والراجح من هذه الآراء جميعها هو الرأى الأول، أى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب فى المعنى الواحد نحو: أقبل، وتعال، وهلمّ، وعجّل، وأسرع، فهى ألفاظ مختلفة لمعنى واحد.
وهذا الرأى هو الذى ذهب إليه سفيان بن عيينة، وابن جرير، وابن وهب، وغيرهم، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء كما سبق.
_________________
(١) الكشاف ٢/ ٥٥٧.
(٢) بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشى عالم بفقه الشافعية والأصول، تركى الأصل، مصرى المولد- ت ٧٩٤ هـ (مقدمة البرهان ١/ ٥، والأعلام ٦/ ٢٨٦).
(٣) البرهان ١/ ٢١٤.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٢٤.
[ ٧٢ ]
ويدل عليه ما جاء
فى حديث أبى بكرة: «أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلمّ، وتعال، وأقبل، وأسرع، وعجّل» «١».
قال الطبرى: «فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة، إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: «هلمّ، وتعال» باتفاق المعانى، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام، وبمثل الذى قلنا فى ذلك صحّت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف» «٢». أى أن ابن جرير يرجّح هذا القول.
وقال ابن عبد البر فى تعليقه على هذه الرواية: «إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها، وأنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون فى شىء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده، كالرحمة التى هى خلاف العذاب» «٣».
وعلى هذا فهو من قبيل الترادف، حيث يختلف اللّفظ ويتفق المعنى.
وبهذا يفسّر ما نقله أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتاب «غريب الحديث» من قول ابن مسعود ﵁: «إنى سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم: «هلمّ، وتعال»، وكذلك قال ابن سيرين «٤»: إنما هو كقولك: هلمّ وتعال وأقبل» ثم فسّره ابن سيرين فقال:
_________________
(١) أخرجه أحمد والطبرانى بإسناد جيد، وهذا اللّفظ لأحمد، وأخرجه الطبرى عن أبى كريب بإسناده فى مقدمة التفسير، انظر: ج ١، ص ٤٣، ٥٠.
(٢) المرجع السابق ١/ ٥٠.
(٣) الإتقان ١/ ٤٧.
(٤) محمد بن سيرين البصرى إمام وقته فى علوم الدين بالبصرة، تابعى ثقة، له كتاب «تعبير الرؤيا» - ت ١١٠ هـ (تهذيب التهذيب ٩/ ٢١٤).
[ ٧٣ ]
«فى قراءة ابن مسعود: «إن كانت إلّا زقية واحدة»، وفى قراءتنا:
صَيْحَةً واحِدَةً «١» فالمعنى فيهما واحد، وعلى هذا سائر اللّغات «٢».
ويؤيد هذا الرأى أحاديث كثيرة منها:
١ - قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ﵁، فغيّر عليه، فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغيّر علىّ، قال: فاختصما عند النبى ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: «بلى»، قال: فوقع فى صدر عمر شىء، فعرف النبى ﷺ ذلك فى وجهه، قال: فضرب صدره وقال: «أبعد شيطانا» - قالها ثلاثا- ثم قال: «يا عمر، إن القرآن كله صواب، ما لم تجعل رحمة عذابا، أو عذابا رحمة» «٣».
ووجه الدلالة: أن هذا الاختصام فى القراءة، وما يتبعه من الرجوع إلى رسول الله ﷺ، وبقاء شىء فى صدر عمر بعد تصويب رسول الله ﷺ لا يكون إلا عن اختلاف اللّفظ فى القراءة.
٢ - وعن بسر بن سعيد «٤»: «أن أبا جهيم الأنصارى «٥»، أخبره أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ، فسألا رسول الله ﷺ عنها، فقال رسول الله
_________________
(١) يس: ٢٩.
(٢) انظر: المرشد الوجيز ص ٩١، وغريب الحديث ٣/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٣) نقله الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/ ١٥٠ - ١٥١ وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وأخرجه الطبرى. انظر ١/ ٢٦ فى مقدمة تفسيره.
(٤) بسر بن سعيد المدنى العابد، تابعى ثقة، ذكره ابن حيان فى الثقات- ت ١٠٠ هـ (تهذيب التهذيب ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨)، ويذكر فى بعض الكتب: بشر بن سعيد- بالشين المعجمة.
(٥) أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، قيل: اسمه عبد الله، وقيل غير ذلك، صحابى روى عن النبى ﷺ (تهذيب التهذيب ١٢/ ٦١، والإصابة ٤/ ٣٦).
[ ٧٤ ]
ﷺ: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا فى القرآن، فان المراء فيه كفر» «١».
ووجه الدلالة فى هذا الحديث كوجه الدلالة فى الحديث السابق، ويزيد عنه أن المراة الذى يصل إلى الكفر لا يكون فى الاختلاف فى التصريف، أو فى الإعراب، أو فى الإفراد والتذكير وفروعهما، أو نحو ذلك من وجوه كيفية النطق.
٣ - وعن الأعمش قال: «قرأ أنس «٢» هذه الآية: «إنّ ناشئة اللّيل هى أشدّ وطا وأصوب قيلا» «٣»، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هى وَأَقْوَمُ فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد» «٤».
ووجه الدلالة فى هذا الحديث- وإن كان مرسلا- نصية، حيث جاء النص فى التمثيل بالألفاظ المختلفة الدالة على معنى واحد، وهو ما ندّعيه.
٤ - وجاءت آثار أخرى دالة على ذلك منها:
(أ) جاء عن أبىّ بن كعب أنه كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا «٥»:
_________________
(١) رواه أحمد فى مسنده، ورواه الطبرى فى مقدمة تفسيره، ونقله ابن كثير فى الفضائل، والبخارى فى التاريخ الكبير، والهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/ ١٥١، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وانظر تعليق أحمد شاكر عليه فى مقدمة تفسير ابن جرير ١/ ٤٤.
(٢) أنس بن مالك بن النضر الأنصارى الخزرجى، خادم رسول الله ﷺ، وأحد المكثرين من الرواية عنه- ت ٩١ هـ (الإصابة ١/ ٨٤).
(٣) المزمل: ٦.
(٤) رواه الطبرى، وأبو يعلى، والبزار، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧/ ١٥٦، وقال: رجال أبى يعلى رجال الصحيح، ورجال البزار ثقات، وانظر تعليق أحمد شاكر على ابن جرير فى تفسيره ١/ ٥٢.
(٥) الحديد: ١٣.
[ ٧٥ ]
«مهّلونا، أخّرونا، أرجئونا»، وكان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ «١»: «مرّوا فيه، سعوا فيه» «٢».
وهذا معناه أن أبىّ بن كعب كان يقرأ: لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا، و«للذين آمنوا مهّلونا»، و«للذين آمنوا أخّرونا»، و«للذين آمنوا أرجئونا» وكان يقرأ: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، و«كلما أضاء لهم مرّوا فيه» و«كلما أضاء لهم سعوا فيه» وهذا كله اختلاف فى اللفظ مع اتفاق المعنى فهى ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وهو المدّعى.
(ب)
وعن أبى بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «قال جبريل:
اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل ﵇: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية
عذاب، كقولك: هلمّ وتعال» «٣».
فقد أوضح نص هذا الخبر أن اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ، كقولك: «هلمّ، وتعال» باتفاق المعانى، لا باختلاف معان موجبة اختلاف أحكام.
(ج) وقال عبد الله بن مسعود: «إنى قد سمعت الى القراء، فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علمتم، وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلمّ، وتعال» «٤».
_________________
(١) البقرة: ٢٠.
(٢) انظر المرشد الوجيز ص ١٠٤، وتفسير القرطبي ١/ ٤٢، وفضائل القرآن لابن كثير ص ٣٧
(٣) أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث- سبقت ترجمته، وأبوه: هو الحارث بن كلدة بن عمرو الثقفى طبيب العرب، صحابى، بعثه رسول الله ﷺ الى ملك بصرى بكتابه- ت ٨ هـ (الإصابة ١/ ٢٨٨)، والحديث رواه أحمد والطبرانى والطبرى وابن كثير فى الفضائل، انظر هامش الطبرى ١/ ٤٣.
(٤) رواه الطبرى ١/ ٥٠.
[ ٧٦ ]