ويجاب عن الرأى الثالث الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه:
من الأمر، والنهى، والحلال، والحرام، والمحكم، والمتشابه، والأمثال، وما هو فى معنى ذلك من الوجوه والأنواع والمعانى- بأن عماد هذا الرأى هو الحديث الذى يرويه سلمة بن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن النبى ﷺ، وقد قال فيه أبو عمر بن عبد البر: «هذا حديث عند أهل العلم لم يثبت،
_________________
(١) انظر مقدمة تفسير ابن جرير ١/ ٥٧ - ٦٤، وكتاب المصاحف ص ١١ - ٣٤، وروى «حرق» بالحاء المهملة، و«يحرقه»، كما روى بالخاء المعجمة، وخرق الكتاب أو الثوب: شققه ومزقه. (٦ - نزول القرآن).
[ ٨١ ]
وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به، وهذا الحديث مجتمع على ضعفه من جهة إسناده، وقد ردّه قوم من أهل النظر، منهم أحمد ابن أبى عمران «١»، فيما سمعه الطحاوى منه قال: من قال فى تأويل السبعة الأحرف هذا القول فتأويله فاسد، لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه، أو يكون حلالا لا ما سواه، لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله، أو حرام كله، أو أمثال كله، قال أبو عمر: ويرويه اللّيث «٢» عن عقيل «٣»، عن ابن شهاب عن سلمة بن أبى سلمة عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلا» «٤».
وما روى عن أبى قلابة، قال فيه الشيخ أحمد شاكر: هذا حديث مرسل، فلا تقوم به حجّة «٥».
وسائر ما روى فى هذا الباب لا يخرج عن أن يكون بيانا لأسماء الله تعالى التى وردت فى مواضع متعددة من القرآن، أو تأويلا للحديث بحمله على أنواع من العلوم دون سند أو دليل بتكلف وتمحل.
وظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة أن الكلمة تقرأ على وجهين أو ثلاثة إلى سبعة توسعة للأمة، والشيء الواحد لا يكون حلالا وحراما فى آية واحدة، والتوسعة لم تقع فى تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا فى تغيير شىء من الوجوه والمعانى المذكورة.
_________________
(١) هو أحمد بن أبى عمران، أبو جعفر، الفقيه الحنفى، قاضى الديار المصرية- ت ٢٨٠ هـ (شذرات الذهب ٢/ ١٧٥).
(٢) اللّيث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى، أبو الحارث المصرى، الحافظ، إمام أهل مصر فى عصره حديثا وفقها- ت ١٧٥ هـ (وفيات الأعيان ١/ ٤٥٤، تهذيب التهذيب ٨/ ٤٥٩).
(٣) عقيل بن خالد بن عقيل الأيلى أبو خالد مولى عثمان من حفّاظ الحديث- ت ١٤١ هـ (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٥٥).
(٤) انظر تفسير الطبرى ١/ ٦٨، والمرشد الوجيز ص ١٠٧ - ١٠٨.
(٥) تفسير الطبرى ١/ ٦٩.
[ ٨٢ ]
والذى ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الصحابة الذين اختلفوا فى القراءة احتكموا إلى النبى ﷺ، فاستقرأ كل رجل منهم، ثم صوّب جميعهم فى قراءتهم على اختلافها، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم،
فقال ﷺ للذى ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: «إن الله أمرنى أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف».
ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك، لو كان تماريا واختلافا فيما دلّت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكان مستحيلا أن يصوّب جميعهم، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته فى ذلك على النحو الذى هو عليه، لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحا وجب أن يكون الله جلّ ثناؤه قد أمر بفعل شىء بعينه وزجر عنه- فى تلاوة الذى دلت تلاوته على النهى والزجر عنه- وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله، ولمن شاء منهم أن يتركه تركه، فى تلاوة من دلت تلاوته على التخيير.
وذلك من قائله- إن قاله- إثبات ما قد نفى الله جلّ ثناؤه عن تنزيله ومحكم كتابه فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا «١».
وفى نفى الله جلّ ثناؤه ذلك عن محكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد ﷺ إلا بحكم واحد متفق فى جميع خلقه لا بأحكام فيهم مختلفة «٢».
_________________
(١) النساء: ٨٢.
(٢) انظر تفسير الطبرى ١/ ٤٨ - ٤٩.
[ ٨٣ ]