بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أنزل القرآن الكريم تبيانًا لكل شىء، فكان المعجزة الخالدة على مر الأزمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الأمين تلقى القرآن العظيم وبلَّغه كما أُنزل إليه من ربه، فقرأه على الناس على مُكْث ورتّله كما أحب الله أن يرتله، فأعطى الحروف حقها ومستحقها مما يليق عند النطق، ورضى الله عن آله وصحبه الذين سمعوه منه، ونقلوه عنه كما سمعوه، فأدّوا الأمانة خير أداء إعظامًا للكلام والمتكلم وإجلالًا للخطاب والمخاطب -سبحانه-، ورضى الله عَمَّنْ تلقوه عنهم من التابعين وتابعي التابعين ومن والاهم بإحسان جيلًا بعد جيل، حتى وصل إلينا كتاب الله في كماله، محفوظًا من التغيير والتبديل، مصونًا من كل تحريف منطوقًا به على الوجه الصحيح، مؤدًى كما نزل بلسان عربي مبين. ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وبعد:
فقد خلق الله الإنسان، وميّزه بالبيان، وجعل له اللسان أداة للنطق، والأذن أداة للسمع، والعقل أداة للفهم، والروح أداة للتأثير والتأثر، والقرآن المجيد أعلى الكلام وأحلاه، وما ظنك بكلام ربِّ العالمين وقد منَّ به على أمّة أحبّ أحبابه
وأصفى أصفيائه، سيدنا محمد - ﷺ -، فكانت أمته أمّة القرآن الكريم، وكانت خير أمّة أخرجت للناس.
وقد تكفل الله بحفظ القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[الحجر: ٩].
لينتفع به الآخرون كما انتفع به الأولون، فكان من كل جيل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله.
وقد قرأ الأولون القرآن، فأدوا القراءة أحسن أداء، وكان حسن الأداء سبيلهم لحسن الاستماع، وكان حسن الاستماع سبيلًا لحسن التدبر، وحسن التدبر سبيلًا لحسن الانتفاع، وكيف لا يفعلون والكلام عزيز من عزيز وعلىٌّ من علىًّ وحكيم من حكيم، أحكمت آياته وفصِّلت كلماته، وبهرت
[ ١ / ٥ ]
بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول.
وهو مع قوة بيانه وشدة سلطانه، عميق البحار واسع الأقطار، يقول القارئ إذا قرأه والسامع إذا سمعه: قد فهمته لتجلى فحواه فإذا تأمله كأنه ما قرأه أو سمعه لقوة مبناه، ودقة معناه، فلزم أن يقرأه القارئ على روية وإحكام، كما كان يفعلُ رسول الله - ﷺ -، فقد أعطى الحروف حقها فى قراءته الشريفة على الأصول الصحيحة، فلم تكن قراءته هذًّا ولا عجلة بل كانت مفسرّة حرفًا حرفًا.
كما كان - ﷺ - يقطِّع قراءته كل آية فيقول مثلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقف، ثم يقول ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهكذا.
وقد روى الزهري أن قراءته - ﷺ - كانت آية آية، وروى ذلك البيهقى أيضًا في «شُعَب الإيمان» وغيره كثيرون ممن رجَّحوا الوقوف على رؤوس الآي، وإن تعلقت في المعنى بما بعدها.
ولا شك في أنّ إتباع هدى النبي - ﷺ - وسنته أولى من اتباع الرأي القائل بتسجيل اتباع الأغراض والمقاصد للوقوف عند انتهائها، وقد قال -تَعَالَى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال -تَعَالَى-: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وكما كان - ﷺ - يقرأ القرآن بنفسه كان يحب أن يسمعه من غيره، وفى كلٍّ من قراءته واستماعه كان أحيانًا يذرف الدمع من عينيه إجلالًا وهيبة من عظمته واستعظامًا لقدرته وإشفاقًا على أمته، وقد طلب - ﷺ - من ابن مسعود - ﵁ - أن يقرأ عليه فقال: أأقر وعليك أنزل؟! فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ قول الله -تَعَالَى-: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. بكى - ﷺ - حتى ذرفت عيناه بالدموع.
وكان - ﷺ - يذكر الله على جميع أحيانه، وكان يقرأ القرآن قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئا ومحدثًا، ولم يكن يمنعه شىء من قراءة القرآن إلا الجنابة.
ويجب أن يتلو المؤمن القرآن الكريم حق تلاوته كما كان يفعل رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل».
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي - ﵁ -:
«وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ، والتأثر بالأزجار والائتمار،
[ ١ / ٦ ]
فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ».
وقال -﷾-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
وقد جعل الله فى قلوب عباده من القوة ما شاء فضلًا منه ورحمة، ليتدبَّروه وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته وأداء حقوقه، فلقد قال -﷾-: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].
وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ كما ينطق به قوله
-﷾-: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
أريد به توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وعدم خشوعه عند تلاوته وقلة تدبُّره فيه.
ومن الصحابة الذين علّمهم الرسول -﵊- عن سيدنا جبريل
-﵇- أُبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ولقد قال - ﷺ - في أولهم: «أقرؤُكُم أُبىٌ»، وفى ثانيهم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا طريًّا كما أُنزل فليقرأ قراءة ابن أُم عبد»، يعنى عبد الله بن مسعود. وقال أيضًا «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبىّ ابن كعب».
وقد أخذ عن الصحابة المجيدين للتلاوة من تلاميذ الرسول - ﷺ - كثيرون من الصحابة والتابعين، فمثلًا أخذ عن أُبىٌ بن كعب من الصحابة: أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب، ومن التابعين: عبد الله بن عياش ابن أبى ربيعة المخزومى، وأبو عبد الرحمن عبد الله ابن حبيب السلمي، وأبو العالية الرياحى حتى انتهى الأمر إلى أسانيد تسعة من الأئمة العشرة المتواترة قراءاتهم إلى اليوم وهم: نافع وأبو جعفر المدنيان، وعبد الله بن كثير المكي، وأبو عمرو، ويعقوب البصريان، وعاصم وحمزة والكسائى وخلف الكوفيون.
أما السند العاشر فهو عبد الله بن عامر الدمشقي، وقد أخذ قراءته عن أبى الدرداء وقيل عن عثمان بن عفان.
ولأنه كتاب الله الكريم وفرقانه المبين الذي يفرق بين الحق والباطل وهو نبراس البشرية الهادي لها في الظلمات فإن أهل الضلال الخائضين في الظلمات تحروا نقضه وتربصوا له يبغون رفضه فقام لهم سدنة الحق من العلماء، فشمروا عن ساعد الجد، وقاموا يدفعون عنه كل زيغ وضلال، ومن ثَم لم يحظ كتاب عبر تاريخ البشرية بمثل ما حظي به كتاب الله -تعالى- قراءة وحفظًا، وتجويدًا، وأداء،
[ ١ / ٧ ]
ورسمًا وضبطًا، وفهمًا واستنباطًا. فمن حيث قراءاته، اتجهت همم السلف من علماء الأمة إلى العناية بعلم تجويده وترتيله، رواية ودراية، فألَّفوا فيه التآليف البديعة، وصنفوا التصانيف المفيدة، مؤصِّلين أصوله، ومقعدِّين قواعده، فكثرت التآليف وانتشرت التصانيف، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتطويل والتقليل.
ومن ثَم عزيزي القارئ الكريم أردنا أن نضع بين يديك هذا السِفر الجليل:
* منار الهدى في بيان الوقف والابتدا *
وموضوع هذا الكتاب إنما يتبين بمعالجته لظاهرة الوقف والإبتداء، وهوجانب مهم في أداء العبارة القرآنية، فهو يوضح كيف وأين يجب أن ينتهي القارئ لآي القرآن الكريم بما يتفق مع وجوه التفسير واستقامة المعنى وصحة اللغة وما تقتضيه علومها من نحوٍ وصرفٍ ولغةٍ، حتى يستتم القارئ الغرض كله من قراءته، فلا يخرج على وجه مناسب من التفسير والمعنى من جهة، ولا يخالف وجوه اللغة، وسبل أدائها التي تُعين على أداء ذلك التفسير والمعنى، وبهذا يتحقق الغرض الذي من أجله يقرأ القرآن؛ ألا وهو الفهم والإدراك.
أما مؤلفه! فإننا لم نعثر على ترجمة له، ويبدو أن هذه المشكلة قديمة، إذ عندما أرادت مطبعة البابي الحلبي عام (١٩٣٤م) أن تطبع هذا الكتاب نسبته إلى أبي الحسن نور الدين علي بن محمد الأُشموني المتوفى في أوائل القرن العاشر، والمعاصر للإمام السخاوي الذي ترجم له في كتابه: الضوء اللامع؛ وذلك لأنها لم تعثر على ترجمة لأحمد بن عبد الكريم الأشموني على ما يبدو.
وكل ما عثرت عليه هو ما ذكره عمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ٢/ ١٢١: أحمد الأشموني من علماء القرن الحادي عشر الهجري، الموافق للقرن السابع عشر الميلادي، أحمد ابن محمد بن عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم الأشموني، الشافعي، فقيه، مقرئ، من تصانيفه: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان أمور الدين. اهـ
ولقد أخرجنا هذا الكتاب في ثوبٍ قشيبٍ فيه من الجدة ما يثلج الصدور، وهو عون للقاري المبتدي وتذكرة للمقري المنتهي، يُعين العقول على فهم هذا العلم الجليل، وإدراك مبهمة، وإيضاح ما استغلق منه، وكان منهجنا في هذا السِفر ما سنوضحه فيما يلي:
منهج العمل بكتابنا هذا:
١ - قمنا بنسخ الأصول المتوفرة لدينا على ما يوافق قواعد الإملاء الحديثة.
٢ - أثبتنا علامات الترقيم والأقواس حسب المتعارف عليه الآن.
[ ١ / ٨ ]
٣ - نظمنا النص على نسقٍ واحدٍ من أوله إلى آخره بما يفيد فهم النص فهمًا جيدًا، فتظهر معانيه ودِلالاته واضحة جلية.
٤ - وقع في بعض نصوص كتابنا أخطاء لغوية، وفي بعضها الآخر إسقاط في نص القرآن، فقد قمنا بإصلاح ذلك كله داخل النصوص؛ وذلك لكونها من أخطاء النُّساخ.
٥ - عُنينا عناية بالغة بمقابلة أسماء الأعلام، وكذا المادة التراجمية الواردة عنهم، ومقابلتها بما احتوته أمهات كتب التراجم المعنية بها، ولا سيما كتب تراجم القراء، فإذا وجدناها متفقة معها سكتنا، ولم نعلِّق على صحة الاسم أو المادة، أما إذا وجدنا خلافا فقد عُنينا بالتعليق عليه، ورجّحنا الصواب بعد التحليل، وأحلنا على الموارد التي أدت إلينا هذا الترجيح.
٦ - ترجمنا للأعلام؛ تتميمًا لعموم النفع.
٧ - بينّا المصطلحات الواردة بكتابنا هذا؛ شارحين لها ومعلِّقين عليها.
٨ - ذكرنا معاني الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى شرح وإيضاح.
٩ - جعلنا ترقيم الآيات القرآنية ضمن مادة كتابنا، ولم نجعلها في الهامش؛ وذلك لعدم ثقل الهوامش، كما ذكرنا أرقام الآيات عند ورود كل سورة بجانبها ولم نذكرها بالهامش إلا في حالة إشارة المؤلف إلى ورود حرف ما بمواضع عديدة، فعند ذلك فقط نشير إلى أرقام تلك الآيات في الهامش.
١٠ - وأما القسم الخاص بفرش السور داخل كتابنا فإننا اكتفينا فيه بذكر رقم الآية بجانبها اعتمادًا منا على أن المصنف يناقش آيات سورةٍ واحدةٍ، فلا داعي لتكرار اسم السورة إلا إذا دعت الحاجة إلى عكس ذلك.
١١ - في ضبط الآيات القرآنية، قمنا بضبطها على ما يوافق قراءة حفص عن عاصم إلا إذا عمد المصنف إلى غير ذلك.
١٢ - خرَّجنا القراءات القرآنية على الكتب المعنية بها من كتب القراءات، وكتب حُجج القراءات وعللها، وكتب إعراب القرآن، والتفاسير، وكل ما له صلة بذلك.
١٣ - نظرنا في الشواهد الشعرية فضبطناها بالشكل وعزوناها إلى قائليها، وبينّا مواضعها في الدواوين، أو كتب اللغة والصرف والنحو.
١٤ - خرّجنا الأحاديث النبوية الشريفة من مظانها: (الصحاح، السنن، المسانيد).
١٥ - عرضنا النص وأخرجناه بصورة تُعين القارئ وتسهل عليه الرجوع إلى ما يريد.
[ ١ / ٩ ]
وفي الخاتمة فاللهَ أسألُ أن يكتبَ السداد والرشاد، وأن يُلْهِمَ الإخلاص في القول والعمل، فإن أصبت فذلك الفضل من الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما أجمل ما قاله القاضي البيساني ﵀: (إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌ كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك على عبدك ونبيك محمدٍ - ﷺ -،،،
المحقق
عبد الرحيم الطرهوني
سوهاج في التاسع والعشرين من صفر سنة ١٤٢٣هـ
الموافق: الحادي عشر من مايو سنة ٢٠٠٢م
[ ١ / ١٠ ]