اعلم أيها القارئ الكريم أن المتكلم في موضوع نزول القرآن لابد أن يتكلم عن أول ما نزل وآخر ما نزل لتعلق هذا الموضوع بالنزول وعليه، فإن العلماء بحثوا هذا الموضوع بحثا واسعًا لأهميته وأنا أتكلم فيه من النواحي التالية:-
١ - أول ما نزل مطلقًا.
٢ - آخر ما نزل مطلقًا.
٣ - أوائل مقيدة.
٤ - أواخر مقيدة.
٥ - بعض فوائد هذا النوع.
أول ما نزل من القرآن مطلقًا:
ذكر العلماء في ذلك أربعة أقوال:
(١) أول ما نزل قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) .
من الأدلة على هذا القول:
أ – ما رواه البخاري١ ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى
_________________
(١) ١ البخاري ١/٣، ومسلم ١/٩٨، البرهان ٢٩٣-٣٠٠، والاتقان ١/٦٨-٧٦،٧٧،٨١، وورد في مسند أحمد ٦/٢٣٢-٢٣٣، أسباب النزول للواحدي ١/٤٨.
[ ٥٧ ]
رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال "اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق" الخ
ب – روى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة وصححاه عن عائشة أنها قالت أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ومرادها بالسورة صدرها١.
القول الثاني: أن أول ما نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومن الأدلة على هذا القول: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن يحيى بن أبي كثير: قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت أنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت نبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: "لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ " قال رسول الله ﷺ جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو –يعني جبريل- بين
_________________
(١) ١ الاتقان في علوم القرآن ١/٦٨.
[ ٥٨ ]
السماء والأرض فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فقلت "دثروني" فأنزل الله ياأيها المدثر١.
وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأجوبة أحسنها.
أن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما اقرأ فهي أول ما نزل على الإطلاق٢.
القول الثالث: أن أول ما نزل سورة الفاتحة وقد عزا هذا القول الزمخشري في كشافه٣ إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر٤ بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل. من أدلة هذا القول: ما رواه البيهقي في دلائل النبوة والواحدي بسنده عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: إني إذا خلوت٥ وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمّد إلى ورقة بن نوفل فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأفق فقال لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى
_________________
(١) ١ البخاري ١/٣ ومسلم ١٢/٩٩. ٢ الاتقان ١/٦٨، المدخل ١/١٠٤. ٣ مستدرك الحاكم ٢/٢٤٠ رقم ٢٨٧٣. ٤ فتح الباري ٨/٥٥٠-٥٥١. ٥ القرطبي ١/١١٥، وعزاه للبيهقي في الدلائل.
[ ٥٩ ]
قوله ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال العلماء:١ والجواب عن هذا الحديث أنه مرسل لا يعارض القول الأول.
القول الرابع: إن أول ما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ دليل هذا القول ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأول سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال السيوطي: وعندي أن هذا القول لا يعد قولا برأسه فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة.
واعلم أن هذه الآثار والأحاديث لاتنهض لمعارضة حديث عائشة الذي هو في الصحيح الدال على أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
آخر ما نزل من القرآن مطلقًا:
اعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ يمكن التحاكم إليها وكل ما فيه آثار مروية عن بعض الصحابة والتابعين استنتجوها من مشاهداتهم للنزول، وملابسات الأحوال فقد يسمع أحدهم ما لا يسمع الآخر، ويرى ما لا يراه غيره، ومن هنا كثر الاختلاف في هذا الموضوع ولنكتفِ بالبعض فقط على النحو التالي:
(١) القول الأول أن آخر ما نزل قوله تعالى في آخر سورة البقرة ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١) ..
_________________
(١) ١ الاتقان ١/٦٩، المدخل ١/١٠٤.
[ ٦٠ ]
من الأدلة على هذا القول:
أ – ما رواه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال آخر آية نزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.
وذكر البغوي في تفسيره١ عند هذه الآية عن ابن عباس ﵄ قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحدًا وعشرين يوما.
وروى الألوسي في تفسيره٢ عند هذه الآية روى أنه قال يعني رسول الله ﷺ اجعلوها بين آية الربا وآية الدين.
وفي رواية أخرى أنه ﷺ قال جاءني جبريل فقال اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة.
قال في المدخل٣:وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال وهو الذي تركن إليه النفس للأسباب التالية:
_________________
(١) البغوي ١/٣٤٧، المدخل ١/١٠٧، الاتقان ١/٧٧، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٢٠٥، البخاري رقم ٤٥٤٤ كتاب تفسير القرآن.
(٢) الألوسي ١/المجلد الأول ج٢/٥٥.
(٣) ١/١١.
[ ٦١ ]
١ – لم يحظ قول من الأقوال الآتية بما حظي به هذا القول من الآثار وأقوال الأئمة.
٢ – ما تشير به هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر والرجوع إلى الله ليوفي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام.
٣ – ما ظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها ووفاة النبي ﷺ ولم يظفر قول بهذا التحديد.
القول الثاني: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٧٨) .
ويدل لهذا القول ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: وآخر آية نزلت آية الربا١.
والحق الأول: ويجاب عن هذا القول إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما أنها من آخر الآيات نزولًا.
القول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) . وهي أطول آية في القرآن. ومن أدلة هذا القول ما أخرجه ابن جرير٢ من طريق بن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الدين، مرسل صحيح الإسناد ويجاب عنه بأنها آخرية مقيدة، فهي آخر ما نزل في باب المعاملات.
_________________
(١) ١ البخاري رقم ٤٥٤٤ كتاب تفسير القرآن. ٢ ابن جرير الطبري في تفسيره
[ ٦٢ ]
هذا: وقد جمع السيوطي في الإتقان١ بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف لأن موضوعها واحد، فأخبر كل واحد عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح.
وقد جمع الحافظ بين القولين٢ بأن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، كما رجح أن آية واتقوا يوما هي الأليق بالختام.
القول الرابع: آخر ما نزل قوله تعالى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر ما نزل من السور براءة، ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (النساء: ١٧٦) . يجاب عن هذا بأن سورة براءة آخر ما نزل في شأن القتال والجهاد.
القول الخامس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) ويدل لهذا القول ما رواه البخاري٣ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا، هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء والجواب أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدًا، فهي آخرية مقيدة.
_________________
(١) ١ بواسطة المدخل ١/١٢٠. ٢ البخاري ٤٣٦٤ المغازي، مسلم ١٦١٨ الفرائض أحمد ٨١٦٤. ٣ البخاري رقم ٤٥٩٠ تفسير القرآن، مسلم رقم ٣٠٢٣ التفسير.
[ ٦٣ ]
القول السادس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (براءة: ١٢٨) . إلى آخر سورة براءة من الأدلة على هذا القول ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال آخر آية نزلت ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة١.
قال في الإتقان "وروى ابن مردويه عن أبيّ أيضًا قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . ويجاب عنه أنهما آخر ما نزل من سورة براءة.
القول السابع: آخر ما نزل سورة المائدة من الأدلة على هذا القول ما رواه الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت آخر سورة نزلت المائدة٢ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه.
ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام.
القول الثامن: آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال في الإتقان رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، ورواه النسائي أيضًا عنه ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت بتمامها.
قال في المدخل: " وقد عرفت أن القول الأول هو الصحيح الراجح وعرفت الإجابة عما ورد مخالفًا له وأن المراد أواخر مقيدة لامطلقة" ٣.
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/٣٣٨، والدر المنثور ٣/٢٩٥. ٢ الترمذي رقم ٣٠٦٣ كتاب التفسير. ٣ المدخل ١/١٢٢، الاتقان ١/٧٧، وما بعدها.
[ ٦٤ ]
الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة:
هذا البحث كثير، ولهذا يكتفى فيه بذكر نماذج من الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة: حسب ما ذكره العلماء فأقول: أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩) .
أول ما نزل في الجهاد قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩) .
أول ما نزل في شأن القتل آية الإسراء وهي قوله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: ٣٣) .
نماذج من الأواخر المقيدة:
١ - آخر ما نزل في تحريم الخمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩٠) .
٢ - آخر آية نزلت في شأن القتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٩٣) .
فوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل:
اعلم أن هذا المبحث لا مجال للعقل فيه، إلا بالترجيح بين الأدلة وجمع المتعارض إن وجد، والمدار فيه على النقل، ولمعرفته فوائد نلخّص منها بعض الفوائد: فيما يلي:
[ ٦٥ ]
(١) معرفة الناسخ والمنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضع واحد وحكم إحداهما يغاير الآية الأخرى تغايرًا لا يمكن معه الجمع فنلجأ حينئذ إلى معرفة المتقدم فيعلم أنه منسوخ بالمتأخر.
(٢) تاريخ التشريع الإسلامي وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي فيها الأمر بالصلاة نزلت بمكة قبل الهجرة، وأن الآيات التي فيها الأمر بالزكاة وبالصوم كانت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنورة، وأن آيات الحج نزلت في السنة السادسة على الراجح كان بالإمكان ترتيبها ترتيبا شرعيًا فنقول: أول ما فرض الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج.
وكذلك إذا علم أن آية ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩) نزلت بالمدينة في السنة الثانية علم أن الجهاد فرض في المدينة في السنة الثالثة وهكذا.
(٣) من الفوائد كذلك معرفة التدرج في التشريع ويتوصل به إلى معرفة حكمة الله في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن الخمر، ومثل ما إذا علمنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد، نزلت أولًا بمكة، بخلاف الآيات النازلة في الأحكام التشريعية التفصيلية والعملية، فإنها نزلت بالمدينة، فإنه ما لم تعرف الأصول ويطمئن إليها، لا يسهل الأخذ بالفروع"١.
" تنبيه "
قال السيوطي: قد يشكل على ما تقدم في آخر ما نزل مطلقًا قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها
_________________
(١) ١ المدخل ١/١٠١، الاتقان ١/٢٧٧، مباحث في علوم القرآن ١/١٠٠ فما بعدها.
[ ٦٦ ]
إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه وارد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأَولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، حتى حَجَّه المسلمون لا يخالطهم المشركون١.
قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قَرَّ عينًا بالإياب المسافرُ
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
وكان الفراغ من هذا البحث في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، بتاريخ ٢٥/١/١٤٢١هـ من هجرته ﷺ.
_________________
(١) ١ الاتقان ١/٧٧ فما بعدها، والمدخل ١/١٠١ فما بعدها.
[ ٦٧ ]