١ - أخرج البخارى ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ومالك فى الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فى حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته، فإذ هو يقرأ على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره فى الصلاة «٣»،
_________________
(١) الحديث المتواتر: هو ما رواه عدد كثير يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه واستندوا الى أمر محسوس، وحديث الآحاد: هو ما لم يجمع شروط التواتر، والمشهور: هو ما رواه ثلاثة فأكثر فى كل طبقة ما لم يبلغ حد التواتر، والعزيز: هو الذى لا يقل رواته عن اثنين فى جميع طبقات السند- والغريب: هو ما ينفرد بروايته راو واحد فى موضع أو أكثر من السند.
(٢) انظر: نزهة النظر بشرح نخبة الفكر ص ١٤ - ١٥ - المكتبة الفيصلية، مكة المكرمة.
(٣) أساوره: أواثبه وآخذ برأسه، ومعناه: أغالبه.
[ ٢٣ ]
فتربصت حتى سلّم، فلببته بردائه «١»، فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله: إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ: «أرسله، اقرأ يا هشام»، فقرأ عليه القراءة التى كنت سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: «هكذا أنزلت»، ثم قال رسول الله ﷺ:
«اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التى أقرأنى، فقال رسول الله ﷺ: «هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه».
٢ - وأخرج مسلم والترمذي وأبو داود والنسائى عن أبىّ بن كعب ﵁- واللّفظ لمسلم- قال: «إن النبى ﷺ كان عند أضاة بنى غفار «٢»، فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتى لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».
وفى رواية أبى داود: «ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب».
_________________
(١) فلببته بردائه: جمعت الرداء فى موضع لبته- أى فى عنقه- وأمسكته وجذبته به.
(٢) الأضاة: الماء المستنقع من سيل أو غيره، أو الغدير الصغير، وجمعها: أضى مثل: حصاة وحصى.
[ ٢٤ ]
وفى رواية للنسائى أن رسول الله ﷺ قال: «يا أبىّ، أنزل (أى القرآن) على سبعة أحرف، كلها شاف كاف» «١».
وفى رواية عند الترمذي، قال أبىّ بن كعب: «لقى رسول الله ﷺ جبريل، فقال: «يا جبريل، بعثت إلى أمة أميين «٢»، فيهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية، والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط»، فقال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف».
قال البغوى فى شرح السنّة:
وقوله فى حديث: «كلها شاف كاف»
يريد- والله أعلم- أن كل حرف من هذه الأحرف السبعة شاف لصدور المؤمنين، لاتفاقها فى المعنى، وكونها من عند الله وتنزيله ووحية، كما قال الله ﷾: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ «٣»، وهو كاف فى الحجّة على صدق رسول ﷺ لإعجاز نظمه، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله، والله تعالى أعلم» «٤».
٣ - وأخرج البخارى ومسلم عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأنى جبريل على حرف، فراجعته، فزادنى، فلم أزل أستزيده، ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف»
، قال ابن شهاب: «بلغنى أن تلك
_________________
(١) شاف كاف: شاف: من الشفاء، وكاف: من الكفاية.
(٢) أميين: الأميون: جمع أمى، وهو الذى لا يكتب، منسوب إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل: الأمى: الذى على أصل ولادة أمه، لم يتعلم الكتابة، فهو على جبلته التى ولد عليها.
(٣) فصلت: ٤٤
(٤) شرح السنّة للبغوى ٤/ ٥١٢ - ط. المكتب الاسلامى، والبغوى: هو الحسين بن مسعود ابن محمد الفراء (ت ٥١٠ هـ).
[ ٢٥ ]
السبعة الأحرف، إنما هى فى الأمر الذى يكون واحدا، لا يختلف فى حلال ولا حرام» «١».
٤ - وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو، أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هى كذا وكذا، فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأى ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا» «٢».
٥ - وروى الحاكم وابن حبان بسندهما عن ابن مسعود قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من آل حم، فرحت إلى المسجد، فقلت لرجل: اقرأها، فإذ هو يقرؤها حروفا ما أقرؤها، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه، فتغيّر وجهه، وقال: «إنما أهلك من قبلكم الاختلاف»، ثم أسرّ إلى علىّ شيئا، فقال علىّ: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل يقرأ حروفا لا يقرؤها صاحبه».
وروى الطبرى والطبرانى عن زيد بن أرقم قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأنى ابن مسعود سورة أقرأنيها زيد بن ثابت، وأقرأنيها أبىّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءة أيهم آخذ؟ فسكت رسول الله ﷺ، وعلىّ إلى جنبه، فقال علىّ: ليقرأ كل إنسان منكم كما علم، فإنه حسن جميل» «٣».
_________________
(١) قوله فى الحديث: قال ابن شهاب- هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى أبو بكر (ت ١٢٤ هـ) وهذا من رواية مسلم فقط، وانظر: «جامع الأصول فى أحاديث الرسول» لابن الأثير الجزرى- تحقيق عبد القادر الأرناءوط، نشر مكتبة الحلوانى وآخرين (ج ٢ ص ٤٧٧ - ٤٨٤).
(٢) أبو قيس: هو عبد الرحمن بن ثابت (ت ٥٤ هـ) كما فى تقريب التهذيب (٢/ ٤٦٤)، وماراه مماراة ومراء وامترى فيه وتمارى: شك، والمرية: الشك والجدل.
(٣) الطبرى- محمد بن جرير (ت ٣١٠ هـ) والطبرانى- سليمان بن أحمد (ت ٣٦٠ هـ)، وانظر ما أورده ابن حجر فى فتح البارى (ج ٩ ص ٢٣) وما بعدها- المطبعة السلفية ومكتبتها.
[ ٢٦ ]
٦ - وروى ابن أبى شيبة فى «المصنف» وأحمد بن حنبل فى «مسنده» عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه: «أن جبريل قال لرسول الله ﷺ: اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين، ثم قال:
استزده، حتى بلغ سبعة أحرف كلها كاف شاف، كقولك: هلم وتعال، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة» «١».
٧ - وروى البيهقى فى السنن الكبرى «٢»، عن سليمان بن صرد عن أبىّ بن كعب قال: «قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتينا النبى ﷺ فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟
قال: بلى، قال: كلاكما محسن، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال:
فضرب صدرى وقال: يا أبىّ، إنى أقرئت القرآن، فقيل لى: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذى معى: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لى:
أعلى حرفين أم ثلاثة، فقال الملك الذى معى: على ثلاثة، فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، قال: ليس فيها إلا شاف كاف، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب».
قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا حديثا واحدا
يروى عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: «أنزل القرآن على ثلاثة أحرف»
قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة، لأنها المشهورة.
_________________
(١) أبو بكر بن أبى شيبة أحد شيوخ مسلم، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم (ت ٢٣٥ هـ)، وعبد الرحمن بن أبي بكرة تابعى ثقة (ت ٩٦ هـ)، وأبو بكرة هو نفيع بن الحارث بن كلدة أبو بكر الثقفى صحابى- ت ٥٠ هـ (تهذيب التهذيب لابن حجر ج ١٠ ص ٤٦٩ دار صادر، بيروت).
(٢) هو أحمد بن الحسين بن على أبو بكر البيهقى من أئمة الحديث له: «السنن الكبرى»، و«شعب الإيمان» و«الأسماء والصفات» (ت ٤٥٨ هـ).
[ ٢٧ ]
قال أبو شامة «١»: أخرج حديث الثلاثة الحاكم فى مستدركه، فيجوز أن يكون معناه: أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف ك «جذوة» «٢»، و«الرهب» «٣»، و«الصدفين» «٤»، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه فى هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة والله أعلم «٥».
وقد عنى كثير من العلماء بأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف وتناولوها بالدراسة منذ زمن قديم، ومنهم: أبو عبيد القاسم بن سلام الهروى (ت ٢٢٤ هـ) فى كتابه «غريب الحديث»، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) فى كتابه «تأويل مشكل القرآن»، وأبو جعفر محمد بن جرير الطبرى (ت ٣١٠ هـ) فى مقدمة تفسيره، ومكى بن أبى طالب (ت ٤٣٧ هـ) فى كتبه «الإبانة عن معانى القراءة»، وشهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبى شامة المقدسى (ت ٦٦٥ هـ) فى كتابه «المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز».
_________________
(١) شهاب الذين بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبى شامة المقدسى (ت ٦٦٥ هـ).
(٢) فى قوله تعالى: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ (القصص: ٢٩) قرأ حمزة: «أو جذوة من النار» بضم الجيم، وقرأ عاصم بالفتح، وقرأ الباقون من السبعة بالكسر- كتاب التبصرة فى القراءات السبع لمكى بن أبى طالب (ت ٤٣٧ هـ) ص ٤٥٦ ط. الدار السلفية- الهند.
(٣) فى قوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ (القصص: ٣٢) قرأ الحرميان وأبو عمرو (الرهب) بفتح الراء والهاء، وقرأ حفص بفتح الراء واسكان الهاء، وقرأ الباقون من السبعة بضم الراء وإسكان الهاء- المصدر السابق ص ٤٥٦ - ٤٥٧
(٤) فى قوله تعالى: حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ (الكهف: ٩٦) قرأ أبو بكر- راوى عاصم «الصدفين» بإسكان الدال وضم الصاد، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بضم الصاد والدال، وقرأ الباقون بفتحهما جميعا- المصدر السابق ص ٤١٢
(٥) المرشد الوجيز ص ٨٧ - ٨٨
[ ٢٨ ]