:- اسمه ونسبه: الإمام العلم والأستاذ الكبير يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري، أبو يوسف، وأبو محمد قارئ أهل البصرة ومقرئهم وإمامهم الذي تمسكوا بقراءته بعد أبي عمرو بن العلاء (٣).
هو قارئ معمّر عاش ثمانيا وثمانين سنة، ومن عجيب الموافقات أن أباه وجدّه وجد أبيه عاش كل منهم ثمانيا وثمانين سنة (٤).
قضى زمانه في طلب العلم وتعليمه، فكان يجود بوقته في تعلم مسائل العلم وتتبع دقائقه وأخذه عن الشيوخ والعلماء فقرأ القرآن على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل كما قرأ على ابن محيصن، ومجاهد، ومهدي بن ميمون، وشعيب بن الحبحاب، وأبي الأشهب العطاردي ويونس بن عبيد وغيرهم (٥)، وروى عن حمزة والكسائي كذلك (٦).
ولكثرة من لقي من العلماء والفضلاء حصل علما كثيرا غزيرا في كثير من جوانب المعرفة فصار إماما في القراءات والعربية والفقه، وكان من أعلم أهل زمانه بمذاهب النحاة في القرآن الكريم ووجوه الاختلاف فيه (٧).
قال أبو حاتم السجستاني: «كان يعقوب أعلم من رأيت بلغات العرب وألفاظها وأشعارها وأيامها وبالنحو، وما رأيت أقرأ من يعقوب» (٨).
_________________
(١) المرجع السابق ص ٤٩.
(٢) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٤).
(٣) الاندرابي، قراءات القراء المعروفين، ص ١٣٥.
(٤) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٩).
(٥) الاندرابي، قراءات القراء المعروفين ص ١٤٠.
(٦) ياقوت الحموي، معجم الأدباء (٢٠: ٥٢).
(٧) المرجع السابق (٢٠: ٥٢).
(٨) ابن غلبون الحلبي، التذكرة في القراءات الثمان (١: ٦٠).
[ ١٠٣ ]
ولقد كان هذا الإمام عاملا بعلمه حريصا على أن يكون ما حصله من العلم سبيلا للهداية والتقوى وخشية الله ﷿، فكان كما وصفه الذين ترجموا له: «زاهدا ورعا ناسكا» (١) بل إن تنسكه وخشوعه في الصلاة بلغ درجة عالية حتى قيل إنه سرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر به وردّ إليه ولم يشعر لشغله بالصلاة (٢)، وهذا يعني أن الصلاة والتدبر فيها قد ملك عليه فؤاده حتى شغله عن كل شيء واستغرق في الخشوع لدرجة أنه لم يعد يدري ما يدور حوله، فهو في عالم الصلاة وأجوائه الفسيحة يحلق مناجيا ربه متجردا من الدنيا ومتعها وأحوالها.
وكان يعقوب أيضا ثقة صدوقا متبعا آثار من قبله من الأئمة غير مخالف لهم في القراءة، وثّقه أحمد بن حنبل وأبو حاتم، وقال أبو حاتم فيه: صدوق، هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه ومذاهب النحو، وأروى الناس لحروف القرآن ولحديث الفقهاء (٣).
وكونه متبعا آثار من قبله من الأئمة غير مخالف لهم في القراءة يؤكد على أمر جدير بالاهتمام وهو أن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول وليس لأحد أن يزيد فيها او ينتقص منها، وقد اتفقت كلمة أهل العلم على أن القراءة سنة، وأنه لا مجال فيها للتشهي ولا للرأي أو القياس، فالقراءة رواية محققة متقنة يضبطها القارئ عن شيوخه العدول الضابطين ولا يحيد عما رواه وتعلمه قيد شعرة.
وهي مسألة تؤكد لنا أن طريق أخذ القرآن هي النقل بالمشافهة والمشامّة وإنما كانت قواعد التجويد لحراسة الرواية والحفاظ عليها من أن يتطرق إليها نسيان أو وهم.
كان يعقوب﵀- حريصا على نشر العلم وتبليغه بكل وسيلة ممكنة، فأخذ يقرئ الناس ويعلمهم مستشعرا أهمية ما يقوم به من جهد مبارك، وأنه كلما كان أثره أكبر في هذا المجال كان أجره أعظم، فالرسول ﷺ يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ويقول: «بلغوا عني ولو آية».
- تلاميذه: كثر تلاميذ يعقوب الذين أخذوا عنه العلم ونقلوا عنه القراءات بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ فكان منهم: زيد ابن أخيه أحمد، وكعب بن إبراهيم،
_________________
(١) ياقوت الحموي، معجم الأدباء (٢٠: ٥٢)، وابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٨).
(٢) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٨).
(٣) الاندرابي، قراءات القراء المعروفين ص ١٣٥، وابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٧).
[ ١٠٤ ]
وروح بن عبد المؤمن، ومحمد بن المتوكل المعروف برويس، وأبو حاتم السجستاني، وفهد بن الصقر، وحميد بن الوزير، والمنهال بن شاذان، وأبو بشر القطان، ومسلم ابن سفيان المفسر، ومحمد بن وهب الفزاري، وعبد الله بن بحر الساجي، وعبدان ابن يحيى، وداود بن أبي سالم، والوليد بن حسان وغيرهم (١) كما وجد في تأليف الكتب وتدوين العلم فيها وسيلة نافعة لأن الطلبة يحرصون على نسخها وحفظها ونشرها بين الناس وفي ذلك إحياء للعلم وإيقاظ للهمم، فألف كتابه الجامع الذي ذكر فيه اختلاف وجوه القراءات ونسب كل حرف إلى من قرأ به، وكتاب وقف التمام وغير ذلك (٢).
وكان يعقوب ﵀ حريصا على تلاوة القرآن بإتقان وإحكام، فعرضه ختمات كثيرة على عدد من العلماء؛ بالتحقيق تارة وبالحدر تارة ليطمئن على سلامة أدائه وحسن تجويده وفي هذا يقول: «قرأت على سلّام الطويل القرآن في سنة ونصف، وقرأت على شهاب بن شرنفة المجاشعي في خمسة أيام» (٣).
فقراءته في سنة ونصف تدل على تؤده وأناة وتحقيق، وقراءته في خمسة أيام تؤكد إتقانه وقدرته على القراءة المحققة في الحدر، على حد قول ابن مجاهد حين سئل: من أقرأ الناس، فقال: من حقق في الحدر» (٤).
وقد كتب لقراءة يعقوب أن يتداولها الناس ويقرءوا بها مدة طويلة وفي هذا يقول الداني: «وائتم بيعقوب في اختياره عامة البصريين بعد أبي عمرو فهم أو أكثرهم على مذهبه» (٥).
وكان يعقوب صاحب جاه ومكانة، حيث عرف له الناس قدره وأكرموه لعلمه وورعه حتى بلغ من جاهه أنه كان يحبس ويطلق (٦).
ومن أحسن ما قيل في مدحه شعرا. قول أبي الحسين الأديب (٧):
_________________
(١) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٧).
(٢) ياقوت الحموي، معجم الأدباء (٢: ٥٢).
(٣) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٦).
(٤) أبو العلاء العطار، التمهيد في معرفة التجويد، ص ١٨٩.
(٥) ابن الجزري، غاية النهاية (٢: ٣٨٧).
(٦) المرجع السابق (٢: ٣٨٨).
(٧) قراءات القراء المعروفين ص ١٤٠ - ١٤١.
[ ١٠٥ ]
وما كان كالحضرمي إذا تفاخر أهل بلدان
أديب قارئ طبّ لبيب حبر قرآن
غزير العلم لا ساه ولا واه ولا وان
تقي فاضل برّ تقيّ الدين رباني
وهي أبيات تصف شيئا مما كان عليه يعقوب من العلم والفضل والزهد والتقوى.
- وفاته: توفي يعقوب سنة ٢٠٥ هـ، وله من العمر ثمان وثمانون سنة، ﵀ رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والقرآن خير الجزاء.