أن للقرآن نزولًا واحدًا هو النزول المنجم على النبي ﷺ وأنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر وهي الليلة المباركة من شهر رمضان.١
القائلون به:
قاله الشعبي٢ ومحمد بن إسحاق٣ والنسفي.٤
وقد عدّ السخاوي في جمال القراء٥ الشعبي من القائلين بالقول الأول مع ابن عباس وابن جبير. ويؤيد هذا ما أخرجه الطبري في تفسيره عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.٦
وهذا خلاف لما هو مشهور عن الشعبي في هذا، وما أخرجه الطبري عن الشعبي هنا معارض بما رواه عنه - أيضًا - في تفسيره من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي. أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر.٧
_________________
(١) ١ انظر البرهان للزركشي (١/٢٢٨-) والإتقان للسيوطي (١/١٣٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير القرطبي (٢٠/١٣٠) . ٢ انظر البرهان للزركشي (٢٢٩)، والإتقان للسيوطي (٠١/١٤٨) والمرشد الوجيز (٢٠) وتفسير الماوردي (٦/٣١٢) بتحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم والثعالبي (٤/٤٣٠) . ٣ نسبه له الفخر الرازي في تفسيره (٥/٨٥) . ٤ انظر تفسيره (١/٩٤) حيث قال: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله وكان في ليلة القدر وأشار إلى الإنزال جملة بصيغة التضعيف في تفسير سورة القدر (٤/٣٧٠) فقال: روي أنه أنزل جملة) . ٥ ينظر جمال القراء للسخاوي (١/٢٠) . ٦ تفسير الطبري (٢/١٤٥) ٣/٤٤٧) (٣٠/٢٥٨) . ٧ تفسير الطبري (٣٠/٢٥٨) .
[ ١٩ ]
وقد ذكر أبو شامة عن الشعبي رواية عدها قولًا رابعًا في معنى قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فعن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟! قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدًا ﵉ بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان.١
فالشعبي هنا نزّل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه. وهو قول لا يعارض رأيه المشهور بأن المراد ابتداء نزول القرآن. ولذا قال أبو شامة "وإن ضم إلى ذلك كونه ابتداء نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته"٢ -أي قوة القول ووجه ذكر شهر رمضان ظرفًا لإنزال القرآن - قال ابن حجر: (والمعتمد أن جبريل كان يعارض النبي ﷺ في رمضان بما ينزل به عليه في طوال السنة. كذا جزم به الشعبي فيما أخرجه عنه أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح".٣
أدلته:٤
١- الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجمًا مفرقًا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة.
٢- قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦)؟فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه.
_________________
(١) ١ المرشد الوجيز (٢١) . ٢ المصدر السابق (٢٤) . ٣ فتح الباري (٩/٥) . ٤ راجع مناقشة هذه الأدلة في مبحث الترجيح (ص٣٨) .
[ ٢٠ ]
٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ .
٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينًا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه!.١
_________________
(١) ١ انظر: مباحث في علوم القرآن. د. صبحي الصالح. (٥١) وتفسير جزء "عم" للشيخ محمد عبده (ص١٢٢) ط. بولاق. والمدخل لدراسة القرآن الكريم (٥٢) . وراجع (ص ٣٨) .
[ ٢١ ]