ذكر ابن مجاهد أن القراء السبعة الذين ضمن كتابه قراءاتهم، خلفوا التابعين في القراءة، وأجمعت العامة على قراءاتهم، وهو بهذا كأنه يلتمس لنفسه العذر فيما قام به من اختيار السبعة دون غيرهم وفي هذا يقول بعد أن ترجم لهم:
«فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سميت، وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن يستحسن رجل لنفسه حرفا شاذا، فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزا في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه» (٣).
_________________
(١) ابن الجزري، النشر (١: ٤٣ - ٤٤).
(٢) أصدرته مؤسسة آل البيت في الأردن، ويقع في ثلاثة أجزاء.
(٣) ابن مجاهد التميمي، السبعة في القراءات، ص ٨٧.
[ ٦٠ ]
والذي ينعم نظره في هذا النص يجد أن ابن مجاهد يعدّ قراءة هؤلاء السبعة هي القراءات المجمع عليها، وما سواها ليس كذلك وقد كان للعلماء في صنيع ابن مجاهد رأيان، فذهب جماعة منهم (١) إلى لومه وتخطئته، وذهب آخرون (٢) إلى التماس العذر له وبيان أنه لم يقصد أن هذه القراءات السبع هي المقصودة بالحديث.
وأيا كان الأمر فإن هناك أمرا مهما دعا ابن مجاهد إلى القيام بهذا العمل.
قال مكي: «إن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط به القراءة، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره، وأجمع أهل
مصره على عدالته وثقته وعلمه، فأفردوا من كل مصر وجّه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفته: فكان هؤلاء السبعة في الأمصار، ومع ذلك لم تترك القراءة بقراءة غيرهم كأبي جعفر ويعقوب وغيرهما» (٣).
وقد اشتهرت هذه القراءات السبع وتداولها الناس وكان لمكانة ابن مجاهد العلمية أثر كبير في هذه الشهرة، فضلا عما يتمتع به أصحاب القراءات السبع من مكانة علمية رفيعة.
ومما زاد في شهرة هذه القراءات وتمسك الناس بها أن ابن مجاهد أفرد القراءات الشاذة بمؤلف خاص فكان عمله هذا حاسما في توضيح الفرق بين المقبول والمردود من القراءات، وأشار المستشرق نولدكه إلى هذا الكتاب بقوله: «تبدأ مراجع القراءات
_________________
(١) من هؤلاء: أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي الذي قال: «ولقد فعل مسبع هؤلاء ما لا ينبغي له أن يفعله وأشكل على العامة حتى جهلوا ما لا يسعهم جهله، وأوهم كل من قل نظره أن هذه هي المذكورة في الخبر النبوي لا غير .. قال: وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل هذه الشبهة» منجد المقرئين ٧١.
(٢) من هؤلاء أبو شامة وأبو طاهر بن أبي هاشم، قال أبو شامة: «لم يرد ابن مجاهد ما نسب إليه بل أخطأ من نسب إليه ذلك» فتح الباري (٩: ٣١)، قال ابن حجر: «وقد بالغ أبو طاهر ابن أبي هاشم صاحبه في الرد على من نسب إليه أن مراده بالقراءات السبع الأحرف السبعة المذكورة في الحديث» فتح الباري (٩: ٣١).
(٣) مكي، الإبانة ص ٤٧ - ٤٨.
[ ٦١ ]
الشاذة حقيقية بالرجل الذي أسس نظام القراءات السبع المشهورة (ابن مجاهد) وقد ألف إلى جانب كتاب السبعة كتابا آخر اسمه كتاب (الشواذ) وقد ضاع» (١).
وبعد ذلك توالى التأليف في القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد، فألف مكي ابن أبي طالب: التبصرة، والكشف، وألف أبو عمرو الداني: التيسير وجامع البيان، وألف ابن شريح: الكافي، ونظم الشاطبي قصيدته: «حرز الأماني ووجه التهاني» ضمنها كتاب التيسير.
«وقد كانت مؤلفات الداني ومعاصريه من علماء القرن الخامس حدا فاصلا في التفرقة بين القراءات الصحيحة والشاذة لا سيما مؤلفات الداني بما لقيته من شهرة وإقبال دراسي عليها وبما حظيت به الشاطبية من شرح ودرس» (٢).
ذلك لأن في مؤلفات القرن الرابع أمثال السبعة لابن مجاهد قراءات صحيحة شذذها رجال القرن الخامس ومن بعدهم كقراءة ابن كثير (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) في الفاتحة بنصب غير، وقراءته (لَإِحْدَى الْكُبَرِ) في المدثر بغير همز (لحدى)، وقراءات شواذ وردت في مختصر البديع لابن خالويه. مثل قراءة ابن كثير من رواية البزي (سَحابٌ ظُلُماتٌ) في النور بالإضافة، اعتدها متواترة مقرءو القرن الخامس ومن بعدهم، وفي ضوئه قد نستطيع أن نعتبر عصر الداني العصر الذي استقرت فيه الحدود بين القراءات الصحاح والقراءات الشواذ.