ويجاب عن الرأى الخامس- الذى يرى أن العدد سبعة لا مفهوم له- بأن الأحاديث تدل بنصها على حقيقة العدد وانحصاره:
«أقرأنى جبريل على حرف، فراجعته، فزادنى، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف» «١».
«يا أبىّ، أرسل إلىّ: أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هوّن على أمتى، فرد إلىّ الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هوّن على أمّتى، فرد إلىّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف» «٢».
فهذا يدل على حقيقة العدد المعيّن المحصور فى سبعة.
ويتضح هذا تفصيلا من رواية الإمام أحمد:
عن أبىّ بن كعب قال: «سمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ، فقلت: انطلق إليه، فأتيت النبى ﷺ، فقلت: استقرئ هذا،
_________________
(١) أخرجه البخارى ومسلم.
(٢) أخرجه مسلم.
[ ٨٨ ]
فقال: «اقرأ»، فقرأ، فقال: «أحسنت»، فقلت له: أو لم تقرئني كذا وكذا، قال: «بلى»، وأنت قد أحسنت، فقلت بيدى: قد أحسنت مرتين! قال: فضرب النبى ﷺ بيده فى صدرى، ثم قال: «اللهم أذهب عن أبىّ الشك»، ففضت عرقا، وامتلأ جوفى فرقا، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبىّ، إنّ ملكين أتيانى، فقال أحدهما: اقرأ على حرف، فقال الآخر: زده، فقلت:
زدنى، قال: اقرأ على حرفين، فقال الآخر: زده، فقلت: زدنى، قال:
اقرأ على ثلاثة، فقال الآخر: زده، فقلت: زدنى، قال: اقرأ على أربعة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدنى، قال: اقرأ على خمسة أحرف، قال الآخر: زده، قلت: زدنى، قال: اقرأ على ستة، قال الآخر: زده، قال:
اقرأ على سبعة أحرف، فالقرآن أنزل على سبعة أحرف» «١».
فهذه الاستزادة المتتابعة العدد تقطع بأن المراد بالأحرف السبعة حقيقة السبعة الواقعة بين الستة والثمانية، ولا تحتمل تأويلا، وكلها نزل بها الوحى حرفا حرفا.
وقد رد ابن المنير «٢» على من قال بواو الثمانية فى مثل قوله تعالى:
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «٣» مؤيدا من أنكر ذلك فقال: «وهو الصواب، لا كمن يقول: إنها واو الثمانية، فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم، ويعدون من هذه الواو قوله فى الجنة: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٤» بخلاف أبواب النار، فإنه قال فيها: فُتِحَتْ أَبْوابُها «٥»، قالوا: لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٥/ ١٢٤.
(٢) أحمد بن محمد بن منصور الإسكندرى المالكى المعروف بابن المنير، تولى قضاء الإسكندرية، من تصانيفه: «الانتصاف من صاحب الكشاف» بيّن فيه ما تضمنه من الاعتزال وناقشه- توفى سنة ٦٨٣ هـ (بغية الوعاة ص ١٦٨، الديباج ص ٧٠، معجم المؤلفين ٢/ ١٦١).
(٣) الكهف: ٢٢.
(٤) الزمر: ٧٣.
(٥) الزمر: ٧١.
[ ٨٩ ]
النار سبعة، وهب أن فى اللّغة واوا تصحب الثمانية فتختص بها، فأين ذكر العدد فى أبواب الجنة حتى ينتهى إلى الثامن فتصحبه الواو، وربما عدوّا من ذلك: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ «١»، وهو الثامن من قوله: التَّائِبُونَ وهذا أيضا مردود، بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التى هى: الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ لما بينهما من التناسب والربط، ألا ترى اقترانهما فى جميع مصادرهما ومواردهما، كقوله: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٢»، وكقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٣»، وربما عدد بعضهم من ذلك الواو فى قوله: ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا «٤»، لأنه وجدها مع الثامن، وهذا غلط فاحش، فإن هذه واو التقسيم، ولو ذهبت تحذفها فتقول: ثيبات أبكارا، لم يسند الكلام، فقد وضح أن الواو فى جميع هذه المواضع المعدودة واردة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق» «٥».