملحوظة: يُسمّى الإدغام بغنة، إدغامًا ناقصًا؛ وذلك لذهاب الحرف وهو النون الساكنة أو التنوين، وبقاء الصفة، وهي الغنة، بينما يسمى الإدغام بغير غنة، إدغامًا تامًا؛ وذلك لذهاب الحرف والصفة معًا.
فائدة:
ثمة مناسبة لطيفة بين كل من حروف الإدغام وحكمها؛ فمعنى الفعل (ينمو) يتضمن الزيادة، كما أن الغنة في معناها الزيادة أيضًا. أما حرفَيِ الإدغام بغير غنة اللام والراء، (رَلْ) أو (لِرْ) فمعنى فعل الأمر هنا: أسرعْ، كما أن في الإدغام بغير غنة معنى الإسراع في القراءة عند ملاقاة التنوين أو النون الساكنة حرفَ الإدغام بغير غنة.
[ ٧٥ ]
تنبيه:
لو وقع أحد حروف الإدغام (يَرْمُلُون) بعد النون الساكنة في كلمة واحدة، وجب الإظهار، ويسمى عندئذ «الإظهار المطلق»؛ لعدم تقييده بحلق أو شفة، وقد وقع هذا النوع في أربع كلمات من القرآن الكريم، وهي «الدنيا» حيثما وقعت. و«بنيان» في خمس مواضع، وهي قوله تعالى:
[التّوبَة: ١٠٩] ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾ .
[التّوبَة: ١١٠] ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
[الكهف: ٢١] ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ﴾ .
[الصَّافات: ٩٧] ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ *﴾ .
[الصَّف: ٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ *﴾ .
[ ٧٦ ]
و«قنوان» من قوله تعالى: [الأنعَام: ٩٩] ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ﴾ .
و«صنوان» من قوله تعالى: [الرّعد: ٤] ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ ﴾ .
فتقرأ هذه الكلمات كما هي: الدُّنْيَا - بُنْيَان - قِنْوَان - صِنْوَان. وذلك كي لا تلتبس بالمضاعف؛ فمثلًا قد يلتبس معنى صِنْوان - وهي: النخل التي يجمعها أصل واحد - بمعنى صِوّان وهو نوع من الأحجار، وهكذا قد يقع الالتباس في المعنى في باقي هذه الكلمات فيما لو أُدغِمت.
الحال الثانية للإدغام: يكون الإدغام أيضًا عند التقاء الميم الساكنة بميم بعدها، فيجب عندها إدخالها بها مع الغنة، ويسمى الحكم عندئذ إدغامًا شفويًا، ومثاله: [البَقَرَة: ٢٩] ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ .
[ ٧٧ ]
فائدة:
يسمى الإدغام الشفوي إدغام المتماثلين الصغير، وذلك لتمييزه عن إدغام المتماثلين الكبير الذي يجوز فيه إدغام الحرفين المتماثلين المتحركين، وذلك عند القارئ أبي عمرو البصري - وهو من القراء السبعة - بضوابطَ مشتهرةٍ عند أهل الأداء لا يَحْسُن تفصيلها في هذا المقام.
وأما الإقلاب
فهو لغة: تحويل الشيء عن وجهه، واصطلاحًا: جعل حرف مكان حرف آخر، مع مراعاة الغنة. ويكون عند التقاء نون ساكنة أو تنوين بحرف واحد هو الباء.
ومثاله:
[البَقَرَة: ٣٣] ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ -[البَقَرَة: ٢٧] ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ -[آل عِمرَان: ١١٩] ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ .
وأما الإخفاء
فهو لغة: الستر، واصطلاحًا: عبارة عن النطق بحرفٍ ساكن عارٍ - أي - خالٍ عن التشديد، على صفةٍ بين الإظهار والإدغام، مع
[ ٧٨ ]
بقاء الغنة في الحرف الأول وهو النون الساكنة أو التنوين. والضابط في ذلك أنك تنظر عند النون الساكنة والتنوين، فإن لم يأت بعده حرف من أحرف الإظهار الحلقي: [ء، هـ، ع، ح، غ، خ]، ولم يأت بعده أحد حروف الإدغام: (يَرْمُلُون)، ولم يأت بعده حرف الإقلاب [الباء]، فيكون الحكم عند ذلك إخفاءً حقيقيًا، وحروفه خمسة عشر جمعها الإمام الجُمزوري في منظومته المسماة بالتحفة في أوائل كَلِم هذا البيت:
صِفْ ذَا ثَنَا كَمْ جَادَ شَخْصٌ قَدْ سَمَا
دُمْ طَيِّبًا زِدْ فِي تُقَىً ضَعْ ظَالِما
هذا، ولو التقت الميم الساكنة بباءٍ بعدها وجب عندها إخفاء الميم، ويسمى إخفاءً شفويًا، ومثاله [غَافر: ١٦] ﴿هُمْ بَارِزُونَ﴾ .
مما ذكر آنفًا تبين لك - أخي القارئ - ما لدقة ملاحظة النون الساكنة والتنوين، والميم الساكنة، وما
[ ٧٩ ]
يأتي بعدها، من أهمية بالغة في تلاوة القرآن حق التلاوة.