ذكر بعضهم أن المراد بالأحرف السبعة أنواع سبعة، والقائلون بهذا اختلفوا فى تعيين السبعة:
فقيل: أمر، ونهى، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
وقيل: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وجدل، وقصص، ومثل.
_________________
(١) قال الزمخشري: «وقرئ»: «أف» بالحركات الثلاث منونا وغير منون» (الكشاف ٢/ ٥١٣ مطبعة الاستقامة بالقاهرة، وذكر أبو حيان (محمد بن يوسف- ت ٧٥٤ هـ) سبع قراءات، اتفق فى ست منها مع الزمخشرى (محمود بن عمر- ت ٥٢٨ هـ) «أف» و«أف» و«أفا» و«أف» و«أف» و«أف» و«أف» (البحر المحيط ٦/ ٢٧، مكتبة النصر الحديثة).
(٢) قرئ: «جبريل» و«جبريل» و«جبرائيل» و«جبرئيل» و«جبراييل» بياءين (المحتسب ١/ ٩٧) و«جبرال» و«جبرين» و«جبرين» (البحر المحيط ١/ ٣١٧).
(٣) قرئ: «يرتفع ويلعب» و«يريع ويلعب» و«يريع ويلعب» (المحتسب ١/ ٣٣٣) و«نرتع ونلعب» بالنون، و«نرتع ونلعب» و«نريع ونلعب» (البحر المحيط ٥/ ٢٨٥).
(٤) المائدة: ٦٠
(٥) يوسف: ١٢
[ ٥٣ ]
قال أبو شامة «١»: ذهب قوم فى
قول النبى ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
إلى أنها سبعة أنحاء وأصناف، فمنها زاجر، ومنها آمر، ومنها حلال، ومنها حرام، ومنها محكم، ومنها متشابه، واحتجوا
بحديث يرويه سلمة بن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه «٢»، عن ابن مسعود «٣»، عن النبى ﷺ: «كان الكتاب الأولا أنزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به، كلّ من عند ربنا» «٤».
وروى ابن جرير عن أبى قلابة «٥» قال: «بلغنى أن النبى ﷺ قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل» «٦».
وقال القاضى أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسى: وقال فريق
_________________
(١) المرشد الوجيز ص ١٠٧
(٢) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: اسمه كنيته، تابعى- توفى سنة ١٠٤ هـ (تهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥) وابنه سلمة ترجمته فى لسان الميزان ٣/ ٦٨
(٣) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلى، من كبار الصحابة، ومن السابقين إلى الإسلام، وإمام فى العلم وتحقيق القرآن وترتيله مع حسن الصوت- ت ٣٢ هـ (غاية النهاية ١/ ٤٥٨، والإصابة ٢/ ٣٦٨).
(٤) ذكره ابن جرير الطبرى فى تفسيره ١/ ٦٨، وابن عبد البر فى كتابه التمهيد ٤/ ٦٢، وانظر المرشد الوجيز ص ١٠٧
(٥) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمى، أبو قلابة البصرى، تابعى، ثقة، كثير الحديث- توفى سنة ١٠٤ هـ (تهذيب التهذيب ٥/ ٢٢٤).
(٦) تفسير الطبرى ١/ ٦٩
[ ٥٤ ]
من العلماء: إن المراد بالسبعة الأحرف معانى كتاب الله تعالى: وهى: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال» «١» وقريب من هذا ما
ذكره القاضى أبو بكر بن الطيب «٢» أن أبيّا ﵁ روى عن النبى ﷺ أنه قال: «يا أبىّ، إنى أقرئت القرآن على حرف أو حرفين، ثم زادني الملك، حتى بلغ سبعة أحرف، ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت: غفور رحيم، سميع عليم، أو عليم حكيم، وكذلك ما لم تختم عذابا برحمة، أو رحمة بعذاب» «٣».
وهذا اختصار
لحديث رواه أبو داود «٤» عن أبىّ بن كعب «٥» قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبىّ؛ إنى أقرئت القرآن، فقال لى: على حرف؟ فقال الملك الذى معى: قل على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لى: على حرفين، فقال الملك الذى معى: قل على ثلاث، فقلت: على ثلاث، حتى بلغت سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب» «٦».
وروى البيهقى فى السنن الكبرى نحوه «٧».
_________________
(١) المحرر الوجيز ١/ ٢١، ٢٢
(٢) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر الباقلانى، من كبار علماء الكلام، وانتهت اليه الرئاسة فى مذهب الأشاعرة، من كتبه: «التمهيد» و«اعجاز القرآن» و«كشف أسرار الباطنية» - ت ٤٠٣ هـ (وفيات الأعيان ٤/ ٢٦٩).
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٢٣
(٤) أبو داود السجستانى الحافظ- سليمان بن الأشعث، صاحب السنن وإمام أهل الحديث فى عصره- ت ٢٧٥ هـ (تهذيب التهذيب ٤/ ١٦٩).
(٥) أبىّ بن كعب بن قيس بن عبيد، الصحابى الأنصارى، من كتّاب الوحى، وقرأ القرآن- توفي سنة ٣٠ هـ (غاية النهاية ١/ ٣١، والإصابة ١/ ١٩، وتهذيب التهذيب ١/ ٨٧).
(٦) سنن أبى داود ٢/ ١٧، ط. دار الجيل- بيروت.
(٧) انظر: المرشد الوجيز ص ٨٧
[ ٥٥ ]
وعلّق القاضى أبو بكر الباقلانى على ذلك فقال: «وهذه أيضا سبعة غير السبعة التى هى وجوه وطرائق، وغير السبعة التى هى قراءات ووسع فيها، وإنما هى سبعة أوجه من أسماء الله تعالى» «١» وفسّر البيهقى هذا فقال: «أما الأخبار التى وردت فى إجازة قراءة «غفور رحيم» بدل «عليم حكيم» فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحى، فإذا قرأ ذلك فى غير موضعه فكأنه قرأ آية من سورة، وآية من سورة أخرى، فلا يأثم بقراءتها كذلك، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، ولا آية رحمة بآية عذاب» «٢».
ولا ينبغى أن يحمل ما جاء فى هذه الرواية على أنه يجوز للناس أن يبدّلوا اسما لله فى موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه، فإن الوقوف عند اللّفظ القرآنى المتواتر واجب، وغاية ما فى الحديث أن أسماء الله تعالى وردت على أوجه فى مواضع متعددة بالقرآن الكريم.
ولذا اعتبر ابن عبد البر آخر الحديث مفسّرا لأوله فقال: «إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها، أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون فى شىء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده، كالرحمة التى هى خلاف العذاب وضده» «٣».
ومن ذلك القبيل ما ذهب إليه بعضهم من أن المراد: علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء:
_________________
(١) انظر المحرر الوجيز ١/ ٢٣
(٢) انظر: المرشد الوجيز ص ٨٩
(٣) البرهان فى علوم القرآن للزركشى، بدر الدين محمد بن عبد الله (ت ٧٩٤ هـ) ١/ ١٢١
[ ٥٦ ]
علم الإثبات والإيجاد، كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١».
وعلم التوحيد، كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٢»، وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ «٣» وعلم التنزيه كقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ «٤»، وقوله:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٥».
وعلم صفات الذات كقوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ «٦»، وقوله: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ «٧».
وعلم صفات الفعل كقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ «٨»، وقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ «٩» وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ «١٠»، وقوله: لا تأكلوا الربا «١١».
وعلم العفو والعذاب، كقوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ «١٢» وقوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ «١٣».
وعلم الحشر والحساب، كقوله: إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ «١٤» وقوله:
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا «١٥».
_________________
(١) البقرة: ١٦٤، آل عمران: ١٩٠
(٢) الاخلاص: ١
(٣) البقرة: ١٦٣
(٤) النحل: ١٧
(٥) الشورى: ١١
(٦) المنافقون: ٨
(٧) الجمعة: ١
(٨) النساء: ٣٦
(٩) النساء: ١
(١٠) البقرة: ٤٣
(١١) آل عمران: ١٣٠
(١٢) آل عمران: ١٣٥
(١٣) الحجر: ٤٩ - ٥٠
(١٤) غافر: ٥٩
(١٥) الاسراء: ١٤.
[ ٥٧ ]
وعلم النّبوات كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ «١»، وقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «٢».
وعلم الإمامات كقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣»، وقوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ «٤» وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ «٥»، «٦».
ويبدو من هذه النماذج أن المقصود ضرب المثل بما يمكن أن تحمل عليه الأحرف السبعة، على أن المراد بها المعانى والوجوه والأنواع، وليس المراد الحصر، فهى سبعة أنواع.
وحرص علماء كل فن على أن يجعلوا هذا متصلا بفنهم.
فيقول الفقهاء: المراد المطلق والمقيد، والعام والخاص، والنص، والمؤول، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والمحكم والمتشابه، والاستثناء وأقسامه.
ويقول أهل اللّغة: المراد الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والقلب والاستعارة، والتكرار والكناية، والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب.
ويقول النحاة: إنها التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والتفريق، والتصغير والتعظيم، وإختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى، وما لا يختلف فى الأداء واللفظ جميعا.
_________________
(١) النساء: ١٦٥
(٢) إبراهيم: ٤
(٣) النساء: ٥٩
(٤) النساء: ١١٥
(٥) آل عمران: ١١٠
(٦) البرهان في علوم القرآن ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥
[ ٥٨ ]
ويقول القرّاء: إنها من طريق التلاوة وكيفية النطق بها، من إظهار وإدغام، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومد وقصر، وتخفيف وتليين، وتشديد.
ويقول الصوفية: إنها الزهد والقناعة مع اليقين، والحزم والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف، والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا، والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة، والشوق مع المشاهدة «١».
وهذه الأقوال يحرص فيها أصحاب كل علم على أن يرفعوا من مكانة علمهم، واصطلاحات فنهم، فيحملون الأحرف السبعة على وجوه العلم لديهم، وهى أقوال لا سند لها من الأثر، ولا وجه لها من النظر، والدافع لها عصبية أهل الفن لفنهم، واعتزازهم به، وتقوية أواصره بالقرآن الكريم اعتزازا بعلمهم.