١) التخفيف على الأمة الإسلامية وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفًا لها وتوسعةً ورحمةً وخصوصيةً لفضلها، خصوصًا الأمة الإسلامية التي شوفهت بالقرآن فإنها كانت قبائل كثيرة، وكان بينهما اختلاف في اللهجات ونبرات الصوت.
[ ٣٢ ]
الإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق حيث أتاه جبريل فقال له (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال ﷺ: " أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف ١ وكما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) ٢، وكما قال ﵇ لجِبْرِيلُ " إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ٣،" وذلك أن الأنبياء السابقين ﵈ كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصين بهم، والنبي ﷺ بعث إلى جميع الخلق أحمرها وأسودها عربيها وعجميها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها أو من حرف إلى آخر، فلو كلفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع٤ لظروف الأمية واللغات واللهجات، وهذه التوسعة كانت في الألفاظ دون المعاني وفي حدود ما نزل به جبريل وما سمعوه من النبي ﷺ وذلك بدليل أن كلا من المختلفين كان يقول
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٥. ٢ انظر ص ٢٤. ٣ أخرجه الترمذي في كتاب القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف ٥/١٩٥ ٢٩٤٤، وقال عقبه هذا حديث حسن صحيح. ٤ النشر في القراءات العشر ١/٢٢.
[ ٣٣ ]
١) أقرأنيها رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله (هكذا أنزلت)، ولا يتوهمن متوهم أن ذلك كان باتباع الهوى والتشهي فذلك ما لا يقوله عاقل لأن القراءة سنة متبعة ١.
٢) جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرًا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة فكان القرشيون يستملحون ما شاءوا، ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه في دائرة لغتهم المرنة التي أذعن العرب لها بالزعامة، وعقدوا لها راية الإمامة ٢.
٣) تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين لأن حفظ كلمة ذات وجوه في الأداء أيسر من حفظ جمل من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات.
٤) إعجاز القرآن الكريم للفطرة اللغوية عند العرب وفي المعاني والأحكام٣.
فيه آية بالغة وبرهان قاطع على صدق الرسول ﷺ وعظمة الآية القرآنية إذ أنه برغم تنوع الأداء لم يتطرق إليه تناقض ولا
_________________
(١) ١ انظر منهج الفرقان لمحمد على سلامة ٥٨، ٥٩، والمدخل لدراسة القرآن الكريم١٧١، ١٧٢، مناهل العرفان ١٥١، ٢٥٢. ٢ انظر مناهل العرفان ١/١٤٦، ١٤٧. ٣ انظر مباحث في علوم القرآن مناع القطان ١٤٥، ١٤٦.
[ ٣٤ ]
١) تخالف، بل يصدق بعضه بعضًا ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد.
٢) في تعدد الحروف دلالة على عظمة هذه الأمة وشرفها التي تلقت القرآن بحروفه المختلفة ووعته هذا الوعي، وقامت بما ينبغي له من ضبط وإحكام ودقة في الأداء مما يجعل أعلام هذه الأمة محلًا لفضل الله ومثوبته وتكريمه١.
_________________
(١) ١ في علوم القراءات، السيد رزق الطويل ص ١٤٦،١٤٧.
[ ٣٥ ]