وقد أوضح ابن عطية وجه تخصيص لغات تلك القبائل فقال: «فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر، لأن النبى ﵇ قرشى، واسترضع فى بنى سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وعقت تمائمه وهو يخالط فى اللّسان كنانة، وهذيلا، وثقيفا، وخزاعة، وأسدا، وضبة، وألفافها لقربهم من مكة، وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميما، وقيسا، ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى ويسّر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة، وهي التى قسمها على سبعة لها السبعة الأحرف، وهى اختلافاتها فى العبارات حسبما تقدم .. وهذه الجملة هى التى انتهت إليها
_________________
(١) سعيد بن أبى عروبة العدوى، أبو النضر البصرى، إمام أهل البصرة فى زمانه، تغيّر مذهبه بآخر عمره، ورمى بالقدر- له مؤلفات، توفى سنة ١٥٦ هـ على خلاف (تهذيب التهذيب ٤/ ٦٣، ميزان الاعتدال ١/ ٣٨٧).
(٢) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسى، البصرى الضرير الأكمه، حافظ مفسر عالم بالعربية- ت ١١٨ هـ (غاية النهاية ٢/ ٢٥، تهذيب التهذيب ٨/ ٣٥١).
[ ٤٧ ]
الفصاحة، وسلمت لغاتها من الدخيل، ويسّرها الله لذلك ليظهر آية نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه، وسبب سلامتها أنها فى وسط جزيرة العرب فى الحجاز ونجد وتهامة، فلم تطرقها الأمم، فأما اليمن وهى جنوبى الجزيرة فأفسدت كلام عربه خلطه الحبشة والهنود، على أن أبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا العباس المبرد، قد ذكرا أن عرب اليمن من القبائل التى نزل القرآن بلسانها ..
وأما ما والى العراق من جزيرة العرب، وهى بلاد ربيعة، وشرقى الجزيرة فأفسدت لغتها مخالطة الفرس والنبط ونصارى الحيرة، وغير ذلك.
وأما الذى يلى الشام، وهو شمالى الجزيرة، وهى بلاد آل جفنة، وابن الرافلة، وغيرهم، فأفسدها مخالطة الروم، وكثير من بنى إسرائيل.
وأما غربى الجزيرة فهى جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم، وأكثرها غير معمور، فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللّغات، لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم .. فمعنى
قول النبى ﷺ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»
أى فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح والأوجز فى اللّفظة .. فأباح الله تعالى لنبيه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل فى عرضاته على الوجه الذى فيه الإعجاز وجودة الوصف «١».