وما قيل من أن القرآن اشتمل على كلمات أعجمية غير عربية فإنه مع ندرته موضع خلاف بين العلماء.
١ - فقيل: إن فى القرآن الكريم كلمات بغير العربية، وهى كلمات محدودة، وهذا القول يرجع إلى ما جاء من آثار عن بعض الصحابة والتابعين فسّروا فيها كلمات بغير العربية.
فمن ذلك: الطُّورَ: جبل بالسريانية- طَفِقا «٤»: أى قصدا بالرومية- القسط والقسطاس: العدل بالرومية- إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٥»:
تبنا بالعبرانية- الرقيم: اللّوح بالرومية- المهل: عكر الزيت بلسان أهل المغرب- السندس: الرقيق من الستر بالهندية- الإستبرق: الغليظ من الديباج بالفارسية- السرى: النهر الصغير باليونانية- طه: يا رجل بالعبرانية- يصهر: أى ينضح بلسان أهل المغرب- سينين: الحسن بالنبطية- المشكاة:
الكوّة بالحبشية، وقيل: الزجاجة تسرج- الدرّى: المضيء بالحبشية- الأليم:
المؤلم بالعبرانية- ناظِرِينَ إِناهُ «٦»: أى نضجه بلسان أهل المغرب- الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ «٧»: أى الأولى بالقبطية، والقبط يسمون الآخرة: الأولى،
_________________
(١) الشعراء: ٢١٤
(٢) إبراهيم: ٤
(٣) يوسف: ٢
(٤) الأعراف: ٢٢، طه: ١٢١
(٥) الأعراف: ١٥٦
(٦) الأحزاب: ٥٣
(٧) سورة ص: ٧
[ ٩ ]
والأولى: الآخرة- وَراءَهُمْ مَلِكٌ «١»: أى أمامهم بالقبطية- اليمّ: البحر بالقبطية- بطائنها: ظواهرها بالقبطية- الأبّ: الحشيش بلغة أهل المغرب- إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ «٢»: قال ابن عباس: نشأ بلغة الحبشة: قام من الليل- كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ «٣»، قال أبو موسى الأشعرى «٤» ﵁:
«ضعفين» بلغة الحبشة- القسورة: الأسد بلغة الحبشة «٥».
وينسب هذا الرأى إلى ابن عباس، وتلاميذه: مجاهد «٦»، وسعيد بن جبير «٧»، وعكرمة «٨»، وعطاء «٩»، وآخرين من الصحابة والتابعين فيما روى عنهم فى كتب التفسير بالأثر.
وذكر السيوطى سوى هذه الكلمات كلمات أخرى أورد روايات فى تفسيرها عن ابن أبى حاتم «١٠»، وابن جرير، والثعالبى «١١»، وآخرين من علماء اللّغة منها:
_________________
(١) الكهف: ٧٩
(٢) المزمل: ٦
(٣) الحديد: ٢٨
(٤) أبو موسى الأشعرى، واسمه عبد الله بن قيس، مشهور باسمه وكنيته، وبكنيته أكثر، استعمله عمر على البصرة، ثم عثمان على الكوفة- ت. ٥ هـ (الإصابة ٢/ ٣٥١).
(٥) البرهان ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩
(٦) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكى، تابعى مفسر- ت ٤. ١ هـ (تهذيب التهذيب. ١/ ٤٢).
(٧) سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، الكوفى تابعى من العلماء الفضلاء، قتله الحجاج لموالاته عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث- ت ٩٥ هـ (تهذيب التهذيب ٤/ ١١).
(٨) عكرمة بن عبد الله البربرى المدنى مولى عبد الله بن عباس، كان من أعلم الناس بالتفسير- ت ١٠٥ هـ (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣).
(٩) عطاء بن أبى رباح، أسلم بن صفوان تابعى من أجلاء الفقهاء- ت ١١٤ هـ (تهذيب التهذيب ٧/ ١٩٩).
(١٠) ابن أبى حاتم: عبد الرحمن بن محمد الرازى، الحافظ المحدث، من تصانيفه: «الجرح والتعديل» و«التفسير» و«علل الحديث» - ت ٣٢٧ هـ (الأعلام ٤/ ٩٩).
(١١) الثعالبى: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبى، من أئمة اللّغة والأدب، من كتبه: «يتيمة الدهر» و«فقه اللغة» - ت ٤٢٩ هـ (وفيات الأعيان ١/ ٢٩٠).
[ ١٠ ]
أباريق: جمع إبريق، والإبريق بالفارسية طريق الماء، أو صب الماء على هينة- الأرائك: السرر بالحبشية- أسفار: هى الكتب بالسريانية، وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحّاك «١» قال: هى الكتب بالنبطية- أكواب: أخرج ابن جرير عن الضحّاك أنها بالنبطية، وأنها جرار ليست لها عرى- أوّاه:
أخرج أبو الشيخ «٢» من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الأوّاه: الموقن بلسان الحبشة، وأخرج ابن أبى حاتم مثله عن مجاهد وعكرمة.
الجبت: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس قال: الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، وأخرج عبد بن حميد «٣» عن عكرمة قال: الجبت بلسان الحبشة: الشيطان- حصب: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى: حَصَبُ جَهَنَّمَ «٤». قال: حطب جهنم بالزنجية- ربانيون: قال أبو عبيدة «٥»: العرب لا تعرف الربانيين، وإنما عرفها الفقهاء وأهل العلم، قال: وأحسب الكلمة ليست بعربية، وإنما هى عبرانية أو سريانية.
الصراط: حكى النقاش «٦» وابن الجوزى «٧» أنه الطريق بلغة الروم-
_________________
(١) الضحاك بن مزاحم البلخى الخراسانى المفسر- ت ١٠٥ هـ (تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٣).
(٢) أبو الشيخ: عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيّان الأصبهانى أبو الشيخ محدث حافظ، مفسر، من تصانيفه: «التفسير» و«طبقات المحدثين بأصبهان» - ت ٣٦٩ هـ (معجم المؤلفين ٦/ ١١٤).
(٣) عبد بن حميد بن نصر الكسى «نسبة إلى كس- مدينة قرب سمرقند» من حفاظ الحديث، من كتبه: «مسند كبير» و«تفسير» (الأعلام ٤/ ٤١).
(٤) الأنبياء: ٩٨.
(٥) أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمى بالولاء البصرى أبو عبيدة النحوى من أئمة العلم بالأدب واللّغة، من كتبه: «مجاز القرآن» - ت ٢٠٩ هـ (وفيات الأعيان ٢/ ١٠٥).
(٦) النقاش: محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون، أبو بكر النقاش، عالم بالقرآن وتفسيره، من تصانيفه: «شفاء الصدور فى التفسير» و«الإشارة فى غريب القرآن» - ت ٣٥١ هـ (وفيات الأعيان ١/ ٤٨٩، وغاية النهاية ٢/ ١١٩).
(٧) ابن الجوزى: عبد الرحمن بن على بن محمد الجوزى القرشى البغدادى أبو الفرج، محدث، حافظ، مفسر، فقيه، واعظ، أديب، مؤرخ، مشارك فى أنواع أخرى من العلوم، من تصانيفه:
[ ١١ ]
قنطار: ذكر الثعالبى فى فقه اللّغة أنه بالرومية: اثنتا عشر ألف أوقية، وقال الخليل «١»: زعموا أنه بالسريانية: ملء جلد ثور ذهبا أو فضة، وقال ابن قتيبة:
قيل: إنه ثمانية آلاف مثقال بلغة أهل إفريقية، وفى المحتسب لابن جنى «٢»:
السجل: الكتاب، قال قوم: هو فارسى معرّب- هَيْتَ لَكَ «٣»: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هيت لك: هلمّ لك بالقبطية، وقال الحسن «٤»:
هى بالسريانية كذلك، أخرجه ابن جرير، وقال عكرمة: هى بالحورانية كذلك، أخرجه أبو الشيخ، وقال أبو زيد الأنصارى «٥»: هى بالعبرانية، وأصله:
هينلج، أى تعاله- طوبى: أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس، قال:
طوبى: اسم الجنة بالحبشية، وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال:
بالهندية- طور: أخرج الفريابى «٦» عن مجاهد قال: الطور: الجبل
_________________
(١) «زاد المسير فى علم التفسير» و«الوجوه والنظائر» و«تلبيس إبليس» و«المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم» - ت ٥٩٧ هـ (وفيات الأعيان ١/ ٢٧٩، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٨٣).
(٢) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدى من أئمة اللّغة والأدب، وواضع علم العروض، من كتبه: «العين» و«تفسير حروف اللّغة» و«معانى الحروف»، وكتاب «العروض» - ت. ١٧ هـ (وفيات الأعيان ١/ ١٧٢، وانباه الرواة ١/ ٣٤١).
(٣) ابن جنى: عثمان بن جنى الموصلى أبو الفتح، من أئمة الأدب والنحو، من تصانيفه: «المحتسب» فى شواذ القراءات و«الخصائص» فى اللّغة- ت ٣٩٢ هـ (الأعلام ٤/ ٣٦٤).
(٤) يوسف: ٢٣
(٥) الحسن بن يسار البصرى، أبو سعيد، تابعى، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة فى زمنه- ت. ١١ هـ (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٣).
(٦) أبو زيد الأنصارى، سعيد بن أوس بن ثابت الأنصارى، أحد أئمة الأدب واللّغة، من أهل البصرة، ومن ثقات اللّغويين، من تصانيفه: «لغات القرآن» و«النوادر» فى اللّغة- ت ٢١٥ هـ (وفيات الأعيان ١/ ٣٠٧، وانباه الرواة ٢/ ٣٠ - ٣٥).
(٧) الفريابى: محمد بن يوسف بن واقد الضبى بالولاء، التركى الأصل أبو عبد الله الفريابى، عالم بالحديث، من الحفاظ، روى عنه البخارى ٢٦ حديثا، وله «مسند» فى الحديث- ت ٢١٢ هـ (تهذيب التهذيب).
[ ١٢ ]
بالسريانية، وأخرج ابن أبى حاتم عن الضحّاك أنه بالنبطية- غساق: قال الجواليقى «١»، والواسطى «٢»: هو البارد المنتن بلسان الترك، وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة «٣»، قال: الغساق: النتن- صلوات، قال الجواليقى:
هى بالعبرانية كنائس اليهود، وأصلها صلوتا، وأخرج ابن أبى حاتم نحوه عن الضحّاك- مرجان: حكى الجواليقى عن بعض أهل اللّغة أنه أعجمى- مسك:
ذكر الثعالبى أنه فارسى- مزجاة: قال الواسطى: مزجاة: قليلة بلسان العجم، وقيل: بلسان القبط- اليهود: قال الجواليقى: أعجمى معرّب، منسوبون إلى يهوذا بن يعقوب، فعرّب بإهمال الدال «٤».
وأجاب أصحاب هذا الرأى عن قوله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «٥»، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «٦» ونحو ذلك، بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا، كما أن القصيدة الفارسية لا تخرج عن كونها فارسية بوجود لفظة فيها عربية.
وأجابوا عن قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ «٧»، بأن المعنى من السياق: أكلام أعجمى ومخاطب عربى؟ على وجه الإنكار، والكلمات النادرة لا تجعله أعجميا.
_________________
(١) الجواليقى: موهوب بن أحمد بن محمد أبو منصور بن الجواليقى، عالم بالأدب واللّغة، من كتبه: «المعرب» فيما تكلمت له العرب من الكلام الأعجمى، و«شرح أدب الكاتب» - ت ٥٤٠ هـ (وفيات الأعيان ٢/ ١٤٢).
(٢) الواسطى: القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور أبو محمد الواسطى عالم بالعربية، من كتبه: «شرح اللمع» لابن جنى- ت ٦٢٦ هـ (بغية الوعاة ٣٨٠).
(٣) عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمى أبو سهل المروزى قاضى مرو، روى عن أبيه ونفر من الصحابة، وروى عنه جماعة، وهو من الثقات- ت ١١٥ هـ (تهذيب التهذيب ٥/ ١٥٧).
(٤) انظر الإتقان ٢/ ١٧٨ - ١٨٤
(٥) الشعراء: ١٩٥
(٦) يوسف: ٢
(٧) فصلت: ٤٤
[ ١٣ ]
٢ - وذهب الإمام الشافعي «١» وأبو عبيدة، وابن جرير، وابن فارس وآخرون إلى أنه لم يقع فى القرآن شىء بغير العربية «٢».
يقول الشافعي: «ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب» «٣»، ثم يقول: «فالواجب على العالمين أن لا يقولوا إلّا من حيث علموا، وقد تكلّم فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلّم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له إن شاء الله، فقال منهم قائل:
إن فى القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شىء إلّا بلسان العرب» «٤».
وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس: إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول، قال: ومعناه أتى بأمر عظيم، وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شىء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها، وفى ذلك ما فيه «٥».
وأجاب ابن جرير الطبرى عن الكلمات التى قال فيها ابن عباس وغيره إنها أعجمية بأنها من الكلمات التى تواردت فى عدة لغات فى العربية وغير العربية، ولا يدل نطق الأعاجم بها على أن العرب اقتبسوها منهم، كما أنهم
_________________
(١) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمى القرشى المطلبى، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنّة، من كتبه: «الأم» فى الفقه، و«الرسالة» فى أصول الفقه- ت ٢٠٤ هـ (تهذيب التهذيب ٩/ ٢٥).
(٢) انظر الإتقان ١/ ١٧٨
(٣) الرسالة بتحقيق أحمد شاكر، ص ٤٠
(٤) المرجع السابق ص ٤١ - ٤٢
(٥) البرهان ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨
[ ١٤ ]
لم يقتبسوها من العرب، ولا مانع من أن تتفق لغتان أو أكثر فى بعض الألفاظ، وليس ادعاء أمة بأنها لغتها أولى من ادعاء أمة أخرى، ولم يقل أحد ممن فسّر هذه الكلمات فى القرآن بغير العربية، أنها ليست من كلام العرب.
يقول ابن جرير: «إن الذى قالوه من ذلك غير خارج عن معنى ما قلنا، من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلاما، ولا كان ذاك لها منطقا قبل نزول القرآن وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا، وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا، ولم تستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما قد وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس وغير ذلك- مما يتعب إحصاؤه، ويمل تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره- مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللّفظ والمعنى، ولعل ذلك كذلك فى سائر الألسن التى نجهل منطقها ولا نعرف كلامها» «١».
ثم قال: «وهذا المعنى الذى قلناه فى ذلك هو معنى قول من قال: «فى القرآن من كل لسان» «٢»، عندنا بمعنى- والله أعلم- أن فيه من كل لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الامم التى تنطق بها فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن بعض القرآن فارسى لا عربى، وبعضه نبطى لا عربى، وبعضه روميّ لا عربى، وبعضه حبشى لا عربى، بعد ما أخبر الله تعالى ذكره عنه أنه جعله قرآنا عربيا» «٣».
_________________
(١) تفسير الطبري ١/ ١٤ - ١٥
(٢) روى هذا ابن جرير عن أبي ميسرة قال: «فى القرآن من كل لسان»، المرجع السابق ١/ ١٤ - وأبو ميسرة: هو عمرو بن شرحبيل الهمدانى الثقة المخضرم أبو ميسرة الكوفى- ت ٦٣ هـ (تهذيب التهذيب ٨/ ٤٧).
(٣) المرجع السابق ١/ ١٧ - ١٨
[ ١٥ ]
٣ - وذهب ابن عطية إلى أن فى القرآن ألفاظا أعجمية استعملها العرب بالمخالطة مع غيرهم، وشاع استعمالها حتى صار كسائر الألفاظ عند العربى، فأصبحت بعد تعريبها عربية.
وهذا الذى ذهب إليه ابن عطية يجمع بين الرأيين السابقين، وهو الذى يترجح لدىّ، وتميل إليه نفسى.
يقول ابن عطية: «والذى أقوله: إن القاعدة والعقيدة هى أن القرآن نزل بلسان عربى مبين، فليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب فلا تفهمها إلّا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها فإنه قد كان للعرب العاربة التى نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة، بتجارات، وبرحلتى قريش، وبسفر مسافر بن: أبى عمرو بن أمية بن عبد شمس «١»، إلى الشام، وسفر عمر ابن الخطاب «٢»، وكسفر عمرو بن العاص «٣»، وعمارة بن الوليد «٤»، إلى
_________________
(١) مسافر بن أبى عمرو (واسمه ذكوان) ابن أمية بن عبد شمس: شاعر، من سادات بنى أمية وأجوادهم فى الجاهلية، وفد على النعمان بن المنذر فأكرمه وجعله فى خاصة ندمائه- توفى نحو ١٠ ق هـ (الأعلام ٨/ ١٠٤).
(٢) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشى العدوى، أبو حفص، ثانى الخلفاء الراشدين، وأول من لقّب بأمير المؤمنين، احترف التجارة فى الجاهلية، وكان يختلف فيها إلى الشام، ثم دعى إلى الشام بعد فتحها، ولكنه رجع قبل دخولها بسبب الطاعون- ت ٢٣ هـ (تاريخ الإسلام السياسى ١/ ٢٠٨ وما بعدها).
(٣) عمرو بن العاص بن وائل السهمى القرشى، أبو عبد الله، فاتح مصر، وأحد عظماء العرب ودهاتهم، أوفدته قريش فى الجاهلية مع عبد الله بن أبى ربيعة وعمارة إلى النجاشى فى طلب المهاجرين إلى الحبشة، ثم كان أحد رجال الفتح الإسلامى للشام- ت ٤٣ هـ (السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٥٦).
(٤) عمارة بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، حين عرفت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه لهم. مشوا إليه بعمارة ليأخذه عوضا ويدفع إليهم محمدا ليقتلوه فأبى، وهو أحد الذي أرسلتهم قريش إلى النجاشى فى طلب المهاجرين إلى الحبشة، وكان من أمره أنه أصيب بعقله وهلك. (انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٨٥، ٣٥٧، والإصابة ٣/ ١٧٠).
[ ١٦ ]
أرض الحبشة، وكسفر الأعشى «١» إلى الحيرة، وصحبته لنصاراها مع كونه حجّة في اللّغة، فعلقت (هوت وأحبت) العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية، غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها فى أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربى الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربى ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى «فاطر» إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها فى الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعرّبتها فهى عربية بهذا الوجه».
ثم رد على الطبرى فقال: «وما ذهب إليه الطبرى من أن اللّغتين اتفقتا فى لفظة فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع فى الأكثر، لأنّا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا» «٢».
وحكى ابن فارس عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف فى ذلك، ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء، والمنع إلى أهل العربية، ثم قال أبو عبيدة:
«والصواب عندى مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العرب فعرّبتها بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال أعجمية فصادق» .. قال: «و
إنما فسر هذا لئلا يقدم أحد على
_________________
(١) الأعشى: ميمون بن قيس الوائلى أبو بصير، أحد أصحاب المعلّقات، كان يعد على الملوك ولا سيما ملوك فارس، ولذلك كثرت الألفاظ الفارسية فى شعره، ولقب بالأعشى لضعف بصره، وعمى فى آخر عمره- ت ٧ هـ (الأعلام ٨/- ٣٠٠).
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٣٦ - ٣٧ (٢ - نزول القرآن)
[ ١٧ ]
الفقهاء فينسبهم إلى الجهل، ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله ﷿ فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن» قال ابن فارس: «وليس كل من خالف قائلا فى مقالته ينسبه إلى الجهل، فقد اختلف الصدر الأول فى تأويل آى من القرآن».
قال: «فالقول إذن ما قاله أبو عبيد، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره» «١».
_________________
(١) البرهان ١/ ٢٩٠
[ ١٨ ]
اتضح لنا فيما ذكرنا من قبل اختلاف اللهجات العربية، وأنها قد تسمى باللّغات، وما كان بين كل لهجة وأخرى من فوارق، منها ما اشتهر وفشا استعماله، ومنها ما لم يكن كذلك، وتبيّن أنه كان للعرب لهجات شتّى، تنبع من طبيعة فطرتهم، فى جرسها وأصواتها وحروفها، تعرضت لها كتب الأدب واللّغة بالبيان والمقارنة، فكل قبيلة لها من اللّحن فى كثير من الكلمات ما ليس للآخرين، ولكن قريشا من بين العرب قد تهيأت لها عوامل جعلت للغتها الصدارة بين فروع العربية الأخرى، من جوار البيت، وسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، والإشراف على التجارة، فأنزلها العرب جميعا لهذه الخصائص وغيرها منزلة الأم للغاتهم، فكان طبيعيا أن يتنزل القرآن بلغة قريش على الرسول ﷺ القرشى تأليفا للعرب، وتحقيقا لإعجاز القرآن حين يسقط فى أيديهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه.
وإذا كان العرب تتفاوت لهجاتهم فى المعنى الواحد بوجه من وجوه التفاوت، فالقرآن الذى أوحى الله به لرسوله محمد ﷺ يكمل له معنى الإعجاز إذا كان مستجمعا بحروفه وأوجه قراءته للخالص منها، وذلك مما ييسر عليهم القراءة والحفظ والفهم.
درجة حديث نزول القرآن على سبعة أحرف:
صحّ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف من عدة طرق فى الصحاح وفى كتب السنّة.
فرواه جمع كثير من الصحابة منهم: أبىّ بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس،
[ ١٩ ]
وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمر بن أبى سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبو بكرة «١»، وأبو جهم «٢»، وأبو سعيد الخدرى «٣»، وأبو طلحة الأنصارى «٤»، وأبو هريرة، وأبو أيوب «٥»، قال السيوطى فى الإتقان بعد أن عدّهم: فهؤلاء واحد وعشرون صحابيا» «٦».
وأخرج أبو يعلى فى مسنده الكبير «٧»،
أن عثمان ﵁ قال يوما وهو على المنبر: «أذكّر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف»
لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا أن رسول الله ﷺ
قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف»
فقال عثمان ﵁: «وأنا أشهد معهم» «٨».
_________________
(١) اسمه: نفيع بن الحارث الثقفى- تقريب التهذيب لابن حجر، ط. المكتبة العلمية بالمدينة ٢/ ٤٠١
(٢) هو أبو جهم بن حذيفة القرشى العدوى، اسمه عامر على الراجح، الإصابة لابن حجر، ط. مصطفى محمد ٤/ ٣٥
(٣) اسمه: سعد بن مالك، التقريب ٢/ ٤٢٨
(٤) اسمه: زيد بن سهل، الإصابة ٤/ ١١٤
(٥) اسمه خالد بن زيد الأنصارى، التقريب ٢/ ٣٩٣
(٦) الإتقان ١/ ٤٥ مكتبة ومطبعة الحلبى بمصر، والسيوطى: هو عبد الرحمن بن أبى بكر ابن محمد السيوطى جلال الدين، إمام حافظ مؤرخ، أديب، له نحو ٦٠٠ مصنّف- ت ٩١١ هـ (الأعلام، خير الدين الزركلى، الطبعة الثانية ٤/ ٧١).
(٧) أحمد بن على بن المثنى التميمى الموصلى- أبو يعلى، حافظ، من علماء الحديث، ثقة مشهور، نعته الذهبى بمحدث الموصل، له فى الحديث مسندان: كبير وصغير- ت ٣٠٧ هـ (الأعلام ١/ ١٦٤).
(٨) النشر فى القراءات العشر لابن الجزرى- تصحيح على محمد الصباغ ١/ ٢١، ط. مصطفى محمد. والإتقان ١/ ٤٥
[ ٢٠ ]
وهذه الرواية تدل على شهادة الجمع الكثير الذى لا يحصى بهذا الحديث، وأن هذا الجمع لم يكن من الصحابة وحدهم، بل كان من الصحابة والتابعين، إذ يترجح فى عهد عثمان أن يكون الحاضرون من الصحابة والتابعين معا، وهذا يعنى أن رواية العدد الكثير الذى يؤمن تواطؤه على الكذب
لحديث «نزول القرآن على سبعة أحرف»
ليست قاصرة على طبقة الصحابة.
لذا نقل السيوطى عن أبى عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) القول بتواتر هذا الحديث «١»، وعده السيوطى نفسه فى «التدريب» من الأحاديث المتواترة «٢».
ولا خلاف فى صحة الحديث، فقد رواه البخارى ومسلم وابن حبان والحاكم من طرق كثيرة، وأخرجه أبو داود والنسائى والترمذي وأحمد وابن جرير الطبرى والطبرانى بألفاظ متعددة.
والحديث بهذا على مذهب ابن الصلاح (عثمان بن عبد الرحمن- ت ٦٤٣ هـ) يفيد العلم اليقينى النظرى، فقد عدّ أقسام الحديث الصحيح قائلا: «فأولها:
صحيح أخرجه البخارى ومسلم جميعا، الثانى: صحيح انفرد به البخارى، أى عن مسلم، الثالث: صحيح انفرد به مسلم، أى عن البخارى، الرابع:
صحيح على شرطهما لم يخرجاه، الخامس: صحيح على شرط البخارى لم يخرجه، السادس: صحيح على شرط مسلم لم يخرجه، السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما، هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذى يقول فيه أهل الحديث كثيرا: «صحيح متفق عليه» يطلقون ذلك ويعنون به
_________________
(١) الإتقان ١/ ٤٥
(٢) تدريب الراوى فى شرح تقريب النواوى للسيوطى- تحقيق محمود عبد اللطيف ط. المكتبة العلمية بالمدينة المنورة ص ٣٧٤
[ ٢١ ]
اتفاق البخارى ومسلم «١». لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه، لاتفاق الأمة على تلقى ما اتفقا عليه بالقبول.
وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقينى النظرى واقع به، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد فى أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.
وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا، ثم بان لى أن المذهب الذى اخترناه أولا هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة فى إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجّة مقطوعا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك «٢».
فالحديث المتفق على صحته يفيد العلم اليقينى النظرى عند ابن الصلاح، وحديث «نزول القرآن على سبعة أحرف» متفق على صحته، فهو يفيد العلم اليقينى النظرى، وإن لم نقل: إن الحديث متواتر، فكلاهما يفيد العلم اليقينى، والفرق بينهما فى إفادة العلم، أن المتواتر يفيد العلم اليقينى الضرورى الذى يضطر الإنسان إليه دون حاجة إلى استدلال، أما المتفق على صحته فإنه يفيد العلم اليقينى النظرى الذى يحصل بالاستدلال، فالعلم الضرورى يحصل لكل سامع وإن كان عاميا، أما النظرى فإنه لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر «٣».
وبهذا كان حديث «نزول القرآن على سبعة أحرف» مفيدا للعلم اليقينى النظرى
_________________
(١) اصطلاح ابن تيمية الجد- عبد السلام بن عبد الله، مجد الدين (ت ٦٥٢ هـ) فى كتابه «منتقى الأخبار» أن المتفق عليه: هو ما رواه البخاري ومسلم وأحمد.
(٢) علوم الحديث لأبى عمرو بن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن بن موسى (ت ٦٤٣ هـ) تحقيق نور الدين عتر- المكتبة العلمية ص ٢٣ - ٢٤
(٣) انظر «على القارى على شرح نخبة الفكر فى مصطلحات أهل الأثر لابن حجر» طبعة الباب العالى العثمانية ص ٢٦ - ٢٨
[ ٢٢ ]
وإن كان حديث آحاد، والأصل فى الآحاد بأقسامه باعتبار طرقه: المشهور، والعزيز، والغريب «١»، أنه يفيد الظن.
وذكر الحافظ ابن حجر العسقلانى- أحمد بن على بن محمد (ت ٨٥٢ هـ) أن الآحاد يفيد العلم النظرى إذا احتفت به قرائن، والمحتف بالقرائن أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان فى صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر- كما ذكر ابن الصلاح- فإنه احتف به قرائن: منها جلالتهما فى هذا الشأن، وتقدمهما فى تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقى العلماء لكتابيهما بالقبول- وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم ومنها: المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل ومنها: الحديث المسلسل بالأئمة الحفّاظ المتقنين حيث لا يكون غريبا «٢».