ويجاب عن الرأى السادس- الذى يرى أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع- بأن القرآن غير القراءات، فالقرآن هو الوحى المنزل على نبينا محمد ﷺ للبيان والإعجاز المنقول إلينا تواترا، والقراءات: جمع قراءة، وهى فى اللّغة مصدر سماعى لفعل «قرأ»، وهى وجه من وجوه كيفية النطق بألفاظ الوحى، «فالقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، القرآن هو الوحى المنزّل على الرسول ﷺ الذى دفع به التحدى وكان الإعجاز، والقراءات هى اختلاف ألفاظ الوحى المذكور فى كتابة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرها» «٦».
_________________
(١) التوبة: ١١٢.
(٢) آل عمران: ١٠٤ و١١٤.
(٣) لقمان: ١٧.
(٤) التحريم: ٥.
(٥) الكشاف ٢/ ٥٥٧ - التعليق (١).
(٦) البرهان ١/ ٣١٨.
[ ٩٠ ]
وعرّف ابن الجزرى القراءات بقوله: «علم القراءات، علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة».
وقد نقل القرآن إلينا بلفظه ونصه كما أنزله الله على نبينا محمد ﷺ نقلا متواترا، ولكن كيفية أدائه قد اختلف فيها الرواة الناقلون، فكل منهم يعزو ما يرويه بإسناده إلى النبى ﷺ وإن لم يكن متواترا.
قال أبو شامة: «وقد ظن جماعة ممن لا خبرة له بأصول هذا العلم أن قراءة هؤلاء الأئمة السبعة هى التى
عبّر عنها النبى ﷺ بقوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
فقراءة كل واحد من هؤلاء حرف من تلك الأحرف، ولقد أخطأ من نسب إلى ابن مجاهد «١» أنه قال ذلك» «٢».
وقال الطبرى: «وأما ما كان من اختلاف القراءة فى رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى
قول النبى ﷺ: «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»
بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن- مما اختلفت القراء فى قراءته بهذا المعنى- يوجب المراء به كفر الممارى فى قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء فيه الكفر من الوجه الذى تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهر عنه بذلك الرواية» «٣».
_________________
(١) هو أحمد بن موسى بن العباس التميمى، أبو بكر بن مجاهد، الحافظ، أول من سبّع السبعة، له مؤلفات فى القراءات- ت ٣٢٤ هـ (غاية النهاية ١/ ١٣٩).
(٢) المرشد الوجيز ص ١٤٦.
(٣) مقدمة التفسير ص ٦٥.
[ ٩١ ]
ولعل الذى أوقعهم فى هذا الخطأ الاتفاق فى العدد سبعة، فالتبس عليهم الأمر، قال ابن عمار: «١» «لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغى له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قلّ نظره أن هذه القراءات هى المذكورة فى الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة» «٢».
وقال ابن الجزرى: «أول إمام معتبر جمع القراءات فى كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين» .. ثم قال: «وكان فى أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وتوفى أربع وعشرين وثلاثمائة» .. ثم قال: «وإنما أطلنا فى هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هى التى عن هؤلاء السبعة، وأن الأحرف السبعة التى أشار إليها النبى ﷺ هى قراءة هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهّال أن القراءات الصحيحة هى التى فى الشاطبية والتيسير» .. ثم قال: «وكان من جواب الشيخ الإمام مجتهد ذلك العصر أبى العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية﵀- «٣»: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التى ذكر النبى ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القرّاء، السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد» «٤».
_________________
(١) هو أحمد بن عمار بن أبى العباس المهدوى المغربى- أبو العباس- نحوى لغوى مقرئ مفسر، أصله من الهدية من بلاد إفريقية، من تصانيفه: «الهداية فى القراءات السبع» - توفى سنة ٤٤٠ هـ (بغية الوعاة ص ١٥٢، إنباه الرواة ١: ٩١ - ٩٢، طبقات القراء ١/ ٩٢).
(٢) فتح البارى ٩/ ٣٠.
(٣) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، الحرانى، أبو العباس تقى الدين بن تيمية شيخ الإسلام الإمام المجاهد، أوذى وسجن فى سبيل الله، له تصانيف كثيرة- ت ٧٢٨ هـ (الأعلام ١/ ١٤٠ - ١٤١).
(٤) انظر النشر ١/ ٣٣ - ٣٩.
[ ٩٢ ]
وقال مكى بن أبى طالب: «١» «هذه القراءات كلها التى يقرأها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة إنما هى جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن، ووافق اللّفظ بها خط المصحف الذى أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه وعلى اطراح ما سواه، ولم ينقط ولم يضبط فاحتمل التأويل لذلك» «٢».