هو علم يُعرف به مواضع الوقف والابتداء وكيفيتهما من حيث الصِّحة وعدمها؛ مراعاةً
لمعاني كلام الله تعالى وفهم كتابه الكريم (^٢).
والوقف بحسب ذاته على أربعة أنواع:
الأوَّل: الاختياري وهو: أن يُقصد لذاته من غير عروض سبب.
والثَّاني: الاضطراري وهو: ما يكون بسبب عارض كالسُّعال أو النِّسيان أو العطاس وغير ذلك.
والثَّالث: الاختباري وهو: ما يَمتَحن به المعلِّم المتعلِّم؛ ليعلّم مهارته وليعلّمه الوجوه المأخوذة بها في الوقف.
والرَّابع: الانتظاري وهو: أن يقف على كلمة فيها قراءة أخرى ليعطف عليها غيرها، وذلك يكون حين القراءة بجمع الوجوه على الطَّريقة المتعارف بها عند المشايخ (^٣).
ومن المعلوم أنَّ النَّوع الثَّالث والرابع ليس هو مقصود كتب الوقف والابتداء، وإنَّما يبحث فيها النَّوع الأوَّل والثَّاني، وهما: الوقف الاختياري والاضطراري كما هو ظاهر في الكتب المؤلَّفة في هذا الفنّ (^٤).
وقد اختلف العلماء في مسمَّيات الوقف ومصطلحاته، وتغايرت عندهم أقسامه وأنواعه اختلافًا لا يخرج الوقف عن مقصوده الأسمى؛ وهو مراعاة المعنى وما يقتضيه اللَّفظ، فهم
_________________
(١) ينظر: النشر ٣/ ٥٩٧، ٣/ ٦٠٢.
(٢) ينظر: المنتقى ص ٣١.
(٣) ينظر: النَّشر ٣/ ٥٨٧ - ٥٨٩، والطرازات المعلمة ص ١٩٦، وذخر الأريب ٨٣/ أ، والإضاءة ص ٤٠، وأحكام قراءة القرآن ص ٢٥٢ - ٢٥٣، وهداية القاري ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) ينظر: ذخر الأريب ٨٣/ أ.
[ ١٨ ]
يختلفون في إطلاق اللَّفظ ويتَّفقون في المدلول، وسأذكر بعضًا من أقسام الوقف على سبيل الاختصار والإيجاز لا على سبيل الحصر:
* منهم من جعله على قسمين: كابن سعدان الضَّرير (^١)، فالوقف عنده: تام وغير تام (^٢).
* ومنهم جعله على ثلاثة أقسام: كابن الأنباري (^٣) فالوقف عنده: تام وحسن وقبيح (^٤)، وأبي عبد الله ابن أوس (^٥) فهو عنده: تام وحسن وكاف (^٦).
* ومنهم من جعله على أربعة أقسام: كأبي عمرو الداني (^٧) فهو عنده: تام وحسن وكاف وقبيح (^٨)، وابن الغزَّال (^٩) وهو عنده: تام وحسن وكاف ووقف بيان (^١٠).
_________________
(١) هو: أبو جعفر، محمد بن سعدان الكوفي الضَّرير، المقرئ النَّحوي، من مصنَّفاته: الجامع، توفي سنة: ٢٣١ هـ. ينظر: معجم الأدباء ٦/ ٢٥٣٧، ومعرفة القراء الكبار ١/ ٤٣١، وغاية النهاية ٢/ ١٩٣.
(٢) ينظر: الوقف والابتداء لابن سعدان ص ٧٦.
(٣) هو: أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن الأنباري، ألَّف في الوقف والابتداء وأحسن فيه، من مصنَّفاته: كتاب الأضداد، توفي سنة: ٣٢٨ هـ، وقيل: غير ذلك. ينظر: الدر الثمين ص ١١٨ - ١٢١، ومعرفة القراء الكبار ٢/ ٥٥٦ - ٥٥٩، وغاية النهاية ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٨.
(٤) ينظر: الإيضاح ١/ ١٤٩.
(٥) هو: أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن أوس الهمذاني المقرئ، إمام في القراءة، صدوق في الرواية، من مصنَّفاته: كتاب الوقف والابتداء، توفي سنة: ٣٣٠ هـ. ينظر: سير أعلام النُّبلاء ١٥/ ٣٨٨، وغاية النَّهاية ١/ ١٤٠، ومعجم المؤلفين ٢/ ٨٤.
(٦) ينظر: الوقف والابتداء لابن أوس ص ١١١.
(٧) هو: أبو عمرو، عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الدَّاني الأموي، المعروف في زمانه: (بابن الصَّيرفي)، الإمام في علم القرآن ورواياته وطرقه ومعانيه، من مصنفاته: جامع البيان في القراءات السبع، توفي سنة: ٤٤٤ هـ. ينظر: طبقات القراء ١/ ٤١٨ - ٤٢٥، وغاية النهاية ١/ ٧٠٠ - ٧٠٢.
(٨) ينظر: المكتفى ص ٨ - ١٣.
(٩) هو: أبو الحسن، علي بن أحمد بن محمد بن الغزال النيسابوري المعروف بابن الغزَّال، مقرئ زاهد، إمام في النحو وعلله، من مصنفاته: كتاب المنهاج، توفي سنة: ٥١٦ هـ. ينظر: الوقف والابتداء لابن الغزَّال ١/ ٩١، ومعجم الأدباء ٤/ ١٦٦٥، وغاية النهاية ١/ ٧٢٩، وبغية الوعاة ٢/ ١٤٦.
(١٠) ينظر: الوقف والابتداء لابن الغزال ١/ ١٣٤.
[ ١٩ ]
* ومنهم من قال فيه بأكثر من ذلك: كالنَّحاس (^١) والعماني (^٢) والجعبري (^٣) والسَّجاوندي (^٤) وغيرهم (^٥).
والنَّاظر في كتب الوقف والابتداء والمدقِّق في هذه المسمَّيات، يمكن أن يجعل هذه المصطلحات في ثلاث مجموعات رئيسة:
المجموعة الأولى: امتدَّت منذ عهد ابن الأنباري حتى زمن المتأخرين من المصنِّفين في هذا الفنِّ، ولا تخرج المصطلحات في هذه المجموعة عن: التَّام والحسن والكافي والقبيح والجيِّد والصَّالح وغيرها.
المجموعة الثَّانية: وهي مجموعة مستقلَّة اصطلحها أبو نصر العراقي (^٦) والسَّجاوندي، وذكروا مسمياتٍ جديدة للوقف لم يسبقهم إليها أحد، وهي: اللازم والمطلق والجائز والمجوَّز والمرخَّص لضرورة.
_________________
(١) هو: أبو جعفر، أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المعروف بابن النحاس، حاذق عالم بالنحو، من مصنفاته: إعراب القرآن، توفي: سنة ٣٣٨ هـ. ينظر: تاريخ ابن يونس ١/ ١٩، والإكمال ٧/ ٢٨٦، والبلغة ص ٨١.
(٢) هو: أبو محمَّد، الحسن بن علي بن سعيد العماني المقرئ، إمام فاضل محقِّق، من مصنفاته: المرشد في الوقوف، توفي بعد سنة: ٥٠٠ هـ. ينظر: المرشد ١/ ٢٨ - ٤٢، وغاية النهاية ١/ ٣٠٤، ومعجم المؤلفين ٣/ ٢٥٤.
(٣) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل بن أبي العبَّاس الربعي الجَعْبَري، الشَّافعي المحقِّق الحاذق، من مصنفاته: كنز المعاني في شرح حرز الأماني، توفي سنة: ٧٣٢ هـ. ينظر: معجم الشُّيوخ الكبير ١/ ١٤٧ - ١٤٨، وفوات الوفيات ١/ ٣٩ - ٤١، وكنز المعاني ١/ ١٥٢.
(٤) هو: أبو عبد الله، محمَّد بن طيفور السَّجاوندي الغزنوي، المقرئ المفسِّر، النَّحوي اللُّغوي، الإمام الكبير المحقِّق، من مصنفاته: علل الوقوف، توفي سنة: ٥٦٠ هـ. ينظر: الوافي بالوفيات ٣/ ١٤٧، وغاية النِّهاية ٢/ ٢١٢، وطبقات المفسرين ص ١٠١. ولبيان أنواع وقفهم: ينظر: المرشد ١/ ١٦ - ١٩، ووصف الاهتداء ١/ ٣٠، وعلل الوقوف ١/ ١٦٩. أمَّا النَّحاس فلم يعقد لأنواع الوقف بابًا مستقلًا في مقدمته وإنما ظهرت من خلال الاستقراء، واكتفى النحاس بذكر كلام مجمل عن أنواع الوقف فقال في كتابه ص ١٩: «وهذا الكتاب نذكر فيه التمام في القرآن العظيم، وما كان الوقف عليه كافيًا أو صالحًا وما يحسن الابتداء به وما يتجنب من ذلك».
(٥) كالأشموني. ينظر: منار الهدى ١/ ٢٥.
(٦) هو: أبو نصر، منصور بن أحمد بن إبراهيم العراقي، ويقال: ابن محمد، أستاذ كبير محقق مؤلِّف، من مصنفاته: كتاب الإشارة. ينظر: معرفة القراء الكبار ٢/ ٧٣٠، وغاية النهاية ٢/ ٤٠٨.
[ ٢٠ ]
المجموعة الثَّالثة: منشؤها الإمام الجَعبري وهي عنده: الكامل والتَّام والكافي والصَّالح والمفهوم والجائز والنَّاقص والمتجاذب (^١).
وأخيرًا:
ليعلم مريد الوقف وقاصده أنَّه لا يتحصَّل الوقوف على حقيقة أقسام الوقف ولا إتقانه إلَّا بالبراعة والتَّفنُّن في التَّصريف والنَّحو وسائر العلوم العربيَّة، أو بالأخذ عن قارئ عالم، أو بمطالعة الكتب المؤلَّفة في المقاطع والمبادئ للثقات المتبحِّرين في كلِّ الفنون الأدبيَّة (^٢).
قال الإمام ابن مجاهد ﵀ (^٣): «لا يقوم بالتَّمّام إلا نحويٌّ عالمٌ بالقراءة، عالم بالتَّفسير، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالمٌ باللُّغة التي نزل بها» (^٤).
_________________
(١) ينظر: الوقف والابتداء لابن أوس ص ٦٧ - ٦٨، وعلل الوقوف ١/ ١٠٤ - ١٦٩، ووصف الاهتداء ١/ ٣٠، وذخر الأريب ٨٦/ ب - ٨٧/ أ.
(٢) ينظر: ذخر الأريب ٨٢/ ب.
(٣) هو: أبو بكر، أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي التميمي، شيخ القُرَّاء وأوَّل من سبَّع السبعة، من مصنفاته: كتاب السبعة، توفي سنة ٣٢٤ هـ. ينظر: الدر الثمين ص ٢٩١ - ٢٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وغاية النهاية ١/ ١٨٢ - ١٨٥.
(٤) وقوله في القطع ص ٣٢.
[ ٢١ ]