وقال قوم: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه فى جملته لا يخرج فى كلماته عن سبع لغات هى أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل، أو ثقيف، أو هوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل فى مجموعه على اللّغات السبع.
وهذا الرأى يختلف عن سابقه، لأنه يعنى أن الأحرف السبعة إنما هى أحرف سبعة متفرقة فى سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة فى كلمة واحدة مع اتفاق المعانى.
_________________
(١) المرشد الوجيز- ص ١٠٢، ١٠٣ - وقد نقل هذا أبو شامة من كتاب ابن عبد البر «التمهيد».
[ ٣٧ ]
وإلى هذا ذهب أبو عبيد «١» وثعلب «٢» والزهرى «٣» وآخرون، واختاره ابن عطية «٤» وصحّحه البيهقى فى الشعب.
قال أبو عبيد فى كتاب «غريب الحديث»: «قوله: سبعة أحرف يعنى سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللّغات السبع متفرقة فى القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه نزل بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة أهل اليمن وكذلك سائر اللّغات، ومعانيها فى هذا كله واحدة» «٥».
وقال فى كتاب «فضائل القرآن»: «وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شىء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة فى جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثانى بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما، كذلك إلى سبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بيّن فى أحاديث تترى».
_________________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلام الهروى الخراساني البغدادى، من كبار العلماء بالقراءات والحديث والفقه والعربية والأخبار (ت ٢٢٤ هـ) من مصنفاته: الأموال، وغريب الحديث، وفضائل القرآن (وفيات الأعيان، لابن خلكان- تحقيق إحسان عباس ٤/ ٦٠ - دار الثقافة- بيروت).
(٢) أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، أبو العباس النحوى الشيبانى بالولاء المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللّغة (ت ٢٩١ هـ)، من تصانيفه: مجالس ثعلب، ومعانى القرآن، وإعراب القرآن (انباه الرواة على انباه النحاة للقفطى- تحقيق محمد أبو الفضل، ط. دار الفكر ومؤسسة الثقافة).
(٣) محمد بن مسلم الزهرى من بنى زهرة من قريش أول من دون الحديث، تابعى من أهل المدينة- ت ١٢٤ هـ (تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥).
(٤) عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسى، من أهل غرناطة، مفسّر فقيه، من كتبه: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز- ت ٥٤٢ هـ، (بغية الوعاة للسيوطى ص ٢٩٥).
(٥) المرشد الوجيز ص ٩١ - والإتقان ١/ ٤٧
[ ٣٨ ]
وقال ابن عطية: معنى
قول النبى ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»:
أى فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز فى اللّفظ، ألا ترى أن «فطر» معناه عند غير قريش ابتدأ. فجاءت فى القرآن فلم تتجه لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان فى بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: ففهمت حينئذ موضع قوله تعالى: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «١»، وقال أيضا: ما كنت أدرى معنى قوله تعالى:
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «٢» حتى سمعت بنت ذى يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أى أحاكمك، وكذلك قال عمر بن الخطاب، وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ «٣»: أى على تنقص لهم، وكذلك
اتفق لقطبة بن مالك، إذ سمع النبى ﷺ يقرأ فى الصلاة: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ «٤» ذكره مسلم فى باب القراءة فى صلاة الفجر
، إلى غير ذلك من الأمثلة» «٥».
ووردت روايات محتملة للرأيين السابقين: الأول والثانى لما فيها من إجمال.
فعن علىّ بن أبى طالب «٦»
، وابن عباس «٧»، ﵄ قالا: نزل القرآن بلغة كل حى من أحياء العرب.
_________________
(١) فاطر: ١
(٢) الأعراف: ٨٩
(٣) النحل: ٤٧
(٤) سورة ق: ١٠
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٤ - ٤٥، والفقرة الأخيرة تشير الى ما رواه مسلم عن قطبة ابن مالك قال: صليت وصلّى بنا رسول الله ﷺ فقرأ: ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، حتى قرأ: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ ، قال: فجعلت أرددها ولا أدرى ما قال، والباسقات: الطوال، والباسق: الذاهب طولا من جهة الارتفاع، ولم يكن هذا فى لغة قبيلة قطبة بن مالك.
(٦) على بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشى الهاشمى ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى فى حجر رسول الله ﷺ، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، وهو أحد رجال الشورى الذين نص عليهم عمر، ورابع الخلفاء الراشدين، قتل غيلة فى رمضان سنة أربعين من الهجرة (الإصابة ٢/ ٥٠١).
(٧) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ، ولد قبل الهجرة بثلاث، وقيل بخمس، استجاب الله دعوة رسوله فيه: «اللهم فقهه فى الدين وعلّمه التأويل» ، مات بالطائف سنة ثمان وستين (الإصابة ٢/ ٣٢٢).
[ ٣٩ ]
وفى رواية عن ابن عباس أن النبى ﷺ كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل فقال: «يا محمد، أقرئ كل قوم بلغتهم» «١».
فهذا يفيد نزول القرآن باللّغات المعروفة عند العرب، ولا يتبين من ذلك ما إذا كان المراد نزول القرآن بهذه اللّغات فى المعنى الواحد حيث يكون هناك اختلاف فى اللّفظ- وهو الرأى الأول- أو كان المراد نزول القرآن فى مجموعه بهذه اللّغات، فلا تخرج كلماته عنها- وهو الرأى الثانى.
وقد علّق ابن حجر «٢» فى «الفتح» على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تعليقا مجملا فقال: «وهذه الأحاديث تقوّى أن المراد بالأحرف اللّغات، أو القراءات، أى أنزل القرآن على سبع لغات أو قراءات، والأحرف جمع حرف، مثل: فلس وأفلس، فعلى الأول يكون المعنى على سبعة أوجه من اللّغات، لأن أحد معانى الحرف فى اللّغة الوجه، كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٣». وعلى الثانى يكون المراد من إطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضها «٤».
ولعل الحافظ ابن حجر فى هذا يشير إلى الرأيين السابقين، ويعبّر عن الرأى الأول بقوله: «سبعة أوجه من اللّغات» كأنه يعنى اتفاقها فى المعنى وإن اختلفت الألفاظ، ويعبّر عن الرأى الثانى بالقراءات، باعتبارها كلمات متفرقة
_________________
(١) المرشد الوجيز ص ٩٦ - ٩٧
(٢) أحمد بن على بن محمد الكنانى العسقلانى أبو الفضل شهاب الدين بن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ووفاته بالقاهرة، له تصانيف كثيرة فى التراجم وعلوم الحديث وشرحه، ولا سيما فتح البارى فى شرح صحيح البخارى- ت ٨٥٢ هـ (الأعلام ١/ ١٧٣).
(٣) الحج: ١١.
(٤) فتح البارى بشرح صحيح البخارى ٩/ ٢٤، المطبعة السلفية ومكتبتها.
[ ٤٠ ]
من لغات سبع، فيكون إطلاق الحرف على كل كلمة منها على سبيل المجاز، من إطلاق الجزء وإرادة الكل.