اعلم أن وقوف القرآن على خمسة أقسام (^١):
أحدها: وقف حسن.
والثاني: وقف حسن في الابتداء.
والثالث: وقف حسن في الطرفين جميعًا.
والرابع: وقف كاف.
والخامس: وقف قبيح.
أما الوقف الحسن: وهو أن [يكون] (^٢) الكلمة مستغنية [من] (^٣) الكلمة التي بعدها كذلك يكون (^٤) إن تأولها تأويلًا، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] الوقف عليه حسن؛ لأنك إذا قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ علم منك ما أردت (^٥)، وكقوله: ﴿لَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (^٦) [البقرة: ٨٣] ثم يبتدئ (^٧) ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ على معنى: استوصوا بالوالدين (^٨).
وكقوله: ﴿أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقف حسن ثم يبتدئ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وهذا أحسن؛ [لأنه] (^٩) محبة المؤمنين لله سبحانه أشد من محبة الكفار للصنم.
_________________
(١) وقد تقدم الحديث عن اختلاف العلماء في أقسام الوقف. ينظر: ص ١٨ - ٢١.
(٢) الفاعل مؤنث مجازي التأنيث، نقول: طلع الشمس وطلعت الشمس، وكلاهما جائز إن وردت الجملة بأي منهما، وكذا غالب ما ورد في الكتاب من هذا الباب. ينظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢/ ٨٨ - ٨٩.
(٣) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والمناسب للسياق (عن).
(٤) أي: كذلك يكون وقفًا حسنًا.
(٥) ينظر: الإيضاح ١/ ١٥٠.
(٦) ﴿لَا يَعْبُدُونَ﴾ بالياء وهي: قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وهي قراءة عشرية متواترة، والباقون بالتاء. ينظر: الكفاية الكبرى ص ١١٩، وغاية الاختصار ٢/ ٤١١.
(٧) ويمكن زيادة جملة (وقف حسن) فتصبح العبارة (وقف حسن ثم يبتدئ)؛ إتمامًا للكلام، وقياسًا على ما قاله المصنف في المثال الذي قبله والذي بعده.
(٨) ينظر: الإيضاح ١/ ٥٢٣.
(٩) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والمناسب للسياق (لأن)؛ ليستقيم الكلام.
[ ٦٤ ]
وإن تأول للوقف الحسن تأويلًا ضعيفًا يحتمل الكلمة أن يكون متصلة بما بعدها؛ فلا يكون حينئذ وقف حسن.
والقسم الثاني من الوقف: وهو أن يكون وقف حسن في الابتداء منقطعة (^١) أيضًا من الكلمة الأولة (^٢)، كقوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١]، وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، ثم يبتدئ ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: ٥١]، ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ [النمل: ٨٢]، فالابتداء بهما بالأخذ أحسن من أن يقف عليهما على قراءة من قرأ بكسر الألف (^٣)، وشبهه كثير في القرءان (^٤).
والقسم الثالث: أن يكون الوقف وقفًا كافيًا، وهو: الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده غير أن الذي بعده متعلق به، كقوله ﷿: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأن ما بعده معطوف عليه، ويسمى ذلك وقفًا مفهومًا أيضًا (^٥)، وقوله أيضًا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية.
_________________
(١) أي: أن تكون الكلمة الثانية منقطعة.
(٢) (الأولة) مؤنث (الأول)، حكى ذلك ثعلب ثم قال: «ليس هذا أصل الباب، وإنما أصل الباب (الأول والأولى) كـ (الأطول والطولى)». ينظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٤٠١، ولسان العرب ١١/ ٧١٩. و(الأولة): بإثبات هاء التأنيث لغة عامة قليلة الاستعمال، وقد نبه على ذلك الإمام أبو محمد الحريري ﵀ فقال: «ومن مفاحش ألحان العامة إلحاقهم هاء التأنيث بـ (أول) فيقولون: (الأولة) كناية عن (الأولى)، ولم يسمع في لغات العرب إدخالها على (أفعل) الذي هو صفة، مثل: أحمر وأبيض، ولا على (أفعل) الذي هو للتفضيل نحو: أفضل وأول». ينظر: درة الغواص في أوهام الخواص ص ١٥٠. وقال الإمام ابن الجوزي ﵀: «ولا تقل: بـ (الأولة)، فإن هاء التأنيث لا تدخل على (أول)». ينظر: تقويم اللسان ص ٦٧.
(٣) وقرأ بكسر الهمزة: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر، والباقون بالفتح. ينظر: المبسوط ص ٣٣٣ - ٣٣٥، والتبصرة لمكي ص ٦٢١ - ٦٢٣، والإيضاح للزبيدي ص ٣١٨.
(٤) مثاله: قول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [٥٩]، قرأ ابن عامر بفتح الهمزة في ﴿أَنَّهُمْ﴾، والباقون بكسرها على الاستئناف والقطع. ينظر: معاني القراءات ص ٢٠١، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٣١٩، والكنز ٢/ ٤٩٣.
(٥) ينظر: المكتفى ص ١٠، ونظام الأداء ص ٣٩.
[ ٦٥ ]
وكذلك أيضًا الوقف الحسن (^١) وهو: الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده (^٢)، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] الوقف على هذا يحسن؛ لأن المراد مفهوم معقول وليس بتام؛ لأن الابتداء بالمجرور قبيح، وبعده قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويسمى ذلك صالحًا أيضًا (^٣).
والقسم الرابع: وهو الوقف الحسن في الطرفين جميعًا (^٤) وهو: تام في المعنى ومنقطع من كلام الأول وما يتعلق بما بعده (^٥)، كقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] وقف تام (^٦)؛ لأن ما بعده ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ءاية الكافرون، وكذلك: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] وقف تام (^٧)؛ لأن ما بعده ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] وهي [آية المؤمنون] (^٨)، وكقوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] وقف تام؛ لأنه منقطع من قصة أصحاب الكهف (^٩)، وشبهه كثير في القرآن.
والقسم الخامس وهو: الوقف القبيح فهو الذي لا يعرف المراد معه، كقوله: ﴿بِسْمِ﴾ [الفاتحة: ١]، وكقوله: ﴿مَلِكِ﴾ [الفاتحة: ٤]، والابتداء بقوله: ﴿اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]؛ لأنه إذا وقف عليه لا يدري إلى أي شيء أضيف، وهذا النحو قد يسمى وقف الضرورة؛ لانقطاع النفس، ونهى عنه القراء، ويستحب إذا انقطع نفسه على شيء من هذا أن يرجع إلى ما قبله (^١٠).
قال أبو الفضل الخزاعي: «لا ينبغي للقارئ إذا أمكنه الوصل أن يقطع كلامه دون انقضاء
_________________
(١) وهذا القسم تابع للقسم الأول، وقد ذكره المؤلف بالتفصيل في ص ٦٤.
(٢) لتعلقه بما بعده لفظًا ومعنىً. ينظر: التمهيد ص ١٤٧، والمقصد لتلخيص ما في المرشد ص ٥.
(٣) وسمي صالحًا؛ لأن القارئ لا يتمكن من أن يقف في كل موضع على التام، ولا على الكافي؛ لأن نفسه ينقطع دون ذلك. ينظر: المكتفى ص ١١، ونظام الأداء ص ٤٥.
(٤) أي: يكون الوقف على الكلمة الأولى حسنًا، والابتداء بالكلمة التي بعدها حسن أيضًا. ينظر: الإيضاح للأندرابي.
(٥) لفظًا ومعنىً، وهو يريد الوقف التام. ينظر: الاقتداء ص ١٩٠، والتمهيد ص ١٧٩.
(٦) ينظر: نظام الأداء ص ٣٠.
(٧) ينظر: الإيضاح للأندرابي.
(٨) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (المؤمنين)؛ لإنها مضافة.
(٩) ينظر: الإبانة.
(١٠) ينظر: التحديد ص ١٧٧، ونظام الأداء ص ٥٠.
[ ٦٦ ]
الجر وتمام النعت؛ لأنه إذا وقف عليه لا يدرى إلى أي شيء أضيف وقد ذكر، ويستحب لمن ينقطع نفسه على شيء من هذا أن يرجع إلى ما قبله، ولا يبلغ أن يوصف الوقف عليه باستحقاق إثم لوقفه، أو نسبه إلى مكروه وإن لم يرجع ما لم يعلم ما عليه في ذلك (^١)، غير أن الجهالة ظاهرة عليه» (^٢).
قال أبو الفضل الخزاعي: «ويرجى له أن لا يكون آثما؛ لأنه يحكي كلام الله تعالى، والله جل وعلا قد أحكمه، والعلماء قد علموه فلا يغيره بسوء وقف واقف» (^٣).
قال أبو الفضل الخزاعي: «ينبغي للقارئ إن أمكنه أن لا يقف إلا على تمام؛ لأن النفس ينقطع دون ذلك» (^٤).
قال الخزاعي: «وأقبح من ذلك الوقف على ما لا يجوز الابتداء بما بعده؛ [لاستحال] (^٥) المعنى بالفصل بينه وبين الذي قبله نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، فمن انقطع نفسه عند قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [المائدة: ٧٣]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وجب عليه الرجوع إلى ما قبله، فإن لم يفعل أثم وكان ذلك من الخطإ العظيم الذي تعمده يخرج من الملة؛ لإفراده من القرآن ما هو متعلق بما قبله، ويكون إفراده افتراءً على الله ﷾.
وأعظم من ذلك الوقف على المنفي الذي يأتي بعده حرف استثناء قبل اسم [منكور] (^٦) دخول حرف النفي وحرف الاستثناء توكيدا نحو قوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، فلو وقف واقف قبل حروف الاستثناء من غير عارض أو غير علة لكان ذنبًا عظيمًا؛ لأن المنفي في ذلك كل ما عبد غير الله، ولا يجوز وقفٌ دون حرف استثناء في الحقيقة نحو قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) أي: شرط أن لا يعلم أنه قصد بوقفه معنىً غير مراد أو معنىً فاسدًا.
(٢) ينظر: الإبانة.
(٣) المصدر السابق.
(٤) لم أقف على هذا النص كاملا في كتاب الإبانة؛ بسبب الطمس الشديد فيه، غير أنه اتضح لي جزء من الكلام وهو: (لأن النفس ينقطع دون ذلك)، وغلبة الظن أنه هو النص المراد. ينظر: الإبانة.
(٥) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (لاستحالة). ينظر: الإبانة.
(٦) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (فيكون).
[ ٦٧ ]
﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]، حتى يقال: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (^١).
قال مصنف هذا الكتاب أبو الفضل: [لو اتصل الوصل] (^٢) بالآية التي لم توصل بها مع علمه واعتقاده بحيث لم يكن له أن يصل بها لكفر، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ﴾ (^٣) [غافر: ٦ - ٧] لا يجوز أن يتصل ﴿النَّارِ﴾ بـ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ﴾؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ نعت حملة العرش، وأصحاب النار الكافرون (^٤).
وبعكسه لو وقف الواقف بالآية التي لم توقف عليها مع علمه لأثم بوقوفه عليها، مثل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] فلا يجوز أن يقف عليها؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ بعدها نعت المصلين المقصرين بحيث لم يُصَلُّوا كما أمروا في الشرع، كخروج وقت الصلاة، ونقص الأركان، فلو وقف الواقف عليها بقصده لأخرج المصلين عن اسم الممدوحين - وهذا باطل بالإجماع - فهو مأثوم بقصد وقوفه عليها (^٥)، وكذلك الوقف على قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] فلا يجوز له أن يقف عليها، فلو قصد القاصد في هذا الوقف فهو مأثوم أيضا للقصد عليها بالوقف، والاكتساب في قراءته مع أن أبا بكر بن الأنباري يقول بخلاف الذي قلت، قال: «هو القارئ ليس بمأثوم؛ لأنه إذا قرأ القرآن [يحلي] (^٦) عن ربه - جل وعلا - فلم يأثم عنده» (^٧).
_________________
(١) ينظر: الإبانة ٦/ أ.
(٢) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (لو وصل الواصل)، قياسا على ما قاله المؤلف بعده: (وبعكسه لو وقف الواقف).
(٣) في الحاشية رسمت (كلمت) بالتاء المربوطة (كلمة).
(٤) ينظر: منار الهدى ٢/ ٢٢٤.
(٥) ينظر: المكتفى ص ١٥، ونظام الأداء ص ٥٣.
(٦) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (يحكي)؛ ليستقيم الكلام.
(٧) ونص قول الإمام ابن الأنباري ﵀: «ولو وقف واقف على هذا لم يلحقه مأثم - إن شاء الله -؛ لأن نيته للحكاية عمن قاله، وهو غير معتقد له». الإيضاح ١/ ٣٥١. وقال الإمام ابن الغزال ﵀: «فإن وقف المضطر على مثل هذه الوقوف ثم ابتدأ بما بعدها غير معتقد له؛ لم يكن عليه وزر، وإن قصد واعتقد التحريف فهو مؤاخذ بقصده، والاحتراز منها أحسن وأولى». ينظر: الوقف والابتداء لابن الغزال ١/ ١٣. ويمكن القول: إن مراد المؤلف أن الإثم يلحق القارئ إذا تعمد الوقف عليها مطلقا، بخلاف قول الإمامين ابن الأنباري وابن الغزال وغيرهما فهما يقيدان الكلام بأن القارئ إنما يلحقه الإثم حال كونه متعمدا الوقف، معتقدا للمعنى الذي يفهم من الوقف على مثل هذه الوقوف.
[ ٦٨ ]
وتصديق ما قلنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: «يجب أن يوقف عند قوله: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] مقدار ما يشرب الشربة من الماء ثم يبتدئ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر: ٧]» (^١). وقولي: أصح عندك؛ لأنه [لو] (^٢) يؤمن القارئ أن يقف بمثل هذا الموضع.
وقال أبو حاتم السجستاني: «لا يمكن للقارئ - وإن كان طويل النفس - أن يقف على تمام الكلام، ولا على الكافي في كل مكان، ولكن يتوخى المفهوم، ويتجنب الناقص القبيح، فإن انقطع نفسه عند كلمة ناقصة، أو وحشة الوقف، أو المبتدإ نحو قوله: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧) وَقَالُوا﴾ [مريم: ٨٧ - ٨٨] أعاد فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ﴾ حتى يحسن» (^٣).
قال أبو جعفر الرؤاسي (^٤): «إن أدركك نفس أو عطاس أو شيء مما يقطعك؛ فالصواب أن ترجع حتى يكون الكلام متصلًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]، إن انقطعت ها هنا فأعد الكلام، فكذلك ما أشبهه، وأما (قد، وثم، وسوف، ولما)، فإنهن حرف يقع الفائدة فما بعدهن، فلا يتم الوقف عليهن ولا على (أو، ولا، وبل، ولكن) لأنهن حروف نسق يعطفن ما بعدهن على [ما فيهن] (^٥)» (^٦).
وروي عن أبي بكر بن مِقْسَم النحوي (^٧): «الإشكال في الابتداء بالكلمة من القرآن أكثر منه في الوقف عليها؛ لأن المبتدأ به متحرك، والحركات يختلف جهاتها، والموقوف عليه ساكن، والسكون لا يختلف إلا أن على القارئ أن يعرف الوقف التمام، والوقف الكافي، والوقف
_________________
(١) ينظر: الإبانة ٥/ أ، والمرشد ١/ ٤، وتنبيه الغافلين ص ١٢٨ - ١٢٩.
(٢) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (لا)؛ ليستقيم الكلام.
(٣) ينظر: الإبانة ٧/ ب، والإيضاح للأندرابي
(٤) هو: أبو جعفر، محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي، حُكي أنه كان أستاذ الكسائي والفراء، من مصنفاته: كتاب الوقف والابتداء الكبير والصغير، توفي: أيام الرشيد. ينظر: نزهة الألباء ص ٥٠، ومعجم الأدباء ٦/ ٢٥٧٢، وتاريخ الإسلام ٤/ ١١٩١.
(٥) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب (ما قبلهن).
(٦) ينظر: الإبانة ٧/ ب، والمرشد ١/ ١٠.
(٧) هو: أبو بكر، محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن مِقْسم العطار النحوي، كان من أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعلمهم بالقراءات، وله في علمي القراءات والنحو تصانيف حسنة، من مصنفاته: كتاب الأنوار، توفي: سنة ٣٥٤ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٦٠٨، ونزهة الألباء ص ٢١٥، وإنباه الرواة ٣/ ١٠٠.
[ ٦٩ ]
المستحسن، والمفهوم وهو الذي يستحب الوقف عليه استحبابًا [لا إيجازًا] (^١) (^٢).
سئلت أم سلمة زوج النبي ﷺ عن قراءة النبي ﵊ فقالت: «وما لكم ولصلاته، كان يصلي ثم ينام قدر ما يصلي، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما يصلي حتى يصبح، ونعتت له قراءته فإذا قرأته مفسرة حرفًا حرفًا» (^٣).
وكذا مذهب ابن مجاهد في القراءة والوقف، [فإذا القرآن] (^٤) وقف في الوقف كأنه واصل وليس بواقف ولا ساكت (^٥)، وكان يقف على رؤوس الآي، [أن يصل] (^٦) تارة ويقف أخرى، وعمدته في رؤوس الآي لا غيرها أن يقف على التمام، والكافي عند التمام، وعلى المفهوم (^٧).
وتصديق قوله ما قال الشيخ الإمام أبو الفضل الخزاعي: «سميت آية؛ لأنها طائفة من القرآن، وقيل: سميت آية؛ لأنها مكتفية بما فيها» (^٨)، وقد ذكر شرحها (^٩).
_________________
(١) كذا وجدتها في النسخة الخطية، والصواب أن تكون بالنصب؛ لأنها معطوفة على (استحبابًا)، وقد جاء في الإبانة ٥/ ب: (لا إيجابًا) بدلًا من (لا إيجازًا).
(٢) ينظر: الإبانة.
(٣) أخرجه بنحو لفظه الترمذي في سننه، باب: ما جاء كيف كانت قراءة النبي ﷺ، حديث: ٢٩٢٣، ٥/ ١٨٢، قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، والنسائي في السنن الصغرى، باب: ذكر صلاة رسول الله ﷺ بالليل، حديث: ١٦٢٩، ٣/ ٢١٤، والبيهقي في سننه، باب: ترتيل القراءة، حديث: ٤٧١٣، ٣/ ١٩.
(٤) كذا وجدتها في النسخة الخطية، وفي الكلام سقط، وتمامه بقولي: (فإذا قرأ القرآن).
(٥) ينظر: الإبانة.
(٦) كذا وجدتها في النسخة الخطية، وفي الكلام سقط تمامه بقولي: (وله أن يصل).
(٧) لم أقف على مذهب ابن مجاهد كاملًا في كتاب الإبانة؛ بسبب الطمس الشديد، غير أنه اتضح لي جزء من الكلام وغلبة الظن أنه النص المراد. ينظر: الإبانة.
(٨) ينظر: الإبانة.
(٩) أي: ذكر الخزاعي معنى (الآية) وشرحها في كتابه الإبانة، وجاء فيه: قيل: «سميت آية؛ لأنها مكتفية بما فيها، وإنما جاز ذلك؛ لأن الكلام يُبنى، والاسم يُعطى على الأكثر والأغلب والأشهر»، وقال أيضًا: «وإنما سميت آية؛ لأنها علامة لانقطاعها مما قبلها». ينظر: الإبانة. وقال الإمام أبو عبيدة بن المثنى ﵀: «إن الآية إنما سميت ءاية؛ لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، وانقطاع معناه قصة ثم قصة». ينظر: مجاز القرآن ١/ ٥.
[ ٧٠ ]