جمع القرآن الكريم في عهد النبي ﷺ في الصدور وعلى أدوات الكتابة الأولية، وهي اللخف والعسب وجريد النخل وغيرها من أنواع الورق المتوفرة عندهم، ولم يكن القرآن الكريم آنذاك مجموعا في مكان واحد، بل كان مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وبالأحرف السبعة (١).
قال البيهقي في المدخل: «واعلم أن القرآن كان مجموعا كله في صدور الرجال أيام حياة رسول الله ﷺ، ومؤلفا هذا التأليف الذي نشاهده ونقرؤه إلا «سورة براءة» فإنها كانت من آخر ما نزل من القرآن ويشبه أن يكون رسول الله ﷺ إنما لم يجمعه في مصحف واحد، لما كان يعلم من جواز ورود النسخ على أحكامه ورسومه، فلما ختم الله دينه بوفاة نبيه ﷺ، وانقطع الوحي، قيض لخلفائه الراشدين عند الحاجة إليه جمعه بين الدفتين» (٢).
ثم جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ بسبب خوف الفاروق عمر ﵁ ذهاب القرآن باستشهاد حفاظه وقد أمر أبو بكر ﵁ زيد بن ثابت ﵁ أن يجمع القرآن، ذلك أن زيدا كان من حفاظ القرآن ومن كتاب الوحي، وهو ممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن الكريم، وقد كان القرآن في عهد أبي بكر في مصحف واحد مرتب الآيات مشتملا على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن (٣).
_________________
(١) أبو شامة، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ص ٥٦ وما بعدها.
(٢) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٦١ - ٦٢.
(٣) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٦٢ - ٦٣، ومناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص ١١٨ - ١٢٨، وغانم قدوري، رسم المصحف، دراسة لغوية تاريخية، ص ٩٥ - ١٠٧ وما بعدها.
[ ٣٣ ]
ولما اتسعت الفتوحات الإسلامية وتفرق القراء في الأمصار، أخذ كل صحابي يقرئ أهل البلدة التي ينزل فيها ما تعلمه من النبي ﷺ على وفق الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ولكن دخول الأعاجم في الإسلام وسماعهم للقرآن على هذا النحو أدى إلى دخول الشك في نفوس الناشئة الذين لم يدركوا رسول الله ﷺ.
واشتد الأمر حينما كان غزو «أرمينية»، وغزو «أذربيجان» من أهل العراق، وكان فيمن غزاها حذيفة بن اليمان ﵁، فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراءة، وكان بعض ذلك خارجا عن سنن القراءة الصحيحة المتلقاة عن النبي ﷺ وبلغ الأمر بهم إلى تكفير بعضهم بعضا، ففزع حذيفة إلى عثمان بن عفان ﵁ يخبره بالأمر، فاستشار عثمان أصحاب رسول الله ﷺ في جمع القرآن على وفق العرضة الأخيرة؛ درءا للفتنة، وأن ينسخوه من الصحف التي كانت عند أبي بكر ﵁ في جمعه الأول للقرآن الكريم فوافقوه على ذلك.
وفعلا قام عثمان ﵁ بجمع الناس على الأحرف الثابتة عن النبي ﷺ في العرضة الأخيرة برسم واحد في غالبه على حرف ولغة قريش، يحتمل الأوجه المختلفة، واطرح ما سواها، لكونه نسخ في العرضة الأخيرة؛ أو لكونه يعدّ تفسيرا وشرحا للآيات الكريمة من قبل الصحابة الكرام، وقد شارك في جمع القرآن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص بن أمية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ﵃ (١).
قال الحافظ ابن الجزري: «والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر وأبي العباس المهدوي ومكي بن أبي طالب القيسي وأبي القاسم الشاطبي، وابن تيمية وغيرهم، وذلك أن المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر ﵁ كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة، فلما كثر الاختلاف، وكاد المسلمون أن يكفر بعضهم بعضا أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي ﷺ على جبريل عام قبض، فكتبوا المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وما صح عن النبي ﷺ وجردوا المصاحف عن
_________________
(١) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٦٤ وما بعدها، ود. غانم قدوري، رسم المصحف، ص ١٠٧ وما بعدها.
[ ٣٤ ]
النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة كالإمالة والتفخيم والإدغام والهمز والحركات وأضداد ذلك مما هو باقي الأحرف السبعة غير لغة قريش » (١).
ونسخ عثمان ﵁ مجموعة من المصاحف وأرسلها إلى الأمصار حيث قام بجمع القرآن الذي تلقاه النبي ﷺ، والذي كان يتنزل بوجوه متعددة ومتغايرة منزّلة من أوجه القرآن الكريم، وهي أوجه تتعلق بالتلاوة والقراءة كما تبين جليا من خلال استعراض الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن خلال المعنى المختار للأحرف السبعة.
وقد ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة العرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇ متضمنة لها لم تترك منها حرفا، وهو القول الذي يظهر صوابه من خلال الأحاديث الصحيحة، والآثار المشهورة المستفيضة (٢).
وقد حسم عثمان بذلك الخلاف بين المسلمين في وجوه قراءة القرآن، وحملهم على ما نزل من القرآن بكيفياته المختلفة، وأجمع الصحابة ﵃ على الرسم الذي كتب به عثمان القرآن مشتملا على المستقر من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة، ولا ريب في أن إجماع الصحابة حجة قطعية حسمت مادة الخلاف بين المسلمين، وأوجبت العمل بالرسم العثماني (٣).
قال أبو شامة: «ثم إن الصحابة ﵃ خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا، فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ
_________________
(١) منجد المقرئين، ص ٢١ - ٢٢.
(٢) هذا هو القول المشهور، وذهبت طائفة من الفقهاء والقراء إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة؛ لأن الأمة لا يجوز لها أن تهمل شيئا منها وذهبت طائفة أخرى إلى أن المصاحف لا تشتمل إلا على حرف واحد، انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (١: ٣١)، ومنجد المقرئين ص ٢١، والطبري، جامع البيان (١: ٦٤).
(٣) انظر سبب جمع القرآن في عهد عثمان ﵁، مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص ١٢٨ وما بعدها.
[ ٣٥ ]
المرادف له، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ بعد ما عارضه به جبريل ﵇ في تلك السنة مرتين، ثم
اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم » (١).
ورجح بعض المعاصرين أن عثمان ﵁ قد جمع الناس على حرف واحد وهو لغة قريش واطرح ما سواها (٢).
وهذا الرأي يمكن أن يفهم من جهتين: فإن أرادوا أن عثمان بن عفان ﵁ قد ألزم المسلمين بالقراءة بحرف قريش فحسب، وترك الأحرف الأخرى التي نزل بها القرآن، فهذا قول ضعيف لأمرين:
الأمر الأول: أن هذا القول يتعارض والمعنى الأقرب لمعنى الأحرف السبعة، فالأحرف السبعة كما تقدم هي كيفيات ووجوه متعددة متغايرة لكلمات القرآن الكريم، وهذه الوجوه مشتملة على حرف قريش وغيره.
الأمر الثاني: أن في هذا القول هدرا لجملة من القراءات القرآنية التي نزلت على النبي ﷺ وثبتت في العرضة الأخيرة.
ويتمسك القائلون بأن عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد: بأن الأحرف السبعة رخصة فيسوغ أخذ حرف منها دون سائر الأحرف.
ويرد على هذا الدليل: بأن التخيير إنما كان في قراءة ما هو متلقّى لا في نقل الروايات القرآنية، ولذلك كانت الرخصة في قراءة هذه الأحرف السبعة، أو قراءة بعضها، لا أن الأمة مخيرة أن تنقل ما تشاء منها، وتترك ما تشاء، فهذا مما لم تتناوله الرخصة سيما أن القرآن محفوظ كله بسائر الأحرف التي نزل بها.
ثم إن الصحابة الكرام قاموا بنقل ما تلقوه من النبي ﷺ من أوجه القراءة موافقا للرسم العثماني لضبط الأوجه المقروء بها، ذلك أن الخبير بالرسم العثماني يدرك بأنه
_________________
(١) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) منهم محمد طاهر الكردي، ود. عبد الفتاح شلبي، ود. عبده الراجحي، وانظر هذه المسألة: غانم قدوري، رسم المصحف، ص ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٣٦ ]
يحتمل وجوها كثيرة فخوفا من تسرب ما لم يثبت قرآنا، عني الصحابة ﵃ والتابعون، ومن بعدهم بضبط روايات القرآن الكريم، واشتهر طائفة من نقلة هذه الروايات بالضبط والإتقان، وعرفوا بها، واشتهروا بنقلها، فنشأ مفهوم القراءات القرآنية أو علم القراءات.
وأما إذا أرادوا بقولهم السابق: أن رسم المصحف كان بحرف قريش فقط، وأن رسمه يحتمل ما ثبت في العرضة الأخيرة، فهو رأي فيه وجاهة لولا أنه يشكل عليه ما ورد في صحيح الإمام البخاري من حديث أنس بن مالك قال: «فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش؛ فإن القرآن أنزل بلسانهم، ففعلوا» (١)، فالأثر السابق يستفاد منه الأمور التالية:
الأمر الأول: أن غالب القرآن نزل بلسان قريش، لقول عثمان ﵁:
«فإن القرآن نزل بلسانهم»، أي: أن غالب القرآن نزل بلسان قريش؛ بدليل قوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: ٢٨]، وقوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، فالآيتان الكريمتان تدلان على أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب جميعا؛ وإن كان غالبه نزل بلغة قريش.
قال أبو شامة: «ومعنى قول عثمان ﵁ «إن القرآن أنزل بلسان قريش»، أي: معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم، أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف» (٢).
الأمر الثاني: أن الأثر السابق يدل صراحة على أن رسم المصحف رسم بلغة قريش، وغيرها بدليل قول عثمان ﵁: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
_________________
(١) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، (٩: ٨ - ٩).
(٢) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٦٩، وانظر: خالد السبت، مناهل العرفان، للزرقاني، دراسة وتقويم.
[ ٣٧ ]
عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش»، فهو يدل على أن بعض الأحرف كانت تكتب بلغة غير لغة قريش.
والذي يترجح في هذه الجزئية- والله تعالى أعلم-: أن القرآن الكريم قد رسم في غالبه بلغة قريش، مع هذا لا يمنع من رسم طائفة من الحروف بلغة غيرها؛ لأن رسم المصحف قد احتوى على ما استقر من الحروف القرآنية في العرضة الأخيرة.
وعليه: فإن أبا بكر ﵁ قصد إلى جمع القرآن الكريم في مكان واحد حفظا للقرآن من الذهاب والاندثار والعياذ بالله، وقصد عثمان ﵁ أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ﷺ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانوا يقرءون بها مع كونها منافية لخط المصحف (١).
_________________
(١) أبو شامة، المرشد الوجيز، ص ٧١.
[ ٣٨ ]