أما تعريف الوقف فهو في اللغة الكفُّ والحبس. وفي الاصطلاح هو عبارة عن قطع الصوت عن أخر الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض عنها وينبغي معه البسملة في فواتح السور ويكون على رؤوس الآي وأواسطها، ولا يكون في وسط الكلمة ولا فيما اتصل رسمًا كالوقف على "أن" من ﴿أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] .
وأما أقسام الوقف فثلاثة: اختباري "بالباء الموحدة" واضطراري واختياري "بالياء المثناة تحت ولكل منها حد يخصه وحقيقة يتميز بها عما سواه".
أما الوقف الاختياري "بالباء الموحدة" فهو الذي يطلب من القارىء بقصد الامتحان ومتعلق هذا الوقف الرسم العثماني لبيان المقطوع والموصول والثابت والمحذوف من حروف المد والمجرور والمربوط من التاءات ويلحق بهذا الوقف وقف القارىء لإعلام غيره بكيفية الوقف على الكلمة بكونه عالمًا بها من حيث القطع أو الوصل إلخ ولهذا سمي اختباريًّا.
وحكمه: الجواز بشرط أن يبتدىء الواقف بما وقف عليه ويصله بما بعده إن صلح الابتداء به وإلا فيبتدىء بما قبله مما يصلح ابتداءً.
وأما الوقف الاضطراري: فهو الذي يعرض للقارىء بسبب ضرورة ألجأته إلى الوقف كضيق النفس أو العطاس أو العيّ أو النيسان وما إلى ذلك وحينئذ يجوز له الوقف على أي كلمة كانت وإن لم يتم المعنى وبعد ذهاب هذه الضرورة التي ألجأته إلى الوقف على هذه الكلمة يبتدىء منها ويصلها بما بعدها إن صلح البدء بها وإلا فيبتدىء بما قبلها بما يصلح البدء به كما في الوقف الاختباري "بالموحدة".
[ ١ / ٣٦٨ ]
وسمي اضطراريًّا للأسباب المذكورة آنفًا.
وأما الوقف الاختياري: "بالياء المثناة تحت" فهو الذي يقصده القارىء باختياره من غير عروض سبب من الأسباب المتقدمة في الوقفين الاختباري "بالموحدة" والاضطراري. وقد يبتدأ بما بعد الكلمة الموقوف عليها وقد لا يبتدأ بأن توصل بما بعدها كما سنوضحه بعد في الوقف الحسن.
وهذا الوقف هو المقصود بالذكر هنا وينقسم إلى أربعة أقسام: تام، وكاف، وحسن، وقبيح.
فإن أفادت الكلمة الموقوف عليها معنى تامًّا يحسن السكوت عليه كان الوقف تامًّا أو كافيًا أو حسنًا. وإن لم تفد معنى يحسن السكوت عليه كان الوقف قبيحًا ويجب على الواقف حينئذ البدء على الفور بما قبل الكلمة الموقوف عليها ووصلها بما بعدها إلى أن يصل إلى كلام تام يحسن السكوت عليه كما سنذكره بعد ويشترط للمعنى التام الذي يحسن السكوت عليه أن يكون الكلام مشتملًا على ركني الجملة من المسند والمسند إليه. وبهذا يكون الكلام تامًّا. ولتمامه حينئذ أحوال ثلاثة. وذلك لأنه إما أن يكون غير متعلق بما بعده لا لفظًا ولا معنى. وإما أن يكون متعلقًا بما بعده معنى لا لفظًا. وإما أن يكون متعلقًا بما بعده لفظًا ومعنى مع الفائدة التي بها يحسن السكوت عليه.
فالأول: هو الوقف التام.
والثاني: هو الوقف الكافي. وحكمهما جواز الوقف عليهما والابتداء بما بعدهما.
والثالث: هو الوقف الحسن. وحكمه جواز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا ومعنى. إلا إذا كان الابتداء برأس آية فإنه يجوز حينئذ لأن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقًا كما سيأتي بيانه عند تفصيل الكلام على الوقف الحسن.
وقد أشار الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى أقسام الوقف الاختياري وحكمها مع التأكيد على معرفة الوقف والابتداء بقوله رحمه الله تعالى:
وبعدَ تجويدِكَ للحروفِ لابدَّ من معرفةِ الوقوفِ
[ ١ / ٣٦٩ ]
والابتدا وهي تقسَمُ إذَنْ ثلاثة تامٌ وكافٍ وحسنْ
وهي لما تَمَّ فإن لمْ يُوجَدِ تَعلُّقٌ أو كان معنى فابْتَدِي
فالتامُ فالكافِي ولفظًا فامْنَعَنْ إلا رؤوسَ الآي جوِّزْ فالحسَنْ
وغير ما تَمَّ قبيحٌ ولهُ يوقَفُ مُضْطَرًّا ويُبْدأُ قبلَهُ اهـ
وفيما يلي تفصيل الكلام على كل من الوقف التام والكافي والحسن والقبيح مع الأمثلة للجميع والأصل فيها من السنة فنقول وبالله التوفيق.
الكلام على الوقف التام
وهو الوقف على كلام تم معناه وليس متعلقًا بما بعده لا لفظًا ولا معنى. وأكثر ما يكون هذا الوقف في رؤوس الآي وانتهاء القصص كالوقف على قوله تعالى: ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] والابتداء بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وكالوقف على نحو ﴿وأولائك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٥] والابتداء بقوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ٦] . ونحو الوقف على قوله تعالى: ﴿إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] والابتداء بقوله سبحانه: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: ٥٠] وذلك لأن لفظ "المفلحون" تمام الآيات المتعلقة بالمؤمنين وما بعده منفصل عنه متعلق بأحوال الكافرين وكذلك لفظ "للمتقين" تمام الآيات المتعلقة بقصة سيدنا نوح وما بعده منفصل عنه ابتداء قصة سيدنا هود على نبينا سيدنا محمد وعليهما الصلاة والسلام.
وقد يكون في وسط الآي كالوقف على لفظ "جاءني" في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] فهذا تمام حكاية قول الظالم وتمام
[ ١ / ٣٧٠ ]
الفاصلة ففي قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩] .
وقد يكون بعد تمام الآية بكلمة كالوقف على لفظ "كذلك" "وبالليل" "وزخرفًا" من قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ﴾ [الكهف: ٩٠-٩١] ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وبالليل﴾ [الصافات: ١٣٧-١٣٨] ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٤-٣٥] . فإن تمام الآية في كل "سترًا" و"مصبحين" و"يتكئون" وتمام الكلام لفظ "كذلك" "وبالليل" "وزخرفًا".
ويكون في أواخر السور وهو ظاهر.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر: "وقد يتفاضل التام في التمام نحو ﴿مالك يَوْمِ الدين إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤-٥] كلاهما تام إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول" أهـ.
وسمي تامًّا لتمام لفظه وانقطاع ما بعده عنه في اللفظ والمعنى.
وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده لما تقدم في وجه تسميته بالتام.
هذا والمراد بالتعلق المعنوي أن يتعلق المتقدم بالمتأخر من جهة المعنى لا من جهة الإعراب. والمراد بالتعلق اللفظي أن يتعلق المتقدم بالمتأخر من حيث الإعراب كأن يكون موصوفًا للمتأخر أو يكون المتأخر معطوفًا على المتقدم أو مضافًا إليه أو خبرًا له وما إلى ذلك. ويلزم من التعلق اللفظي التعلق المعنوي.
الأصل في الوقف التام من السنة المطهرة
الأصل في الوقف التام ما ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد في علم التجويد بسنده المتصل إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: "أي ابن أبي بكرة": إن جبريل أتى النبي ﷺ، فقال: اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل:
[ ١ / ٣٧١ ]
استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبة أحرف كل شاف كاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة او آية رحمة بآية عذاب. وفي رواية أخرى ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب بمغفرة أهـ. قال أبو عمرو هذا تعليم الوقف التام من رسول الله ﷺ، عن جبريل ﵇ إذ ظاهر ذلك أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر العقاب. وكذلك ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب وتفصل مما بعدها إذا كان ذكر الجنة أو الثواب أهـ منه بلفظه.
الكلام على الوقف الكافي
وهو الوقف على كلام تم معناه وتعلق بما بعده معنى لا لفظًا. ويوجد في رؤوس الآي وفي أثنائها كالوقف على نحو قوله تعالى: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] . ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فكل هذا كلام تام مفهوم وما بعده مستغن عما قبله في اللفظ وإن اتصل في المعنى.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر: "وقد يتفاضل - أي الوقف الكافي -" في الكفاية كتفاضل التام نحو ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] كاف ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] أكفى منه ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] أكفى منهما أهـ منه بلفظه.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وحكمه أنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده كالوقف التام.
وسمي كافيًا للاكتفاء به عما بعده لعدم تعلقه به من جهة اللفظ. وإن كان متعلقًا به من جهة المعنى.
الأصل في الوقف الكافي من السنة المطهرة
الأصل في الوقف الكافي ما ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد في علم التجويد بسنده المتصل إلى أبي عمرو الداني وبسند الداني إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال "أي ابن مسعود ﵁": "قال لي رسول الله ﷺ: اقرأ علي فقلت له أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيدًا﴾ قال: فرأيته وعيناه تذرفان دموعًا فقال لي: حسبك" أهـ قال الداني: فهذا دليل جواز القطع على الوقف الكافي لأن شهيدًا ليس من التام وهو متعلق بما بعده معنى لأن المعنى فكيف يكون حالهم إذا كان هذا يومئذ يود الذين كفروا فما بعده متعلق بما قبله والتمام "حديثًا" لأنه انقضاء القصة وهو آخر الآية الثانية. وقد أمر النبي ﷺ أن يقطع عليه دونه مع تقارب ما بينهما فدل ذلك دلالة واضحة على جواز القطع على الكافي أهـ منه بلفظه.
الكلام على الوقف الحسن
وهو الوقف على كلام تم معناه وتعلق بما بعده لفظًا ومعنى مع الفائدة
[ ١ / ٣٧٣ ]
كأن يكون اللفظ الموقوف عليه موصوفًا وما بعده صفة له أو معطوفًا وما بعده معطوفًا عليه أو مستثنى منه وما بعده مستثنى أو بدلا وما بعده مبدل منه وما إلى ذلك ويوجد في رؤوس الآي وفي أثنائها كالوقف الكافي.
وسمي حسنًا لحسن الوقف عليه لأنه أفهم معنى يحسن السكوت عليه وحكمه أنه يحسن الوقف عليه. وأما الابتداء بما بعده ففيه تفصيل لأنه قد يكون في رؤوس الآي وقد يكون في غيرها.
فإن كان في غير رؤوس الآي فحكمه أنه يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظًا ومعنى كالوقف على لفظ "الله" من قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فإنه كلام تام يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده. لأن ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] أو قوله تعالى ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١] صفة للفظ الجلالة في الموضعين والصفة والموصوف كالشيء الواحد لا يفرق بينهما والابتداء حينئذ يكون غير حسن وفوق هذا أصبح اللفظ المبدوء به عاريًا عن العوامل اللفطية. والعاري عن العوامل اللفظية هو المبتدأ وحكمه الرفع بينما صار مخفوضًا. إذن فلا بد من وصل الكلمة الموقوف عليها بما بعدها في هذه الحالة وما ماثلها ليكون العامل والمعمول معًا كما هو مقرر.
وإن كان في رؤوس الآي كالوقف على لفظ "العالمين" و"الرحيم" و"العلي" في قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرحمان الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣] . ﴿لَهُمُ الدرجات العلى﴾ [طه: ٧٥] فإنه يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده لأن الوقف على رؤوس الآي سنة سواء وجد تعلق لفظي أم لم يوجد وهذا هو المشهور عند
[ ١ / ٣٧٤ ]
جمهور العلماء وأهل الأداء والنصوص عليه متوافرة لوروده عن رسول الله ﷺ في حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ: "كان إذا قرأ قطَّع قراءته آية آية يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقف ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين". قال الحافظ ابن الجزري في النشر عقب ذكره لهذا الحديث: رواه أبو داود ساكتًا عليه والترمذي وأحمد وأبو عبيدة وغيرهم. وهذا حديث حسن صحيح وكذلك عد بعضهم الوقف على رؤوس الآي سنة. وقال ابو عمرو وهو أحب إلي واختاره البيهقي في شعب الإيمان وغيره من العلماء. وقالوا الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها. قالوا: واتباع هدي رسول الله ﷺ وسنته أولى أهـ منه بلفظه.
هذا ونصوص العلماء في هذا الوقف كثيرة وشهيرة لا يتحملها هذا المختصر وكلها تؤيد سنية الوقف على رؤوس الآي وقد اكتفينا منها بما جاء في النشر.
وقد منع جماعة من العلماء الوقف على رؤوس الآي في مثل ما ذكرنا لتعلقها بما بعدها وحملوا ما في حديث أم سلمة ﵂ على أن ما فعله ﷺ إنما قصد به بيان الفواصل لا التعبد. وعلى ذلك فلا يكون الوقف على رؤوس الآي سنة عندهم إذ لا يسن إلا ما فعله ﷺ تعبدًا. وردَّهُ غير واحد من العلماء منهم العلامة المتولي بقوله في الروض النضير: "إنَّ من المنصوص المقرر أنَّ "كان إذا" تفيد التكرر وظاهر أن الإعلام يحصل بمرة ويبلغ الشاهد منهم الغائب فليكن الباقي تعبدًا وليس كله للإعلام حتى يعترض على هؤلاء الأعلام أهـ منه بلفظه".
وهناك ردود أخرى تركنا ذكرها هنا رغبة في الاختصار.
قال الحافظ ابن الجزري في النشر وقد يكون الوقف حسنًا على تقدير وكافيًا
[ ١ / ٣٧٥ ]
على آخر وتامًّا على غيرهما نحو قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يكون حسنا إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] نعتًا للمتقين وأن يكون كافيًا إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] رفعًا بمعنى هم الذي يؤمنون بالغيب أو نصبًا بتقدير أعني الذين. وأن يكون تامًّا إذا جعل ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣] مبتدأ خبره ﴿أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] أهـ منه بلفظه.
الأصل في الوقف الحسن من السنة المطهرة
والأصل في الوقف الحسن الحديث المتقدم المروي عن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ فقد ذكره الحافظ ابن الجزري في كتابه التمهيد بسنده المتصل إليها ثم قال بعد أن أورده: قالوا وهذا دليل على جواز القطع على الحسن في الفواصل لأن هذا متعلق بما قبله وما بعده لفظًا ومعنى وهذا القسم يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده إلا في رؤوس الآي فإن لك سنة أهـ منه بلفظه.
"فصل": في بيان وقف السنة الواقع جله في غير رؤوس الآي أو في بيان وقف جبريل كما سماه بعضهم.
سبق أن بينا في فصل الوقف الحسن أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقًا سواء تعلق رأس الآية بما بعده أم لم يتعلق وقد فصلنا الكلام على ذلك أيما تفصيل وسقنا الأدلة على ذلك من الخبر المتبع والأثر الصحيح وأقوال أئمة هذا الشأن فيه وأنه مذهب الجمهور وذكرنا الاعتراض على ذلك ورددناه بما يسر الله تعالى ذكره من أقوال علماء هذا الفن مما تجده في موضعه السابق مستوفى إن شاء الله تعالى.
والآن نشرع بحول الله في بيان الوقف المنسوب إلى النبي ﷺ في القرآن العظيم مما أكثره ليس برأس آية ونص عليه غير واحد ممن يعتد بنقلهم من محققي علماء القراءات مع عَزْوِ ذلك إليهم ونسبته لهم فقد قيل: إن من بركة
[ ١ / ٣٧٦ ]
العلم نسبة القول إلى قائله.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أولًا: نقل صاحب "منار الهدى: في بيان الوقف والابتدا" عن العلامة السخاوي أن هذه الوقوف عشرة وسمى بعضها بوقف جبريل ﵇ وإليك نص عبارته: "قال السخاوي: ينبغي للقارى أن يتعلم وقف جبريل فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ [الآية: ٩٥] ثم يبتدىء ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] والنبي ﷺ يتبعه. وكان النبي ﷺ يقف في سورة البقرة والمائدة عند قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨] [المائدة: ٤٨] وكان يقف على قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وكان يقف ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [يوسف: ١٠٨] ثم يبتدىء ﴿على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾ [يوسف: ١٠٨] وكان يقف ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الرعد: ١٨] ثم يبتدىء ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ [الرعد: ١٨] وكان يقف ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [النحل: ٥] ثم يبتدىء ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] وكان يقف ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] ثم يبتدىء ﴿لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وكان يقف ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ﴾ [النازعات: ٢٢] ثم يتبدىء ﴿فنادى﴾ [النازعات: ٢٣] وكان يقف ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ثم يبتدىء ﴿تَنَزَّلُ الملائكة﴾ [القدر: ٤] فكان ﷺ يتعمد الوقف على تلك الوقوف وغالبها ليس رأس آية وما ذلك إلا لعلم لدنِّي علمه من
[ ١ / ٣٧٧ ]
علمه وجهله من جهله. فاتباعه سنة في أقواله وأفعاله انتهى منه بحرفه.
ثانيًا: نقل صاحب انشراح الصدور أن مواضع هذه الوقوف سبعة عشر موضعًا وفيما يلي نص عبارته.
"أعلم أن الوقوف المندوبة التي كان النبي ﷺ يتحرى الوقوف عليها سبعة عشر موضعًا":
الأول والثاني: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالبقرة: ١٤٨] [والمائدة: ٤٨] .
والثالث: ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ [بآل عمران: ٩٥] .
والرابع: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [بالمائدة: ١١٦] .
والخامس: ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾ [بيونس: ٢] .
والسادس: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] بها أيضًا.
والسابع: ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [بيوسف: ١٠٨] .
والثامن: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] .
والتاسع: ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [ب النحل: ٥] .
والعاشر: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] بها أيضًا.
والحادي عشر: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ [بلقمان: ١٢] .
[ ١ / ٣٧٨ ]
والثاني عشر: ﴿كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ [بالسجدة: ١٨] .
والثالث عشر: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] .
والرابع عشر: ﴿فَحَشَرَ﴾ [بالنازعات: ٢٣] .
والخامس عشر: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [بالقدر: ٣] .
والسادس عشر: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] بها أيضًا.
والسابع عشر: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ [بالنصر: ٣] أهـ منه بلفظه.
ثالثًا: نقل صاحب "الرحلة العياشية" أن هذه الوقوف سبعة عشر وقفًا وساقها في نظم مبارك بديع وهذا أنذا أنثر مواضع هذا النظم أولًا ثم أذْكُرُه بعد ذلك ثانيًا.
وإليك بيان مواضع هذه الوقوف حسب ترتيب هذا النظم المبارك:
الأول: قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالبقرة: ١٤٨] .
الثاني: قوله سبحانه: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ [بالبقرة: ١٩٧] أيضًا.
الثالث: قوله عز شأنه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ [بآل عمران: ٧] .
الرابع: قوله عز من قائل: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [بالمائدة: ٤٨] .
الخامس: قوله جل وعلا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلك﴾ [بالمائدة: ٣٢] أيضًا.
[ ١ / ٣٧٩ ]
السادس: قوله سبحانه: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [بالمائدة: ١١٦] كذلك.
السابع والثامن: قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس﴾ [يونس: ٢] وقوله عز شأنه: ﴿قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] الموضعان بيونس عليه الصلة والسلام.
التاسع: قوله سبحانه: ﴿قُلْ هاذه سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [بيوسف: ١٠٨] ﵊.
العاشر: قوله تعالى: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] .
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ [بالنحل: ٥] .
الثاني عشر: قوله سبحانه: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ [بلقمان: ١٣] .
الثالث عشر: قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] .
الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى فَحَشَرَ﴾ [بالنازعات: ٢٣] .
الخامس عشر والسادس عشر: قوله جل وعلا: ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [الآية: ٣] وقوله ﷿: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [الآية: ٤] الموضعان بالقدر.
السابع عشر: قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ [بالنصر: ٣] .
*
[ ١ / ٣٨٠ ]
وإليك عبارة صاحب الرحلة العياشية مع ذكر النظم الذي تكلمنا عنه آنفًا.
قال رحمه الله تعالى فيما أنشده شيخه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن الربيع اليمني الزبيدي: "وأنشدني أيضًا في المواضع التي ورد أن النبي ﷺ وقف عليها وأملاها عليَّ من حفظه ولم ينسبها":
أيا سائِلي عن ما أتانا به الآلى عن المصطفى من وقْفِه مسلسلا
ففي البكر جا الخيراتِ والثاني قُلْ بها أتى بعدُ يعلمْهُ على الله مُسْجَلا
وعمرانُ إلا الله أوَّلها أتى عقودٌ بها الخيرات قد جاء مُرسلا
وأيضًا بها من أجل ذلك جاءنا وآخرها قد جا بحقِّ مرتِّلا
وأن أنذر الناس الذي حلَّ يونسًا وقلْ بعده فيها لحقٌّ تنزِّلا
إلى الله جا في يوسف وبتلوها أتانا على الأمثال كي يتمثَّلا
خلقها بنحلٍ بعدَ الأنعام لفظةً وبعد لا تشرك بلقمان أنزلا
وغافر فيها لفظةُ النار بعدها حكاية حمل العرشِ في قصَّة الملا
وقل فحشر في النازعات وبعده على ألف شهر جاء في القدر أوَّلا
ومن كلِّ أمرٍ جا بها وبنصرهم على لفظ واستغفره تمَّت فحمدِلا اهـ
[ ١ / ٣٨١ ]
ومن هذه النقول يتبين لك - أيها القارىء الكريم أن هذه المواضع كلها منها ما هو رأس آية - وهو القليل. ومنها ما ليس برأس آية وهو الكثير فالذي هو رأس آية قوله تعالى: ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [بالرعد: ١٧] . وقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النار﴾ [بغافر: ٦] . وقوله عز شأنه: ﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] . وقوله جل وعلا: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وهذا الموضعان بسورة القدر.
وقد قدمنا لك أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقًا فيكون ذكره هنا في هذه الأوقاف من باب التأكيد عليه عند من وصل رؤوس الآي المتعلقة بما بعدها في غير هذه المواضع فليعلم ذلك. ولعل أحدًا أن يقول: لقد تفاوتت مواضع هذه الأوقاف المذكورة في هذه النقول الثلاثة التي قدمنا. فهل يعتبر تفاوتها مدعاة إلى عدم التسليم ببعضها؟ والجواب عن ذلك ظاهر فإن هذه النقول وإن كان فيها تفاوت لكنه ليس تفاوت التناقض والاضطراب وإنما هو تفاوت الرواية والحفظ. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ فكل هذه النقول صحيحة، وسائر نقلتها عدول، وقد ذكر كل منهم انتهى إليه علمه بحسب التلقي والمشافهة عن شيوخه، وعليه فلا اختلاف. وهناك نقول أخرى غير هذه تركنا ذكرها هنا طلبًا للاختصار والله تعالى أعلم.
الكلام على الوقف القبيح
وهو الوقف علىكلام لم يتم معناه لتعلقه بما بعده لفظًا ومعنى مع عدم الفائدة أو أفاد معنى غير مقصود أو أوهم فساد المعنى فهذه أنواع ثلاثة وإليكها مفصلة:
[ ١ / ٣٨٢ ]
أما النوع الأول: فضابطه الوقف على العامل دون معمول ويشمل هذا الضابط صور شتى:
منها الوقف على المضاف دون المضاف إليه كالوقف على لفظ "بسم ومالك من نحو ﴿بسم الله﴾ [الفاتحة: ١] و﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] فالوقف على مثل هذا قيبح لأنه لم يعلم لأي شيء أضيف.
ومنها الوقف على المبتدأ دون خبره كالوقف على "الحمدُ" من "الحمدُ لله".
ومنها الوقف على الموصوف دون صفته كالوقف على لفظ "الصراط" من قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] .
ومنها الوقف على الفعل دون فاعله كالوقف على لفظ "يتقبل" من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] إلى آخر باقي المتعلقات. فكل هذا وما ماثله لا يجوز الوقف عليه ولا الابتداء بما بعده لأنه لا يتم معه كلام ولا يفهم منه معنى فالوقف عليه قبيح كما أسلفنا.
وسمي قبيحًا لقبح الوقف عليه لعدم تمام الكلام وعدم فهم المعنى لما فيه من التعلق اللفظي والمعنوي معًا مع عدم الفائدة. ولا يجوز للقارىء تعمد الوقف على شيء من هذه الوقوف وما شاكلها إلا لضرورة كضيق نفس أو عطاس أو عجز أو نيسان ويسمى حينئذ وقف الضرورة وهو مباح للقارى كما تقدم ثم بعد ذهاب هذه الضرورة التي ألجأته إلى الوقف على هذه الكلمة يبتدىء منها ويصلها بما بعدها إن صلح الابتداء بها وإلا فيبتدىء بما قبلها ممن يصلح البدء به إلى أن يصل إلى ما يجوز أن يقف عنده.
وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله المذكور آنفًا:
[ ١ / ٣٨٣ ]
وغيرُ ما تمَّ قبيحٌ ولهُ يوقفُ مضطرًّا ويُبدأُ قبلَهُ اهـ
وأما النوع الثاني: وهو الذي أفاد معنى غير مقصود لتوقف ما بعده عليه ليتم منه المعنى المراد فنحو الوقف على ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] وذلك لأنه يوهم النهي عن أداء الصلاة مطلقًا وليس كذلك. وإنما المقصود من الآية الكريمة لا تقربوا الصلاة حال كونكم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. وهذا المعنى المقصود لا يتم إلا إذا انظم إليه ما بعده. وعليه: فالوقف على ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] قبيح فيوصل بما بعده إلى أن يقف على قوله تعالى: ﴿حتى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣] وهو كاف.
ومنه الوقف على لفظ "بجناحيه" في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] لأن ذلك يوهم نفي ما هو مشاهد من مخلوقات الله وهذا لا يجوز وإنما يكون الوقف على "أمثالكم" وهو كاف.
ومنه الوقف على لفظ "والظالمين" من قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] لأنه يوهم أن الظالمين داخلون في رحمة الله وليس كذلك بل أعد لهم العذاب الأليم فالوقف يكون على لفظ "رحمته" وهو تام.
ومنه الوقف على "والذين آمنوا" من قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٧] لأنه يوهم دخول المؤمنين مع الكافرين في العذاب الشديد وليس كذلك بل أعد المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين. أما العذاب الشديد فهو خاص بالكافرين. فالوقف يكون على قوله تعالى: "لهم عذاب شديد" وهو كاف وذلك ليفصل بين ما أعد للفريقين من جزاء. أو توصل الجملة الأولى بالثانية ويوقف على الفاصلة إن كانت هناك طاقة لدى القارىء بحيث يعطي الحروف حقها ومستحقها في التلاوة كما هو مقرر وإلا فلا.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فكل هذا وما ماثله مما هو خارج عن حكم الأول في المعنى لا يجوز الوقف عليه لما تقدم باستثناء الضرورة.
وأما النوع الثالث: وهو ما أوهم فساد المعنى وفيه سوء الأدب مع الله ﵎ وهو أقبح من القبيح فنحو الوقف على لفظ الجلالة "والله" في قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] فهذا لا يجوز بحال وإنما يجوز الوقف على لفظ "كفر" أو على لفظ "الظالمين" وهو آخر الفاصلة ومثله الوقف على لفظ "لا يستحي" في قوله تعالى: ﴿* إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] وهذا لا يجوز بحال وإنما يكون الوقف على "فما فوقها" ولا يخفى ما في ذلك من فساد المعنى وسوء الأدب مما هو ظاهر لا يصح التفوه به. وأقبح من هذا وأشنع الوقف على المنفي الذي بعده الإيجاب وفي هذا الإيجاب وصف لله تعالى أو لرسله عليهم الصلاة والسلام وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ [محمد: ١٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ إلاه إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٦٢] . بأن وقف على لفظ "إله" في الآيتين والقبح في هذا الوقف ظاهر لا يصح التفوه به أيضًا وإنما يكون الوقف على لفظ "وللمؤمنات" في الآية الأولى وهو تام. وعلى لفظ الجلالة في الثانية وهو كاف. ومثل ذلك الوقف على لفظ "أرسناك" في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فإنه يؤدي إلى نفي رسالته ﷺ وإنما يكون الوقف على "للعالمين" آخر الفاصلة ومثله الوقف على لفظ "من رسول" في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله﴾ [النساء: ٦٤] . وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فإنه يؤدي إلى نفي إرسال
[ ١ / ٣٨٥ ]
جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام. وإنما يكون الوقف على لفظ الجلالة في الآية الأولى وعلى لفظ "لهم" في الآية الثانية. فكل هذه الوقوف وما ماثلها يجب ألا يوقف على شىء منها لما تقدم إلا من ضرورة كما ذكرنا آنفًا. فإن وقف القارىء على شيء منها أو مما شاكلها لضرورة وجب عليه أن يبتدىء بما قبل الكلمة الموقوف عليها ويصلها بما بعدها إلى أن ينتهي إلى ما يجوز أن يقف عنده فإن لم يفعل ذلك وتعمد الوقف فقد أثم إثمًا كبيرًا وأخطأ خطأ فاحشًا وخرق الإجماع وحاد عن إتقان القراءة وإتمام التجويد. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية إلى أقوم طريق.
الأصل في الوقف القبيح من السنة المطهرة
والأصل فيه ما ذكره الحافظ ابن الجزري في التمهيد بسنده المتصل إلى عدي بن حاتم قال: "أي عدي" جاء رجلان إلى النبي ﷺ فتشهد أحدهما فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما ووقف، فقال رسول الله ﷺ: قم أو اذهب بئس الخطيب أنت أهـ قالوا: وهذا دليل على أنه لا يجوز القطع على القبيح لأن النبي ﷺ أقامه لما وقف على المستبشع لأنه جمع بين حال من أطاع الله ورسوله ومن عصى والأولى أنه كان يقف على رشد ثم يقول: ومن يعصهما فقد غوى" انتهى. وقال أبو عمرو: ففي الخبر دليل علىكراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه ﷺ إنما أقام الخطيب لما قطع على ما يقبح إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى ولم يفصل بين ذلك وإنما كان ينبغي له أن يقف على قوله فقد رشد ثم يستأنف ومن يعصهما فقد غوى أو يصل كلامه إلى آخره. وإذا كان مثل هذا مكروهًا مستقبحًا في الكلام الجاري بين الناس فهو في كلام الله تعالى أشد كراهة وقبحًا وتجنبه أولى وأحق اهـ منه بلفظه.
[ ١ / ٣٨٦ ]
تنبيهان:
الأول: ما قاله أئمتنا من أنه لا يجوز الوقف على كلمة كذا وكذا إنما يريدون بذلك الوقف الاختياري "بالياء المثناة تحت" الذي يحسن في القراءة ويروق في التلاوة ولا يريدون به أنه حرام أو مكروه إذ ليس في القرآن الكريم وقف واجب يأثم القارىء بتركه أو حرام يأثم القارىء بفعله لأن الوصل والوقف لا يدلان على معنى حتى يختل بذهابهما وإنما يتصف الوقف بالحرمة إذا كان هناك سبب يؤدي إليها فيحرم حينئذ كأن قصد القارىء الوقف من غير ضرورة على لفظ "إله" أو على لفظ "لا يستحي" أو على لفظ "لا يهدي" في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إلاه إِلاَّ إلاه وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، ﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [الصف: ٥] وما شابه ذلك مما تقدم ذكره في الوقف القبيح إذ لا يفعل ذلك مسلم قلبه مطمئن بالإيمان.
وفي هذا المقام يقول الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية:
وليسَ في القرآن مِنْ وقْفٍ وجَب ولا حرام غير ما له سَبَبْ اهـ
التنبيه الثاني: اشتهر عند كثير من الناس أن الوقف على لفظ "للمصلين" في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤-٥] قبيح وحرام ولا يجوز مطلقًا وزعموا أن القارىء لو وقف على هذا اللفظ لأوهم تناول الويل كل مصلٍّ وليس كذلك وإنما الويل "وهو واد في جهنم أو وعيد شديد كما قاله المفسرون" للمصلين الموصوفين بالصفات المذكورة بعد في قوله تعالى: ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] إلى آخر السورة وهذه حجتهم في منع الوقف على هذا اللفظ وحتموا الوصل بالموصولين بعد ليظهر المراد ويتم الكلام. والصواب الذي عليه الجمهور هو جواز الوقف على هذا اللفظ لأنه من رؤوس الآي والوقف على رؤوس الآي سنة لحديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ وقد تقدم ذكره غير
[ ١ / ٣٨٧ ]
مرة وهذا كما قلت المشهور عند جمهور العلماء وأهل الأداء وإن تعلق رأس الآية بما بعدها لفظًا ومعنى كهذا الموضع كما تقدم. غير أن هذا الوقف الجائز مشروط بأن يكون القارىء مستمرًّا في قراءته إلى تمام الكلام وهو آخر السورة وبهذا حصل الغرض المطلوب وهو إيضاح المعنى المراد من الآية الكريمة لكل من القارىء والسامع وفي الوقت نفسه أتى القارىء بالوصفين المذكورين بعد "للمصلين" الذين يستحقون بهما هذا الوعيد. ويفهم من قولنا: "غير أن هذا الوقف الجائز مشروط بأن يكون القارىء مستمرًّا" الخ بأنه لو قطع قراءته وأنهاها عند قوله: "فويل للمصلين" من غير عذر كان الوقف قبيحًا ويقال له فيه بل ويمنع منه لإيهام خلاف المعنى المراد ولعدم إتمام الكلام حينئذ لأن إتمامه لا يتأتَّى إلا بذكر الصفتين المذكورتين بعد. ومن محاسن الوقف على رأس الآية "فويل للمصلين" هنا أنه لو وصل القارىء قوله: "فويل للمصلين" بما بعده كما قال مانعو الوقف عليه فلربما ضاف نفسه قبل الوصول إلى الوقف التام وهو آخر السورة لا سيما من كان ضيق النفس لا يستطيع أن يتكلم بكلام كثير في نفس واحد وخاصة في هذا الزمن الذي عمت فيه البلوى لكثير من الناس وحينئذ يضطر إلى أن يتنفس في القراءة وهو حرام فيها ومفسد لها أو إلى إدماج الحروف وبتر المد مما لا يتفق وقواعد التجويد المجمع عليها ويكون بذلك أتعب نفسه فوق إفساده القراءة مع أن السنة المطهرة أباحت له الوقف على رؤوس الآي مطلقًا سواء تم الكلام أم يتم كما مر، ولنا في سيدنا رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
هذا: وقد فات مانعو تجويز الوقف على قوله: "فويل للمصلين" وتأكيدهم على وصله بما بعده أن الصفتين المذكورتين بعد من باب التوابع كما هو مقرر. وهذا المعتبر إذا لم نقل بالقطع. فإن قلنا به كما جوزه علماء العربية من كل موصول وقع صفة يحتمل أن يكون تابعًا أو مقطوعًا عن التبعية لعدم ظهور الإعراب عليه لبنائه. بل جوزوا قطع الصفة عن الموصوف في العموم سواء كان موصولًا أو غير موصول. وبناء على جواز قطع الصفة عن الموصوف نقول: إن جعلنا الموصول هنا مع صلته خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره هم الذين إلخ كان الوقف على "للمصلين" كافيًا فضلًا عن كونه رأس آية. وهذا أمر لا يخفى ومثله
[ ١ / ٣٨٨ ]
حينئذ مثل الوقوف على رؤوس التي بعدها موصول كهذا وما أكثرها في القرآن باستثناء سبعة مواضع منها يتعين فيها أن يكون الموصول مبتدأ كما يتعين الوقف على ما قبلها والابتداء بها وسنذكرها بعد في "فصل الابتداء" إن شاء الله تعالى.
وصفوة القول في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام أن الوقف على قوله تعالى: "فويل للمصلين" جائز لانه رأس آية ولا قبيح فيه ولا حرمة ما دام القارىء مستمرًّا في قراءته إلى آخر السورة بخلاف ما لو قطع قراءته وأنهاها عنده فيمنع من ذلك ويكون الوقف قبيحًا إلا من عذر قهري صده عن إتمام السورة.
وأما إذا كان القارىء عنده طاقة في نفسه ولم يقف إلا في آخر السورة بشرط أن تكون القراءة سليمة موافقة لقواعد التجويد المجمع عليها فلا بأس بذلك غير أنه على خلاف ما قال به جهمور العلماء وكثير من أهل الأداء من أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقًا كما ذكر آنفًا والله تعالى أعلى وأعلم.
وبعد أن فرغنا من كتابة هذا التنبيه ومضى عليه سنوات وجدناه منصوصًا عليه بمعناه من كلام العلامة الشيخ عبد الواحد المارغني في آخر رسالة تحرير الكلام في وقف حمزة وهشام للعلامة المحقق الشيخ محمد بن يالوشة الشريف التونسي ولعظم فائدته آثرنا أن ننقله هنا ليفيد منه ويعتبر به قارؤنا الكريم قال عفا الله عنه.
"تنبيه": مما اشتهر عند كثير من الناس عدم الوقف علىقوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾ [الماعون: ٤] حتى جرى عندهم مجرى الأمثال فيقولون في كل شيء يتوقف على ما بعده لا تقف على "فويل للمصلين" ومرادهم بذلك التحرز من استحقاق المصلين مطلقًا لهذا الوعيد فالبوقف عليه يتناول الوعيد كل المصلين وهو غير مراد وغير صواب. وإن وصل بالموصول أو الموصولين بعده ظهر المعنى ولاح المراد من الآية الكريمة إذ المراد والله أعلم أن المصلين الموصوفين بالصفتين المذكورتين يستحقون العقاب بالويل وهو واد في جهنم وقيل كلمة عذاب هذا مراد من يمنع الوقف على ذلك. والتحقيق أنه لا مانع من الوقف على مثل ذلك حيث إنه من الفواصل التي يحسن الوقف عليها حسبما مر تفصيله. والصفتان بعد المصلين مثل الصفتين بعد اسم الجلالة في الفاتحة أعني "الرحمن" و"مالك يوم الدين" وقفت
[ ١ / ٣٨٩ ]
السنة على ما قبلهما فكما حسن الوقف على مافي آم القرآن يحسن الوقف على مثل ذلك في غيرها ومنه هذا الذي في سورة الماعون ولا قبح في مثل هذا الوقف حيث إن الوقف على "المصلين" لا يمنع إرادة وملاحظة الصفتين بعده إذ الواقف عازم على إكمال السورة أو الآيات المتعلقة بالموضوع والسامع منتظر لباقي السورة أو الآيات فقد حصل غرض كل من التالي والسامع بإكمال الآيات المطلوبة ولو مع الأوقاف الفاصلة التي لا يقع الفصل إلا بزمن يتنفس فيه عادة نعم لو قطع القارىء قراءته عند قوله: "فويل للمصلين" لمنع إلا لعذر طارىء صده عن إتمام قراءته وهذا كله إن جعل النعتان في سورة الماعون تابعين كما هو الأصل. فإن جعلا مقطوعين كان الوقف عليه كافيًا حينئذ كما لا يخفى على كل من مارس علم القراءة والعربية إذ كل موصول وقع صفة يحتمل كونه تابعًا ومقطوعًا لعدم ظهور أثر الإعراب عليه لبنائه كما نص على ذلك بعض علماء العربية: وعليه فالسنة لما وقفت على رؤوس الآي التي صفاتها المبدوء بها تابعة لموصوفاتها في الإعراب لظهور الجر عليها المختص بالإتباع دل على أولوية الوقف على ما احتمل نعته الإتباع والقطع كالموصولات إذا وقع فاصلة من الفواصل المعتبرة سنة وعرفًا ومن ذلك ما كان في سورة الماعون التي فواصلها بالياء والنون وبعضها بالواو والنون وفيها فاصلة بالياء والميم ولا جرم أن الميم كالنون في مثل ذلك لاشتراكهما في جميع الصفات المتضادة وفي صفة الغنة. ومن ثم اعتبر ذلك نبينا محمد ﷺ فاصلة من فواصل أم القرآن فوقف على ﴿الرحيم﴾ [الفاتحة: ٣] بعد ﴿رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: ٢] وقبل ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] كما ثبت في بعض الآثار أنه وقف على ﴿المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] بعد ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقبل ﴿وَلاَ الضآلين﴾ [الفاتحة: ٧] اهـ منه بلفظه.
[ ١ / ٣٩٠ ]
هذا: وقد قرأت بالوقف على رؤوس الآي في العموم كما هو السنة على جميع شيوخي في جميع إجازاتي إفرادًا وجمعًا في أكثر من عشر ختمات في مختلف القراءات سبعية كانت أم عشرية. وبالوقف على رؤوس الآي مطلقًا آخذ قراءة وإقراء. فإن اتباع السنة من صدق الحب لمن سنها ﷺ. والله نسأل أن يحشرنا معه في الفردوس الأعلى آمين.
[ ١ / ٣٩١ ]