لقد وقع الخلاف عند العلماء في بداية نزول القراءات وأوجه الاختلاف في الكلمات، هل بدأ نزولها في مكة، أو في المدينة، على قولين:
القول الأول: أن بداية نزولها كان بمكة المكرمة، وذلك للأدلة التالية (١):
١ - الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، ومنها: «أقرأني جبريل على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» فوجه الدلالة واضح في أن القراءات تزامن نزولها مع نزول القرآن الكريم، بدليل قول النبي ﷺ: «أقرأني جبريل على حرف، أي: بداية نزول القرآن الكريم، وهكذا كان يطلب النبي ﷺ من جبريل الزيادة.
٢ - أن القرآن الكريم نزل بحرف، وبأكثر من حرف، والناظر في سور القرآن الكريم يجد أن معظم سور القرآن نزلت بمكة، حيث إن عدد السور المكية ثلاث وثمانون سورة.
٣ - أنه لم يثبت بسند صحيح أن هذه السور نزلت مرة أخرى بالمدينة المنورة، فعدم نزولها مرة أخرى دليل على أنها نزلت أول مرة في مكة مشتملة على الأحرف السبعة.
_________________
(١) د. محمد سالم محيسن، القراءات وأثرها في علوم العربية (١: ٥٠ - ٥١).
[ ٥٢ ]
٤ - أن الغاية التي من أجلها نزلت الأحرف السبعة هي التخفيف عن الأمة على اختلاف لغاتها ولهجاتها، وهذه الحالة موجودة في مكة، ثم إن الأمة أحوج ما تكون إلى التيسير والتخفيف في مكة قبل المدينة النبوية.
القول الثاني: إن بداية نزول القراءات القرآنية كان في المدينة، وذلك للأدلة التالية:
١ - قول النبي ﷺ: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، وأن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار قال: فأتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».
وجه الدلالة في الحديث: أن هذا الحديث يدل على الوقت الذي رخص فيه أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف، وهو في المدينة بعد الهجرة، بدليل أن (أضاة بني غفار) هو مستنقع ماء قرب المدينة (١).
٢ - أن الأحاديث التي ورد فيها خلاف الصحابة في أوجه القراءة كانت في مسجد، ومعلوم أن المسجد كان في المدينة، ولم يكن في مكة.
٣ - أن حكمة كون بداية نزول الأحرف السبعة في المدينة، أن المؤمنين في مكة كانوا قليلي العدد والسواد الأعظم منهم من قريش، وعلى اتصال دائم برسول الله ﷺ، وهم متمكنون من حفظ القرآن الكريم، وتلاوته تلاوة صحيحة خالية من التصحيف، أما في المدينة، فقد زاد عددهم، واتسع نطاق الدعوة، وأرسل الرسول ﷺ
_________________
(١) الدكتور شعبان محمد إسماعيل، القراءات أحكامها ومصدرها، ص ٤٧، وانظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩: ٢٨)، دار الفكر.
[ ٥٣ ]
يراسل القبائل والأقوام، من داخل الجزيرة العربية وخارجها، وكانوا متعددي اللغات واللهجات، فاحتاجوا للرخصة، فأخذ كل منهم يقرأ بقدر استطاعته (١).
يدل على هذا قول ابن حجر: «أنزل أولا بلسان قريش ثم سهل على الأمة أن يقرءوه بغير لسان قريش وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام لقد ثبت أن ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة» (٢).
وليس من السهل القطع بترجيح قول على آخر، ولكن الإشارات التي ذكرها أصحاب القول الثاني ربما تكون أقرب لموضوع الأحرف السبعة، والظروف التي نزلت فيها، وطبيعة الرخصة والحاجة إليها، فإن أضاة بني غفار موضع بالمدينة، كما أن الأحاديث الواردة في الأحرف السبعة ظاهرها كان في مسجد، وهو كان في المدينة، مع أن هذا القول يشكل عليه: كون عدد من سور القرآن مكية، وفيها وجوه اختلاف.
وبقية الاستدلالات تبدو عقلية وتحتمل الصواب والخطأ، ولذلك يظهر أن الأحرف نزلت في المدينة، ولكن لا يبعد أن جزءا منها نزل في مكة المكرمة.
ويمكن أن يقال أيضا إن السور التي نزلت بمكة نزلت أولا على حرف واحد وكان المسلمون يقرءونها بحرف واحد، فلما انتقلوا إلى المدينة وكثر الداخلون في الإسلام واحتيج إلى القراءة بسبعة أحرف صارت هذه السور تقرأ على سبعة أحرف بتعليم وتوقيف من الرسول ﷺ.