علم التجويد كما تقدم هو: «علم بقواعد وأحكام لكيفية النطق بالكلمات القرآنية على الكيفية التي أنزل بها على النبي الكريم ﷺ».
_________________
(١) طبع بمطبعة محمد علي صبيح وأولاده بمصر، مع متن الجزرية، ١٩٥٦ هـ، وعليه عدة حواش، ومنها: حاشية زين العابدين بن محي الدين الأنصاري، وحاشية أبي الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملسي القاهري، وحاشية أبي النصر عبد الرحمن النحراوي، وغيرها.
(٢) طبع بالمطبعة الميمنية بمصر، ١٣٢٢ هـ.
(٣) صدر عن دار عمار للنشر والتوزيع في عمان، بتحقيق: د. سالم قدوري الحمد.
(٤) صدر عن المكتبة التوفيقية بالقاهرة.
(٥) صدر عن جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة بتحقيق: محمد طلحة بلال منيار.
(٦) طبع أكثر من عشر طبعات وفي دول متعددة منها طبعة دار المنار في الأردن.
(٧) انظر: الفرق بين علمي التجويد والقراءات: مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص ١٨٨ - ١٩٠، وغانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، ص ٢٠ - ٢١.
[ ١٨٨ ]
وتقدم: أن علم التجويد يعتني بتحسين وتجويد الألفاظ القرآنية، من حيث إخراج كل حرف من مخرجه، ورده إلى أصله، وترتيبه، وإعطاؤه حقه ومستحقه من الصفات، وبعض المسائل التجويدية المتعلقة بتحسين اللفظ، إضافة إلى الوقف الصحيح والابتداء الصحيح، وخلاصة القول: أنه العلم الذي يعتني بتصحيح النطق بالكلمات القرآنية بلا تعسف ولا إفراط ولا تكلف.
والتجويد وإن كان صناعة علمية لها قواعدها التي تعتمد على إخراج الحروف من مخارجها مع مراعاة صلة كل حرف بما قبله وما بعده في كيفية الأداء؛ فإنه لا يكتسب بالدراسة بقدر ما يكتسب بالممارسة والمران ومحاكاة من يجيد القراءة (١).
أما علم القراءات فهو «العلم الذي يعني بكيفية أداء كلمات القرآن، واختلافها معزوا إلى ناقله»، وهو العلم الذي يعنى بنقل الروايات القرآنية المروية عن النبي ﷺ.
وهذا لا يعني أن علم القراءات منفصل عن علم التجويد، بل إن علماء القراءات ينقلون هذه الروايات ويعلمونها طلابهم على وفق الكيفية المجودة المروية عن ﷺ، ولكن جل اهتمامهم هو الاعتناء بهذه الروايات ونقلها، وضبطها؛ وإن كانت تروى مجودة.
مما سبق يمكن القول بأن علمي التجويد والقراءات يشتركان فيما يلي:
١ - أن كليهما يرتبط بألفاظ القرآن من جهة يختلف فيها عن الآخر.
٢ - أن القراءات القرآنية المعزوة إلى ناقليها لا يمكن قراءتها منفكة عن الكيفية المجودة التي أنزل القرآن بها، بمعنى أن الأوجه المنقولة نقلت مجودة.
٣ - أن علم التجويد يعدّ جزءا من علم القراءات على اعتبار أن علم القراءات على ما تقدم ينقسم إلى قسمين: الأصول والفرش، وأن علم التجويد في كثير من مباحثه يعتبر من الأصول التي بحثها القراء.
ويتضح أيضا أن علمي القراءات والتجويد يختلفان في أمرين (٢):
_________________
(١) مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص ١٨٨.
(٢) غانم قدوري الحمد، الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، ص ٢٠ - ٢١.
[ ١٨٩ ]
الأمر الأول: من حيث الموضوع: فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة، وعزو الروايات لناقليها، بقدر عنايته بتحقيق الألفاظ وتجويدها وتحسينها، وهو مما لا خلاف في أكثره بين القراء؛ فإن القراء عموما متفقون على موضوعات مخارج الحروف والصفات، والقضايا الكلية للمد والقصر، وأحكام النون الساكنة والتنوين، والميم الساكنة، وغيرها.
الأمر الثاني: من حيث المنهج: فإن منهج كتب القراءات هو المنهج النقلي؛ فإن كتب القراءات كتب رواية، بخلاف كتب التجويد فلا تعتني بالرواية، ولكنها كتب دراية، تعتمد على درجة مقدرة القارئ في ملاحظة أصوات اللغة، وتحليلها، ووصفها حال إفرادها أو تركيبها.
وقد استفيد الفرق بين علمي التجويد والقراءات من نصوص وردت في كتاب:
«الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة»، لمكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ).
ومنها قوله في مقدمة الكتاب: «وإني لما رأيت هذه الحكمة البديعة والقدرة العظيمة في هذه الحروف التي نظمت ألفاظ كتاب الله- جل ذكره- ووقفت على تصرفها في مخارجها وترتيبها عند خروج الصوت بها، واختلاف صفاتها، وكثرة ألقابها قويت نيتي في تأليف هذا الكتاب وجمعه في تفسير الحروف ومخارجها، وصفاتها وألقابها، وبيان قويها وضعيفها، واتصال بعضها ببعض، ومناسبة بعضها لبعض، ومباينة بعضها لبعض، ليكون الوقوف على معرفة ذلك عبرة في لطف قدرة الله الكريم؛ وعونا لأهل تلاوة القرآن على تجويد ألفاظه وإحكام النطق به ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء، فيجب على كل من قرأ بأي حرف كان من السبعة أن يأخذ نفسه بتحقيق اللفظ وتجويده، وإعطائه حقه على ما نذكره مع كل حرف من هذا الكتاب» (١).
ومنها قوله حين تحدث عن أحكام تجويد الهمزة: «وقد تقدم ذكر أصول القراء واختلافهم في الهمز وتليينه وحذفه وبدله وتحقيقه وغير ذلك من أحكامه في غير هذا الكتاب فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك، وكذلك ما شابهه، فليس هذا كتاب اختلاف،
_________________
(١) مكي بن أبي طالب، الرعاية لتجويد القراءة، ص ٥١ - ٥٢.
[ ١٩٠ ]
وإنما هو كتاب تجويد ألفاظ ووقوف على حقائق الكلام وإعطاء اللفظ حقه ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها، مما لا اختلاف في أكثره» (١).
وقد بين محمد المرعشي الملقب ساج قلي زاده (ت ١١٥٠) الفرق بين علمي التجويد والقراءات بقوله: «إن قلت: ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات؟ قلت:
علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف، فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به.
وأما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة، فهو تتميم؛ كذا حقق في الرعاية» (٢).
وقال المرعشي أيضا: «اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد؛ لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها.
مثلا يعرف في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا، وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة- أي علم القراءات- يعرف فخمها فلان، ورققها فلان، وبهذا يندفع ما عسى أن يقال: علم القراءة يتضمن مباحث صفات الحروف، كالإدغام والإظهار والمد والقصر والتفخيم والترقيق، وهي مباحث علم التجويد» (٣).