واختلاف القرّاء اختلاف تنوّع وتغاير لا اختلاف تضادّ وتناقض،
ــ
كسرة، وهو اختلاس الضمة أو الكسرة وانتزاعها إلى محل الواو أو الياء، ويفارق الإشمام بأنه يدركه البصير والأعمى، والإشمام لا يدركه إلا البصير، واختص به الضمّ لإمكان الإشارة إلى محله بخلافها إلى محل الكسر والفتح، والروم في المفتوح ليس بحسن لأنه غير مضبوط لخفاء الألف، والمنصوب المنون يبدل تنوينه ألفا في الوقف إيذانا بوجوده في الوصل، واختاروا الألف لشبهها بالتنوين، لأنها تهوى في خرق الفم وهو يهوى في الخياشيم وكان القياس أن يقفوا على المرفوع والمجرور المنونين بالواو والياء إلا أن الوقف عليه بالواو يخرج عن الأصل، إذ ليس في كلامهم اسم آخره واو مضموم ما قبلها، ولو وقف على المجرور بالياء لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم وقد حققت ذلك كله في شرح الشافية. واعلم أن القرّاء اختلفوا في الظنونا، والرسولا، والسبيلا، فمنهم من يثبت الألف فيها وقفا ويحذفها وصلا، ومنهم من يثبتها فيهما، ومنهم من يحذفها فيهما.
وذلك مذكور في محله، ومن نوّن: قواريرا وسلاسلا، في هل أتى وثمودا في هود
_________________
(١) ثم توارد العلماء بعد ذلك حتى جاء الإمام أبو عمرو الداني وألف التيسير في القراءات السبع ثم جاء الإمام ابن الجزري وألف تحبير التيسير ليجمع فيه القراءات العشرة المتواترة، ليدفع توهم من ظن أن القراءات المتواترة سبعة فقط، ثم ألف النشر و«طيبة النشر» التي هي نظم للنشر ليجمع فيه كل القراءات المتواترة فجمع فيها زهاء ألف طريق للقراءات فحفظ الله ﷿ ذلك العلم المبارك بهذا الرجل وجعله سببا في خدمة كتابه، اللهم اجعلنا كذلك آمين.
[ ٥٨ ]
فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى. وهو إما في اللفظ فقط والمعنى واحد. وإما فيهما مع جواز اجتماعهما في شيء واحد أو اختلافهما معا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد. فالأول كالاختلاف في الصراط، والثاني نحو مالك بالألف وملك بغيرها، والثالث نحو وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مشدّدا ومخففا، فمعنى المشدّد أن الرسل تيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، ومعنى المخفف أن الرسل توهموا أن قومهم قد كذبوهم فيما أخبروهم به، فالظنّ في الأولى يقين، وفي الثانية شك، والضمائر الثلاثة للرسل، فكل قراءة حق وصدق نزلت من عند الله نقطع بذلك ونؤمن به.