وقد اهتم العلماء بهذا الموضوع وعنوا به حتى كثرت فيه الأقوال، وتعددت الآراء، واختلفت وجهات النظر، ويرجع ذلك إلى أمور:
_________________
(١) البرهان فى علوم القرآن للزركشى- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١/ ٢١٢، ط. الحلبى.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٤٢، ط. دار التراث العربى- بيروت.
(٣) فتح البارى ٩/ ٢٣ المطبعة السلفية.
(٤) الإتقان فى علوم القرآن ١/ ٤٩، ط. الحلبى، وارجع الى كتاب «المرشد الوجيز» لأبى شامة فسترى أقوالا كثيرة، وإن لم ترد بترتيب عددى. (٣ نزول القرآن).
[ ٣٣ ]
الأول: أنه موضوع وثيق الصلة بالقرآن الكريم، وهو أساس الدين الذى قام عليه أمر الأمة، ومصدر التشريع الذى تصوغ عليه حياتها، وكلام الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والنقل المتواتر هو دعامة قطعية ثبوت القرآن.
الثانى: أن الأحاديث الواردة فى نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف مع كثرتها وتعدد رواياتها جاءت مجملة، لا تكشف عن حقيقة المراد بهذه الأحرف، ولم يأت نص صحيح صريح يبينها، فكان الاجتهاد فى تحديد المراد بها مدعاة للاختلاف.
الثالث: أن تخاصم الصحابة فى هذا الأمر وتحاكمهم إلى رسول الله ﷺ جاء الجواب عنه برد كل واحد إلى ما قرأ وتصويبه، ولم تبين الأحاديث الاختلاف الذى كان بين كل قراءة وأخرى، وهذا يدل على أن الأمر صار معروفا لدى الصحابة ﵃، فلم يحتاجوا إلى بيان، ولو خفى عليهم لسألوا رسول الله ﷺ حتى يبيّن لهم، فينبغى البحث لمعرفة ذلك، وهو الذى حدا العلماء على التعمق فى دراسة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف رغبة فى ادراك المراد بهذه الأحرف.
الرابع: أن الروايات الواردة فى مجموعها يشوبها بعض الغموض والإبهام، فليس فيها ما يبيّن بجلاء نص الآية أو الكلمة التى وقع الاختلاف فى قراءتها، ولا نوع الخلاف فى تلك القراءات، أكان خلافا صوتيا يمكن أن يعزى إلى تباين اللهجات فى النطق وطريقة الأداء مع وحدة اللّفظ، أم كان اختلافا فى اللّفظ مع وحدة المعنى؟
وإذا أنعم الباحث النظر فى تلك الآراء التى وردت فى كتب علوم القرآن، يجد بعضها غير معزو إلى قائله، وبعضها الآخر استنباطا بعيد المأخذ، ومنها آراء كثيرة ذات مضمون واحد أو متقارب وإن تفاوت التعبير عنها، مما جعل
[ ٣٤ ]
ابن سعدان النحوى «١» يرى أن الحديث مشكل، إذ يقول: «معنى
قوله ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
مشكل لا يدرى معناه، لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا، وتسمى القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على الحرف المقطوع من الحروف المعجمة، والحرف أيضا: المعنى والجهة، كقوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «٢»، أى على جهة من الجهات ومعنى من المعانى» «٣».
لذا فإنى سأورد ما كان من تلك الآراء ذا بال، وأشير إلى ما قاربها من رأى.