لقد تواترت الروايات الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف عند المحدثين (٢) وقد نصّ الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام على أن هذا الحديث تواتر عن النبي ﷺ.
وقال الحافظ ابن الجزري: «وقد تتبعت طرق هذا الحديث في جزء مفرد جمعته في ذلك، فرويناه من حديث عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم بن حزام، وعبد الرحمن ابن عوف، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبي بكرة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبي جهم، وأم أيوب الأنصارية ﵃ (٣) وهذه بعض الروايات:
_________________
(١) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (١: ٢٣ - ٢٤).
(٢) أشار إلى هذا التواتر، ونقل جملة من الأحاديث الواردة في موضوع الأحرف السبعة، الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، في بحثه: حديث الأحرف السبعة، دراسة لإسناده ومتنه، واختلاف العلماء في معناه، وصلته بالقراءات القرآنية، ص ٢٧.
(٣) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (١: ٢١).
[ ١٠ ]
١ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «قال رسول الله ﷺ: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (١).
٢ - وعن أبي بن كعب ﵁: أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار (٢) قال:
فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» (٣).
٣ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أمّيين (٤): منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٥).
وفي رواية أبي داود: «ليس منها إلا شاف كاف » (٦).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم، انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، في فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (٩: ٢٣)، والنووي، صحيح مسلم بشرح النووي، في صلاة المسافرين، بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف (٦: ١٠١).
(٢) الأضاة: بوزن القناة والحصاة: الماء المستنقع كالغدير، وأضاة بني غفار موضع بالمدينة، ومنازل بني غفار غربي سوق المدينة، وبالسائلة من أجبل جهينة إلى بطحان، انظر: الخطابي، معالم السنن مع سنن أبي داود (٢: ١٦٠)، وابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر (١: ٥٣).
(٣) رواه مسلم، انظر: النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، في صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، (٦: ١٠٣ - ١٠٤).
(٤) الأمّي: هو الذي لا يكتب، ولا يقرأ، ممن بقي على خلقته لم يتعلم الكتاب، انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة «أمم»، ص ١٣٩٢.
(٥) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، انظر: سنن الترمذي، كتاب القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف (٥: ١٩٤ - ١٩٥).
(٦) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، رقم (١٤٧٧)، (٢: ١٦٠).
[ ١١ ]
٤ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أن أساوره في الصلاة (١)، فانتظرته حتى سلّم، ثم لبّبته بردائه (٢)، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، قلت له: كذبت، فو الله إنّ رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ: أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله ﷺ: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله ﷺ: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» (٣).
٥ - عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: سمع عمرو بن العاص رجلا يقرأ آية من القرآن، فقال: من أقرأكها، قال: رسول الله ﷺ، قال: فقد أقرأنيها رسول الله ﷺ على غير هذا، فذهبا إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله آية كذا وكذا، ثم قرأها، فقال رسول الله ﷺ: هكذا أنزلت فقال الآخر يا رسول الله، فقرأها على رسول الله ﷺ فقال: أليس هكذا يا رسول الله، قال: هكذا أنزلت، فقال رسول الله ﷺ: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأيّ ذلك قرأتم فقد أحسنتم، ولا تماروا فيه، فإن المراء فيه كفر، أو آية الكفر» (٤).
_________________
(١) أي آخذ برأسه في الصلاة، انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٩: ٢٥) حديث رقم (٤٩٩٢).
(٢) أي: جمعت عليه ثيابه عند لبّته أي موضع نحره، وموضع القلادة من الصدر، لئلا يتفلت مني، وأخذت بمجامع ردائه في عنقه، وجررته به، وكان عمر بن الخطاب ﵁ شديدا في الحق، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل ذلك اجتهادا منه لظنه أن هشاما قد خالف الصواب، ولهذا لم ينكر عليه النبي ﷺ، وأمره بإرساله، أي: بتركه، انظر: المرجع السابق، والنووي، صحيح مسلم (٦: ٩٨)، والفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (لبب)، ص ١٧٠.
(٣) رواه البخاري ومسلم، انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، في فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف (٩: ٢٣)، والنووي، صحيح مسلم بشرح النووي، في صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن نزل على سبعة أحرف (٦: ٩٨ - ١٠١).
(٤) الإمام أحمد، المسند، حديث رقم (١٧٨٥٥)، (٤: ٢٠٥).
[ ١٢ ]
٦ - عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قرأت آية، وقرأ ابن مسعود ﵁ خلافها، فأتيت النبي ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا، قال: بلى. فقال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا، فقال: بلى كلاكما محسن مجمل، قال: فقلت له: فضرب صدري فقال: يا أبيّ بن كعب إني أقرئت القرآن، فقيل لي: على حرف أو على حرفين؟ قال: فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين أو ثلاثة؟ قال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت:
غفورا رحيما، أو قلت: سميعا عليما، أو عليما سميعا، فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (١).
٧ - عن أبي بن كعب قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ، فقلت: إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسّن النبيّ ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله ﷿ فرقا، فقال لي: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ» (٢).