الاستشراق: مصدر «استشرق» استفعل من الشرق مقابل الغرب، والشرق: هو الجهة التى تشرق منها الشمس، يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وبابه نصر ودخل، وأشرقت: أضاءت، والمشرق ناحية الشروق، والغرب والمغرب: واحد كذلك، يقال: غربت الشمس غروبا، من باب دخل، والشرق والغرب: إذا قيلا بلفظ التثنية فإشارة إلى مطلعى ومغربى الشتاء والصيف، وإذا قيلا بلفظ الجمع فهذا باعتبار مطلع كل يوم ومغربه، أو مطلع كل فصل ومغربه، والتشريق: الأخذ فى ناحية الشرق، يقال: شتّان بين مشرق ومغرب، وشرّقوا: ذهبوا إلى الشرق، أو أتوا الشرق «٢».
وعلى هذا فالاستشراق معناه التحول والانتقال إلى الشرق، ثم أصبح بمعنى طلب علوم أهل الشرق ولغاتهم، ويقال لمن عنى بذلك من الإفرنج «مستشرق»، والجمع «مستشرقون».
وغلب إطلاق المستشرقين على الكتّاب الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام ولغته وحضارته، وعامتهم يلتمس المطاعن ويثير الشبه لتوهين الثقة فى الإسلام وأمته.
والدراسة التى يقوم بها المستشرقون تخضع للمصطلح السياسى الذى يقسّم العالم إلى شرق وغرب، ويقسّم الشرق إلى الشرق الأقصى: وهو البلاد التى تقع فى أقصى شرق آسيا، والشرق الأوسط: وهو المنطقة الجغرافية التى تضم
_________________
(١) انظر: المرشد الوجيز ص ١٤٦ - ١٥٠.
(٢) انظر «مختار الصحاح» مادة «شرق» ولسان العرب، ومفردات الراغب.
(٣) نزول القرآن).
[ ٩٧ ]
اليوم: تركيا، وإيران، والعراق، وسورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن، ومصر، والسودان، وشبه جزيرة العرب، وقبرص، والشرق الأدنى: ويشمل بلاد المغرب العربى.
وترجع هذه التسمية بهذا التقسيم إلى ما تعارفت عليه الدول الاستعمارية التى قسّمت مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية فى تلك البلاد، ويظل الغرب رمزا للسيادة عليها، ولذا فإن الدراسات الشرقية قلّما تتناول اليهودية والنصرانية مع وجودهما فى هذه المناطق، وإنما تعنى الإسلام.
وقد أثار المستشرقون- فيما أثاروه- شبهات حول القراءات ونزول القرآن على سبعة أحرف.
١ - اتهم «جولد زيهر» «١» النص القرآنى بالاضطراب وعدم الثبات لاختلاف وجوه القراءة، وزعم أن هذا لا يوجد فى أى كتاب منزّل سوى القرآن.
يقول «جولد زيهر»: «لا يوجد كتاب تشريعى اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا على أنه نص منزّل أو موحى به يقدم نصه فى أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد فى نص القرآن» «٢».
لقد غاب عن «اجناتس جولد تسيهر» ما عرف عن نصوص الشرائع السابقة، فإن ما وصلنا من هذه النصوص وصلنا بروايات مختلفة متضاربة،
_________________
(١) هو: اجناس كولد صهر، مستشرق مجرى، يلفظ اسمه بالألمانية «اجناتس جولد تسيهر»، تعلّم فى بودابست وبرلين، ورحل الى سورية سنة ١٨٧٣، فتعرّف بالشيخ طاهر الجزائرى (طاهر ابن صالح الجزائرى، ثم الدمشقى- ت ١٣٣٨ هـ) وصحبه مدة، وانتقل إلى فلسطين ثم مصر، له تصانيف باللّغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية فى الإسلام والفقه الإسلامى والأدب العربى، ترجم بعضها إلى العربية، منها: «العقيدة والشريعة فى الإسلام» و«مذاهب التفسير الإسلامى» توفى سنة ١٣٤٠ هـ (الأعلام ١/ ٨٠).
(٢) مذاهب التفسير الإسلامى ص ٤.
[ ٩٨ ]
ولا يجد القارئ نسخة من التوراة متفقة مع نسخة أخرى من كل وجه، كما أن الإنجيل كذلك، اختلفت نصوصه باختلاف رواته من الحواريين، وهذا الاختلاف أو ذاك لا يقتصر على وجوه النطق مع اتفاق المعنى، ولكنه اختلاف فى اللّفظ والمعنى معا، فهو اختلاف تضاد، وذلك هو الجدير بأن يوصف بالاضطراب وعدم الثبات فى النص.
وليس هذا شأن القرآن كما ادعى «جولد زيهر» فإن القراءات المتعمدة فى القرآن الكريم مع ثبوت نسبتها تتفق فى المعنى وإن اختلفت فى اللّفظ، ويظاهر بعضها بعضا، وليس بينها شىء من التضارب، حتى يوصف القرآن بالاضطراب وعدم الثبات أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا «١».
٢ - وادعى «جولد زيهر» أن المسلمين مالوا إلى توحيد النص القرآنى فى كتابة مصحف عثمان ﵁، ولكنهم لم يحرزوا تقدما كبيرا.
يقول «جولد زيهر»:
«وفى جميع الشوط القديم للتاريخ الإسلامى لم يحرز الميل إلى التوحيد العقدى للنص إلا انتصارات طفيفة .. فليس هناك نص موحّد للقرآن، ومن هنا نستطيع أن نلمح فى
صياغته المختلفة أولى مراحل التفسير، والنص المتلقى بالقبول (القراءة المشهورة) الذى هو لذاته غير موحّد فى جزئياته، يرجع إلى الكتابة التى تمت بعناية الخليفة الثالث «عثمان»، دفعا للخطر الماثل من رواية كلام الله فى مختلف الدوائر على صور متغايرة بيد أن هذه الرغبة لم يصادفها التوفيق على طول الخط» «٢».
ولم يثبت أن أحدا من المسلمين مال إلى توحيد نص القرآن حيث لا يوجد اختلاف فى نصه المنزّل، ولو وقع هذا النقل إلينا لتوافر الدواعى على نقله.
_________________
(١) النساء: ٨٢.
(٢) المرجع السابق ص ٥ - ٦.
[ ٩٩ ]
أما جمع عثمان ﵁ للمصحف، فلم يكن رغبة فى توحيد النص- كما توهمه «جولد زيهر»، إنما أراد عثمان أن يجمع المسلمين على مصحف واحد، هو المتفق على إنزاله المقطوع به، وهو ما كتب بأمر النبى ﷺ، أو ثبت عنه أنه قرأ به، وترك ما عدا ذلك مما كانت القراءة به جائزة توسعة على الناس وتسهيلا عليهم، حتى لا تتسع شقة الخلاف بما يفضى إلى المماراة ويؤدى إلى تكفير بعضهم بعضا، وأحرق ما سوى ذلك من المصاحف تحقيقا لهذا الهدف الأسمى، بإجماع من الصحابة، حتى
قال علىّ ﵁ حين حرق عثمان المصاحف: «لو لم يصنعه هو لصنعته».
وعن مصعب بن سعد «١»، قال: «أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد» «٢».
٣ - وعزّز «جولد زيهر» مزاعمه بما كتبه أستاذ له فقال: «وقد عالج هذه الظاهرة علاجا وافيا وبيّن علاقتها بفحص القرآن زعيمنا الكبير «تيودور نولدكه» فى كتابه الأصيل البكر «تاريخ القرآن» الذى نال جائزة أكاديمية النقوش الأثرية بباريس» «٣».
و«تيودور نولدكه» من كبار المستشرقين الألمان، كان يحسن اللّغات الشرقية كلها، كالعربية، والعبرية، والآرامية، والصابئية، والحبشية وغيرها، من مؤلفاته «تاريخ القرآن» و«حياة النبى محمد» توفى سنة ١٣٤٩ هـ «٤»، وإذا استشهد به «جولد زيهر» فإنه يستشهد برجل على شاكلته، فلا يعتد برأيه.
_________________
(١) مصعب بن سعد بن أبى وقاص الزهرى أبو زرارة المدنى، تابعى ثقة- ت ١٠٣ هـ. تهذيب التهذيب ١٠/ ١٦٠).
(٢) انظر كتاب «المصاحف» لابن أبى داود السجستانى ص ١٩.
(٣) مذاهب التفسير الإسلامى ص ٧.
(٤) انظر: الأعلام ٢/ ٧٩.
[ ١٠٠ ]
٤ - ثم عاد «جولد زيهر» وتكلم عن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، وأنه يبدى شبها كبيرا برأى التلمود «١»، فى نزول التوراة بلغات كثيرة فى وقت واحد، وأشار إلى تفسير الحرف بالقراءة، أو أن يكون العدد سبعة لا مفهوم له «٢».
وسبق لنا مناقشة ما أشار إليه «جولد زيهر» من هذين القولين.
٥ - وزعم «جولد زيهر» أن الاختلاف فى القراءات كان تصحيفا، لأن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل، والقراءات سنّة متّبعة، نقلت بالرواية والمشافهة من فىّ رسول الله ﷺ، ولم تكن وليدة خط أو رسم أو عدم شكل لكتاب الله تعالى.
٦ - ولم تخرج شبهات المستشرق الفرنسى «بلادشير» «٣»، فى كتابه «مدخل إلى القرآن» عن شبهات «جولد زيهر» بما يغنى عن الرد عليه «٤».