كان يقف على قوله: أَمْ لَمْ* تنذر، ويبتدئ هم لا يُؤْمِنُونَ* على أنها جملة من مبتدإ وخبر، وهذا ينبغي أن يردّ ولا يلتفت إليه وإن كان قد نقله الهذلي في الوقف والابتداء وكأن يقف على
ــ
الباب الخامس في الهاءات التي تزاد في آخر الكلمة للوقف عليها تزاد الهاء وقفا للعوض عن حرف حذف. ولبيان حركة الساكن، فالتي للعوض لازمة وجائزة، فاللازمة تكون في فعل الأمر المعتلّ الفاء واللام نحو شه من وشى يشي، وعه من وعى يعي، وله من ولى يلي، وليس في القرآن منه شيء فلا يجوز حذفها منه وقفا لئلا تصير الكلمة على حرف واحد، وهو ممتنع إذ أقلّ حروف الكلمة حرفان:
حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه، ويستغنى عنها وصلا تقول: ش ثوبك، وع كلاما،
_________________
(١) انظر: نهاية القول المفيد (١٥٥).
(٢) الصافات: ١٢٥.
(٣) انظر: نهاية القول المفيد (١٧١).
[ ٤٨ ]
قوله: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ ثم يبتدئ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا، ونحو: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ. ثم يبتدئ: اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، ونحو: فَلا جُناحَ ثم يبتدئ: عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، ونحو: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي ثم يبتدئ: بِحَقٍّ، وهو خطأ من وجهين.
أحدهما: أن حرف الجرّ لا يعمل فيما قبله. قال بعضهم: إن صح ذلك عن أحد كان معناه إن كنت قلته فقد علمته بحق. الثاني: أنه ليس موضع قسم.
وجواب آخر أنه إن كانت الباء غير متعلقة بشيء فذلك غير جائز، وإن كانت للقسم لم يجز. لأنه لا جواب هاهنا، وإن كان ينوي بها التأخير كان خطأ، لأن التقديم والتأخير مجاز ولا يستعمل المجاز إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ أو حجة قاطعة، ونحو: ادْعُ لَنا رَبَّكَ* ثم يبتدئ: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ* وجعل الباء حرف قسم، ونحو: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ ثم يبتدئ: بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وذلك خطأ، لأن باء القسم لا يحذف معها الفعل، بل متى ما
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ول أمرا، ويجوز حذفها من المضارع وقفا لانتفاء المحذور، ويستغنى عنها وصلا والاختيار إلحاقها به في غير القرآن، تقول لم يشه ولم يعه ولم يله. أما في القرآن نحو: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ، فلا يجوز إلحاقها به تبعا للمصحف، ولئلا يزاد فيه ما ليس منه، ويجوز حذفها عند الأكثر في الأمر من معتلّ اللام وفي مضارعه المجزوم نحو: اغزه واخشه وارمه ولم يغزه ولم يخشه ولم يرمه، بل واجب القرّاء حذفها في ذلك من القرآن اتباعا للخط، ولئلا يلتبس بضمير المفعول كقوله تعالى: وَيَخْشَ اللَّهَ، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وأما قوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، فالهاء فيه ثابتة خطّا، واختلف فيها فقيل إنها ضمير المصدر: أي اقتد الاقتداء، وقيل هاء السكت وعليه الأكثر. وقال الزجاج: إنها لبيان الحركة. ثم قال: فإن وصلت حذفت الهاء، والوجهان جيدان، لكن أكثر القرّاء على إثباتها وصلا كما أثبتوها وقفا تبعا للخط، ومثل اقتده، لم يتسنه إن جعلت الهاء للسكت بناء على أنه من سانيت، ومن قال إنه من سانهت كانت الهاء عنده أصلية، والوجهان جاريان فيه وفي اقتده وصلا. أما الوقف عليهما فبالهاء إجماعا.
[ ٤٩ ]
ذكرت الباء تعين الإتيان بالفعل كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ*، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ*، ولا تجد الباء مع حذف الفعل، ونحو: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ثم يبتدئ:
رَأَيْتَ نَعِيمًا وليس بشيء لأن الجواب بعده، وثم ظرف لا ينصرف فلا يقع فاعلا ولا مفعولا، وغلط من أعربه مفعولا لرأيت، أو جعل الجواب محذوفا والتقدير إذا رأيت الجنة رأيت فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونحو: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ، ثم يبتدئ عِلْمَ الْيَقِينِ بنصب علم على إسقاط حرف القسم وبقاء عمله وهو ضعيف، وذلك من خصائص الجلالة فلا يشركها فيه غيرها عند البصريين، وجواب القسم لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ أي والله لترونّ الجحيم كقول امرئ القيس: [الطويل]
فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فهذا كله تعنت وتعسف لا فائدة فيه فينبغي تجنبه وتحرّيه لأنه محض تقليد، وعلم العقل لا يعمل به إلا إذا وافقه نقل وسقت هذا هنا ليجتنب فإني رأيت من يدعي هذا الفنّ يقف على تلك الوقوف فيلقى في أسماع الناس شيئا لا أصل له وأنا محذر من تقليده واتباعه، وكذا مثله ممن يتشبه بأهل العلم وهم عنهم بمعزل، اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه.