التنبيه الثاني: يُكره اتخاذ القرآن معيشة وكسبًا، والأصل في ذلك ما رواه عمران بن حصين مرفوعًا: «من قرأ القرآن فليسأل الله به؛ فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به» (٢)، وفي (تاريخ البخاري) بسند صالح: «من قرأ القرآن عند ظالم؛ ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات» (٣) قاله السيوطي في (الإتقان) أي: لأن في قراءته عنده نوع إهانة ينزه القرآن عنها، ونصب (عشر) على أنه مفعول (لعن)، ونائب الفاعل مستتر يعود إلى (من)، وللسيوطي في (الجامع): «من أخذ على القرآن أجرًا فذاك حظه من القرآن» (٤). حل عن أبي هريرة، وفيه: «من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم
_________________
(١) وهي بالسور التالية: البقرة: ٨٧، ٢٥٣، وسورة آل عمران: ٣٦، ٣٧، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥، والنساء: ١٥٦، ١٥٧، ١٧١، والمائدة: ١٧، ٤٦، ٧٢، ٧٥، ٧٨، ١١٠، ١١٢، ١١٤، ١١٦، والتوبة: ٣١، ومريم: ١٦، ٢٧، ٣٤، والمؤمنون: ٥٠، الأحزاب: ٧، الزخرف: ٥٧، والحديد: ٢٧، والصف: ٦، ١٤، والتحريم: ١٢.
(٢) أخرجه الترمذي، برقم (٢٩١٧)، وفي المسند لأحمد (٤/ ٤٣٩)، والمصنف لابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٠)، برقم (١٠٠٥١).
(٣) وذكر نحوه في الكنز بلفظ: «من قرأ عند أميرٍ كتاب الله، لعنه الله بكل حرف قرأ عنده لعنة، ولعن عشر لعنات ويحاجه القرآن يوم القيامة فينادي هنالك ثبورًا، فهو ممن يقال له: لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا الآية»، برقم (٢٤٤٥).
(٤) قال الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة (٣/ ٦١٣): موضوع، أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ١٤٢): من طريق إسحاق بن العنبري: حدثنا عبد الوهاب الثقفي: حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله - ﷺ - وقال. وهو غريب من حديث الثوري، تفرد به إسحاق، قلت: قال الذهبي في الضعفاء والمتروكين: كذاب، ولذلك قال المناوي عقبه: فكان ينبغي للمصنف حذفه من الكتاب، يعني: الجامع الصغير، للسيوطي، وبهذا الكذاب أعلّه في التيسير.
[ ١ / ٣٥ ]
القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم» (١). هب عن بريدة، ويدخل في الوعيد كل من ركن إلى ظالم وإن لم يرفع منه شيئا؛ لعموم قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقراءة القرآن أو غيره عنده تُعدُّ ميلًا وركونًا، قال السمين: ولما كان الركون إلى الظالم دون مشاركته في الظلم، واستحق العقاب على الركون دون العقاب على الظلم أتى بلفظ المس دون الإحراق، وهذا يسمى في علم البديع: الاقتدار؛ وهو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارًا على نظم الكلام، وركن من بابي علم وقتل، قرأ العامة (٢): ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بفتح التاء والكاف ماضيه ركِن بكسر الكاف من باب علِم، وقرأ قتادة (٣) بضم الكاف مضارع: ركَن بفتح الكاف من باب قَتَل، والمراد بالظالم: من يوجد منه الظلم سواء كان كافرًا أو مسلمًا.