ذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة: سبع لغات من لغات العرب فى المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب فى التعبير عن معنى من المعانى يأتى القرآن منزّلا بألفاظ على قدر هذه اللّغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتى بلفظ واحد أو أكثر، فهى أوجه سبعة من المعانى المتفقه بألفاظ مختلفة، بما يعرف بالاشتراك المعنوى، أو الترادف اللّفظى نحو: أقبل، وهلم، وتعال، وأسرع، وعجّل.
_________________
(١) محمد بن سعدان الضرير الكوفى النحوى المقرئ أبو جعفر، أخذ القراءات عن أهل مكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة- ت ٢٣١ هـ (انظر بغية الوعاة فى طبقات اللّغويين والنحاة للسيوطى ص ٤٥ ط. دار المعرفة- بيروت).
(٢) الحج: ١١
(٣) المرشد الوجيز ص ٩٣
[ ٣٥ ]
وإلى هذا ذهب سفيان بن عيينة «١»، وعبد الله بن وهب «٢»، وابن جرير الطبرى «٣»، والطحاوى «٤»، وغيرهم فالأحرف السبعة أوجه من اللّغات فى المعنى الواحد، بألفاظ مختلفة.
ونسب ابن عبد البر «٥» هذا الرأى لأكثر العلماء.
قال أبو عمر: وأنكر أكثر أهل العلم أن يكون معنى
حديث النبى ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
سبع لغات، وقالوا: هذا لا معنى له، لأنه
_________________
(١) هو سفيان بن عيينة بن أبى عمران ميمون الهلالى الكوفى، محدث الحرم المكى، كان حافظا ثقة واسع العلم، قال الشافعى: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وقال أحمد: ما رأيت أحدا من الفقهاء أعلم بالقرآن والسنن منه- ت ١٩٨ هـ (تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ١١٧، ط. دار صادر).
(٢) هو عبد الله بن وهب بن مسلم الفهرى بالولاء المصرى أبو محمد، فقيه من الأئمة، من أصحاب مالك، كان حافظ ثقة مجتهدا عابدا- ت ١٩٧ هـ (تهذيب التهذيب ٦/ ٧١).
(٣) محمد بن جرير بن يزيد الطبرى أبو جعفر، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، صنّف فى التاريخ والتفسير والحديث والفقه والقراءات- ت ٣١٠ هـ (طبقات المفسرين للداودى ٢/ ١٠٦، مكتبة وهبة).
(٤) أحمد بن محمد بن سلامة المصرى الطحاوى الحنفى، محدث الديار المصرية وفقيهها، من مصنفاته: اختلاف العلماء، وأحكام القرآن، ومعانى الآثار، وبيان السنّة والجماعة فى العقائد- ت ٣٢١ هـ (سير أعلام النبلاء للذهبى ١٥/ ٢٧، ط. مؤسسة الرسالة، وهدية العارفين للبغدادى ١/ ١٨، ط. استانبول).
(٥) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى أبو عمر القرطبى المالكى، الحافظ الفقيه العالم بالقراءات والحديث والأنساب والأخبار، من مؤلفاته: الاستيعاب فى تراجم الصحابة، وجامع بيان العلم وفضله، والمدخل فى القراءات، والتمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد- ت ٤٦٣ هـ (وفيات الأعيان لابن خلكان- بتحقيق د. إحسان عباس ٧/ ٦٦، ط. دار الثقافة).
[ ٣٦ ]
لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض فى أول الأمر، لأنه من كانت لغته شيئا قد جبل وطبع عليه وفطر به لم ينكر عليه، وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشى مكى، وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، كما محال أن يقرئ رسول الله ﷺ واحدا منهما بغير ما يعرفه من لغته، والأحاديث الصحاح المرفوعة كلها تدل على نحو ما يدل عليه حديث عمر هذا، وقالوا: إنما معنى السبعة الأحرف سبعة أوجه من المعانى المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وهلمّ، وعلى هذا أكثر أهل العلم» «١» ثم ذكر الأحاديث في ذلك.