أما القطع: فمعناه في اللغة الإبانة والإزالة تقول قطعت الشجرة إذا أبنتها وأزلتها وفي الاصطلاح قطع القراءة رأسًا "أي الانتهاء منها" والقارىء به - أي بالقطع - كالمعرض عن القراءة والمنتقل منها إلى حالة أخرى غيرها كالذي يقطع على حزب أو ورد أو في ركعة ثم يركع وما إلى ذلك مما يؤذن بانتهاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى ولا يكون إلا على رؤوس الآي لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع بخلاف الوقف فقد يكون على رؤوس الآي وعلى أثنائها كما تقدم في صدر الباب. وإذا عاد القارىء إلى القراءة بعد أن قطعها فيستحب له الإتيان بالاستعاذة ثم بالبسملة إن كان العود من أول السورة وإن كان من أثنائها فله التخيير في الإتيان بالبسملة بعد التعوذ أو عدم الإتيان بها على ما تقدم في فصل الابتداء وعلى ما سيأتي في باب البسملة.
وأما السكت: فهو في اللغة المنع وفي الاصطلاح قطع الصوت زمنًا دون زمن الوقف من غير تنفس بنية العود إلى القراءة في الحال ويكون في وسط الكلمة وفي آخرها وعند الوصل بين السورتين لمن له ذلك وليس منهم حفص عن عاصم وأكثره وقوعًا على الساكن قبل الهمز سواء كان هذا الساكن صحيحًا أو شبه الصحيح أو كان حرف مد.
فالساكن الصحيح نحو ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] وهو المعروف بسكت "أل" ونحو ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] وهو المعروف بسكت المفصول ونحو القرآن في نحو قوله تعالى: ﴿الرحمان عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: ١-٢] . وهو المعروف بسكت الموصول.
[ ١ / ٤٠٧ ]
والساكن شبه الصحيح ما كان الساكن فيه حرف لين فقط ويشمل المفصول نحو ﴿خَلَوْاْ إلى﴾ [البقرة: ١٤] ﴿الرياح بُشْرًا﴾ [الأعراف: ٥٧] ويشمل كذلك الموصول نحو ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١] ﴿كَهَيْئَةِ الطير﴾ [آل عمران: ٤٩] .
والساكن حرف مد نحو ﴿قالوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] . ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] . ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السوء﴾ [الزمر: ٦١] وهو المعروف "بسكت المد".
وقد سكت حفص عن عاصم وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر وإدريس عن خلف العاشر على الساكن قبل الهمز ما لم يكن حرف مد في أحد الوجهين عنهم من طريق طيبة النشر. وقد تقدم القول فيه لحفص من هذا الطريق كما تقدم ما يجب عليه من أحكام تراعى حال الأداء عند الكلام على إشباع المد المتصل إلخ.
وكذلك سكت حمزة على الساكن قبل الهمز عمومًا سواء كان الساكن صحيحًا أو شبهه أو حرف مد من طريق طيبة النشر وهو المعروف "بالسكت المطلق" وهنا كلام يرجع إليه من مظانه في كتب الخلاف لحمزة وغيره تركنا ذكره هنا رغبة في الاختصار ومن أراد الوقوف عليه فليطلبه من كتبه إذ ليس محل ذكره هنا. ولكن سنتكلم على الضروري منه بالنسبة للوارد في رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية فحسب إذ هو طريق العامة فنقول وبالله التوفيق.
ورد عن حفص عن عاصم من الشاطبية أنه كان يسكت سكتة لطيفة من غير تنفس بقدر حركتين في حالة الوصل في أربعة مواضع في التنزيل بالاتفاق وهي كالآتي:
[ ١ / ٤٠٨ ]
السكتة الأولى: على الألف المبدلة من التنوين في لفظ ﴿عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] بأول الكهف حالة الوصل ثم يقول ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢] وهذا لا يمنع من الوقف على "عوجًا" لأنه رأس آية. وإنما السكت حالة وصل "عوجًا" بـ"قيمًا" فتأمل.
السكتة الثانية: على الألف من لفظ ﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [بياسين: ٥٢] ثم يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمان وَصَدَقَ المرسلون﴾ [يس: ٥٢] . ويجوز الوقف على لفظ "مرقدنا" وهو تام كما ذكره سيدي على النوري في غيث النفع وعليه فلا سكت عندئذ وعند عدم الوقف يجب السكت من الشاطبية.
السكتة الثالثة: على النون من لفظ "من" في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [بالقيامة: ٢٧] ثم يقول: "راق" ويلزم من السكت إظهار النون الساكنة عند الراء لأن السكت يمنع الإدغام.
السكتة الرابعة: على اللام من لفظ "بل" في قوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ﴾ [بالمطففين: ١٤] ثم يقول: "ران" ويلزم من هذا السكت أيضًا إظهار اللام عند الراء لأن السكت يمنع الإدغام هنا كذلك وسَكْتُ حفص في هذه المواضع الأربعة من النوع الذي يأتي على آخر الكلمة. قال الإمام الشاطبي ﵁ ونفعنا بعلومه:
وسكْتَةُ حفصٍ دون قطعٍ لطيفةٍ على ألِفِ التنوين في عِوَجًا بَلا
وفي نون مَنْ راق ومرْقَدِنا ولا م بل ران والباقُون لا سَكْتَ مُوصَلا اهـ
وكذلك يسكت حفص في وجه له بين السورتين من غير تنفس في موضع واحد في التنزيل وهو بين آخر سورة الآنفال وأول سورة براءة ومحله على الميم
[ ١ / ٤٠٩ ]
من "عليم" ثم يقول براءة: كما تقدم له في باب الإدغام السكت وعدمه على الهاء من لفظ "ماليه" في قوله تعالى: ﴿مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الآية: ٢٨-٢٩] بسورة الحاقة والوجهان صحيحان مقروء بهما والسكت هو المقدم في الأداء ومجمل القول أن حفصًا عن عاصم له في القرآن الكريم ست سكتات أربع منهن لم يشاركه فيهن أحد من القراء وهن المذكورات أولًا.
والخامسة: بين آخر الأنفال وأول براءة وقد شاركه فيها باقي القراء العشرة في وجه لهم.
والسادسة: في أحد الوجهين عنه على الهاء من "مالية هلك" بالحاقة وقد شاركه فيها باقي القراء العشرة في أحد الوجهين عنهم كذلك إلا حمزة ويعقوب فتأمل.
وأما قول فضيلة الدكتور محمد سالم محيسن في كتاب الرائد في تجويد القرآن في بيان حكم السكت لحفص على آخر الكلمات الأربع الأولى "يجوز لحفص السكت بدون تنفس مقدار حركتين على الكلمات الآتية: "عوجًا" من قوله تعالى: ﴿عِوَجَا قَيِّمًا﴾ [الآية: ١-٢] بسورة الكهف، "مرقدنا" من قوله تعالى: ﴿مَّرْقَدِنَا هَذَا﴾ [الآية: ٥٢] بسورة يس، "من" من قوله تعالى: ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ [الآية: ٢٧] بسورة القيامة، "بل" من قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ﴾ [الآية: ١٤] بسورة المطففين" أهـ فظاهر عبارته تخيير القارىء بين السكت وعدمه. وهذا إن كان من طريق طيبة النشر فصحيح لكنه لم يذكر ذلك ولم يشر إلى ما يجب عليه من وجوه الأداء وهذا منه قصور وتقصير فإن التفصيل في المسألة مشهور وحاصله أن لحفص من طريق طيبة النشر هذه
[ ١ / ٤١٠ ]
خمسة مذاهب وبها نأخذ قراءة وإقراء وهي كالتالي:
الأول: السكت على الجميع.
الثاني: عدم السكت على الجميع كذلك.
الثالث: السكت على عوجًا ومرقدنا وحدهما.
الرابع: السكت على "من راق، "بل ران" دون غيرهما.
الخامس: عدم السكت على مرقدنا والسكت في غيره.
وعلى كل من هذه المذاهب الخمسة أحكام خاصة وأوجه أداء لا تنفك عنها وقد ذكرنا لك طرفًا منها عند الكلام على قصر المد المنفصل لحفص من طريق طيبة النشر في هذا الكتاب وليس هذا محل تفصيلها ولعلنا نفرد فيما بعد كتابًا لأحكام التجويد لحفص من طريق طيبة النشر فإن يسر الله ذلك تجده مستوفى فيه بما لا مزيد عليه إن شاء الله.
وأما إن كان مراد فضيلة الدكتور المذكور بقوله المتقدم أن السكت الذي تكلم عنه إنما هو من طريق الشاطبية الذي هو طريق عامة من يقرأ - فلا تخيير - وإنما يتعين السكت وجهًا واحدًا على المواضع الأربعة المذكورة لمن يقرأ لحفص من هذه الطريق كما أسلفنا.
ولعلك تفهم من ذلك أن المؤلف المذكور جرى في عبارته تلك على مذهبه الذي ينتحله من إيراد الوجوه مطلقة من غير ضبط ولا تقييد. وهذا فيه ما فيه من
[ ١ / ٤١١ ]
خلط الطرق وتركيب الوجوه الذي بينا لك حكمه من قبل أنه حرام وأنه يؤدي إلى قراءة ما لم ينزل كما قاله العلامة القسطلاني شارح البخاري وقد سقنا لك عبارته آنفًا فلا تلتفت إلى قول الدكتور المذكور ولا تأبه له فإنه خلاف الصواب.
هذا: وقد ذكرنا بعض أحكام عدم السكت على هذه المواضع والوجوه المرتبة عليه في الأداء على القراءة بقصر المنفصل وإشباع المتصل لحفص من طريق طيبة النشر في باب المد والقصر من كتيبنا هذا وبالله التوفيق.
الخاتمة: نسأل الله تعالى حسنها: تقدم في أول باب الصفات أن منها صفات عرضية. وهي التي تعرض للحرف في بعض الأحوال وتنفك عنه في البعض الآخر لسبب من الأسباب كالتفخيم والترقيق وقد تقدم توضيح ذلك بما فيه الكفاية: وعدد هذه الصفات إحدى عشرة صفة وها هي كما ذكرناها هناك: التفخيم والترقيق والإظهار والإدغام والقلب والإخفاء والمد والقصر والتحريك والسكون والسكت كما حكاه بعضهم وقد وعدنا هناك بالكلام عليها في الأبواب التي نتعرض لها في مختصرنا هذا.
والآن نلفت نظر القارىء إلى أننا قد أتممنا الكلام عليها في الأبواب السابقة التي ورد ذكرها فيها: فصفتا التفخيم والترقيق قد مضتا في باب التفخيم والترقيق. وصفة الإظهار والإدغام والإخفاء قد سبق الكلام عليها في بابي النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة وغيرهما كباب الإدغام مثلًا. وصفة القلب قد مضت في باب النون الساكنة والتنوين وصفتا المد والقصر قد تقدم الكلام عليهما في باب المد والقصر. كما تقدم الكلام على صفتي التحريك والسكون في باب الوقف والابتداء إذ الوقف لا يكون إلا بالتسكين والابتداء لا يكون إلا بالتحريك. وكذلك تم الكلام على صفة السكت في باب الوقف والابتداء أيضًا في فصل القطع والسكت. وهنا يمكن لنا أن نقول إن فن التجويد قد انحصر جله في بابي المخارج والصفات فتأمل والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ٤١٢ ]