ج٥٣: إن لكل حرف - كما عرفتَ - مخرجًا وصفة، فإن اتفق حرفان في المخرج والصفة فهما متماثلان، وإن تقاربا مخرجًا وصفة فهما متقاربان، وكذلك إن تقاربا مخرجًا فقط أو صفة فقط، فإن اتفقا مخرجًا واختلفا صفة، أو اتفقا صفة واختلفا مخرجًا فهما متجانسان، أما لو تباعدا مخرجًا فسواء اختلفا صفة أو اتفقا فهما متباعدان.
ولنأت إلى تفصيل ذلك -إن شاء الله- بعد إجماله.
المتماثلان:
هما الحرفان اللذان اتفقا مخرجًا وصفة كالدَّالين، من قوله تعالى: [المَائدة: ٦١] ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾، وكالباءَين، من قوله تعالى: [النَّمل: ٢٨] ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي﴾، وهنا وجب إدغام الدالين والباءين بشرط
[ ٨٤ ]
إسكان أولهما، عند حفص. ويشار هنا إلى أن لإدغام المتماثلين عند القراء ثلاثة أنواع: صغير وكبير ومطلق، لا يتسع المقام هنا لتفصيل بها.
المتقاربان:
هما الحرفان اللذان تقاربا مخرجًا وصفة، أو تقاربا مخرجًا فقط أو صفة فقط.
ومثال ذلك:
ما تقاربا مخرجًا وصفة: كالتاء والثاء من قوله تعالى: [الشمس: ١١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ *﴾، ما تقاربا مخرجًا فقط: كالدال والسين من قوله تعالى: [المجَادلة: ١] ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ما تقاربا صفة فقط: كالذال والجيم من قوله تعالى: [الأحزَاب: ١٠] ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾، وحكم ذلك كله وجوب الإظهار، إلا في مسائل، وهي استثناءات أضرب مثالًا لها اللامَ والراءَ من قوله تعالى: [الكهف: ٢٢] ﴿قُلْ رَبِّي﴾، وهنا تدغم لام
[ ٨٥ ]
[القَلَم: ١] ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ و[يس: ١-٢] ﴿يس * وَالْقُرْآنِ﴾، لأن الرواية فيهما - عند حفص - بالإظهار، فلا تدخلان في الاستثناءات التي أشرت إليها آنفًا. وكذلك [المطفّفِين: ١٤] ﴿بَلْ رَانَ﴾ وجب إظهار لام (بل) في هذا الموضع، لورود الرواية فيها عن حفص بالسكت، والسكت يمنع الإدغام.
المتجانسان:
هما الحرفان اللذان اتفقا مخرجًا واختلفا صفة، أو اختلفا مخرجًا واتفقا صفة.
ومثال ما اتفقا مخرجًا فقط:
التاء مع الدال، من قوله تعالى: [يُونس: ٨٩] ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ .
ومثال ما اتفقا صفة فقط:
الجيم مع الدال، من قوله تعالى: [الضّحى: ٦] ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ .
وفي الحالتين يجب الإظهار، إلا في مسائل، منها [هُود: ٤٢] ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾، فالواجب فيها: الإدغام
[ ٨٦ ]
الكامل، لورود الرواية عن حفص بذلك. وتجد تمام هذه المسائل مُفصَّلةً في مُطوَّلات كتب هذا العلم.
المتباعدان:
وهما الحرفان اللذان تباعدا مخرجًا سواء اختلفا صفة، أو اتفقا.
مثال ما تباعدا مخرجًا واختلفا صفة، النون والخاء من قوله تعالى: [المَائدة: ٣] ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ .
ومثال ما تباعدا مخرجًا واتفقا صفة، الكاف والتاء من قوله تعالى: [البَقَرَة: ٢٨٢] ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ . وحكم كِلا النوعين وجوب الإظهار، إلا في مسألتين من الإخفاء الحقيقي، وهما إخفاء النون الساكنة بالكاف، نحو قوله تعالى: [المُزّمل: ١٢] ﴿أَنْكَالًا﴾، وإخفاء النون الساكنة بالقاف، نحو قوله تعالى: [البَقَرَة: ١٤٣] ﴿يَنْقَلِبُ﴾ .