وجملة هذه الأحرف سعبة عشر حرفًا وهي كالآتي:
الحرف الأول: الباء المجزومة من الفاء نحو ﴿أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ [النساء: ٧٤] ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] وما شاكل هذا وسبب الإدغام هنا التقارب.
الحرف الثاني: اللام المجزومة في الذال المعجمة في ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١] حيث وقع هذا اللفظ بعينه في القرآن الكريم. وسبب الإدغام هنا التقارب.
أما إذا كانت اللام غير مجزومة فلا تدغم بالإجماع كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فتنبه.
الحرف الثالث: الفاء المجزومة في الباء الموحدة في موضع واحد في التنزيل في قوله تعالى بسبأ: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض﴾ [الآية: ٩] وسبب الإدغام هنا التقارب أيضًا. وتضعيف الزمخشري وغيره لهذا الإدغام رده غير واحد من الثقات كالإمام أبي حيان وهي قراءة سبعية متواترة كما هو مقرر.
الحرف الرابع: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق في لفظ ﴿عُذْتُ﴾ [الدخان: ١] نحو
[ ١ / ٢٤٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [الدخان: ١] .
الحرف الخامس: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق أيضًا في لفظ ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ [طه: ٩٦] بسورة طه ليس غير، وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب.
الحرف السادس: الثاء المثلثة في التاء المثناة فوق في لفظ ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ [في الأعراف: ٤٣] [والزخرف: ٧٢] .
الحرف السابع: الراء المجزومة في اللام نحو ﴿واصطبر لِعِبَادَتِهِ﴾ [ريم: ٦٥] وسبب الإدغام هنا التجانس حسبما ذهب إليه الفراء وموافقوه أما على مذهب الجمهور فسببه التقارب.
الحرف الثامن والتاسع: النون في الواو من هجاء ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ [يس: ١-٢] ﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ولا ثالث لهما في التنزيل. وسبب الإدغام التقارب.
الحرف العاشر: الدال المهملة من هجاء ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] والذال المعجمة من ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: ٢] بفاتحة مريم والسبب هنا التقارب.
الحرف الحادي عشر: الدال المهملة المجزومة في الثاء المثلثة في ﴿يُرِدْ ثَوَابَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] في الموضعين بآل عمران.
الحرف الثاني عشر: الثاء المثلثة في التاء المثناة فوق في كلمتي ﴿
[ ١ / ٢٥٠ ]
لَبِثْتُ﴾ [البقرة: ٢٥٩] و﴿لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] كيف وقعتا في النزيل مفردة أو مجموعة كما في المثال وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب أيضًا.
الحرف الثالث عشر: النون في الميم من هجاء ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] فاتحة الشعراء والقصص.
الحرف الرابع عشر: الذال المعجمة في التاء المثناة فوق في لفظ "أخذت" كيف جاء في القرآن أو كما عبر الإمام المتولي في هذا الحرف "بباب الاتخاذ" أي كيف وقع سواء كان مفردًا أو مجموعًا نحو ﴿أَخَذْتُ﴾ [فاطر: ٢٦] و﴿أَخَذْتُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] و﴿لَتَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧] و﴿فاتخذتموهم﴾ [المؤمنون: ١١٠] وما إلى ذلك وسبب الإدغام هنا وفيما سبق التقارب.
الحرف الخامس عشر: الباء الموحدة من لفظ "يعذب" في ميم "من" بسورة البقرة خاصة في قوله عز من قائل: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] والإدغام في هذا الحرف خاص بمن قرأ بالجزم في باء يعذب: أما من قرأ بالرفع ومنهم حفص عن عاصم فلا إدغام عنده بحال فتنبه.
هذا: ووجه من أدغم هنا التجانس.
الحرف السادس عشر: الثاء المثلثة في الذال المعجمة من لفظ ﴿يَلْهَث ذَّلِكَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] بالأعراف خاصة وسبب الإدغام هنا التجانس كذلك.
الحرف السابع عشر: الباء الموحدة الساكنة في الميم من ﴿
[ ١ / ٢٥١ ]
اركب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢] بهود وسبب الإدغام هنا التجانس أيضًا.
والآن قد تم الكلام على الأحرف السبعة عشر المدغمة جوازًا وقد تقدم معنى الجواز غير مرة: ونقول أن كل حرف منها قد اختلف الأئمة القراء فيه. فمنهم من أظهر على الأصل. ومنهم من أدغم على الجواز سواء أكان الإدغام متفقًا عليه أم مختلفًا فيه وهذا كله مبسوط في كتب القراءات تركنا ذكره هنا طلبًا للاختصار ومراعاة للمبتدئين وبالنسبة لحفص عن عاصم فإنه قرأ بالإظهار وجهًا واحدًا في كلها باستثناء أحرف ثلاثة. فأدغم في واحد منها بالإجماع. واختلف عنه في الحرفين الباقيين.
أما الحرف المتفق على إدغامه عنه فهو النون في الميم من هجاء "طسَمَ" فاتحة الشعراء والقصص.
وأما الحرفان المختلف عنه فيهما.
فأولهما: الثاء المثلثة في الذال المعجمة في ﴿يَلْهَث ذَّلِكَ﴾ [بالأعراف: ١٧٦] .
وثانيهما: الباء في الميم في ﴿اركب مَّعَنَا﴾ [بهود: ٤٢] .
وهنا شيء هام يجب معرفته بالنسبة لهذين الحرفين وهو: أن الإدغام فيهما جاء عن حفص عن عاصم من طريق الشاطبية بالاتفاق. وجاء عنه من طريق الطيبة بالخلاف وهذا يفيد أن لحفص الوجهين الإظهار والإدغام في هذين الحرفين من طريق الطيبة وعليه:
فيكون الإظهار لحفص زائدًا له على ما في الشاطبية. ولا يجوز للقارىء أن يقرأ بوجه الإظهار لحفص في هذين الحرفين إلا إذا علم بطريق التلقي ما يترتب عليه من أحكام يجب مراعاتها ولا يجوز مخالفتها بحال لأن هذه الأحكام إذا تركت ولم تراع في التلاوة فيعد كذبًا في الرواية.
وقد وقع في بعض كتب المحدثين الكثير من هذا وشبهه ولم ينبه الطالب في هذه الكتب إلى ما أشرنا إليه وترك الكلام فيها مطلقًا ولابد من تقييده بما ذكرنا. فلا تغتر أخي بما جاء في هذه الكتب مما يفيد ترك الأحكام الواجب
[ ١ / ٢٥٢ ]
اتباعها على أحكام ذكرت لحفص من الطيبة كوجه الإظهار في هذين الحرفين. وإن شاء الله تعالى سأتتبع هذه الكتب وأبين في كتابنا هذا ما جاء فيها من أوجه زائدة لحفص من الطيبة ولم ينبه أصحابها عليها.
وإن مد الله في العمر فالنية متجهة إلى إفراد الأوجه الزائدة لحفص من طريق الطيبة وما يترتب عليها من أحكام يجب اتباعها في كتاب خاص لأن ذكرها في هذا الكتاب يشوش على المبتدئين والله ولي التوفيق.
تتمة: ذكر أئمتنا فصلًا سادسًا في الإدغام الجائز وهو فصل أحكام النون الساكنة والتنوين وهذا الفصل أكثر مسائله إجماعية.
والحق أن ذكره في المدغم وجوبًا أولى لأن الإدغام الذي جاء فيه متفق عليه بين عامة القراء وإنما الخلاف الذي جاء فيه بينهم من جهة بقاء صفة الغنة في المدغم وعدم بقائها مما سيأتي بيانه في كتابنا هذا عند الكلام على كمال الإدغام ونقصانه.
وقد تقدم الكلام مستوفى على هذا الفصل فارجع إليه والله الموفق.
أقسام الإدغام الصغير من حيث الكمال والنقصان
ينقسم الإدغام الصغير في غير الأقسام المتقدمة التي هي الإدغام الواجب والجائز والممتنع إلى قسمين آخرين: كامل، وناقص، ولكل منهما حد يخصه وحقيقة يتميز بها عن الآخر.
الإدغام الكامل
أما حقيقة الإدغام الكامل فهو سقوط المدغم ذاتًا وصفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفًا واحدًا مشددًا تشديدًا كاملًا وذلك نحو ﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ [النساء: ٢٠] ﴿وَقُل رَّبِّ﴾ [طه: ١١٤] ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ﴿مِّن
[ ١ / ٢٥٣ ]
لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [النور: ٣٣] ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ونحو ﴿الراكعون﴾ [التوبة: ١١٢] .
ومن ثم نرى أن التاء من ﴿فَآمَنَت﴾ [الصف: ١٤] في المثال الأول أبدلت طاء ثم أدغمت في الطاء من "طائفة" فانعدمت ذاتًا وصفة وصار النطق بنون مفتوحة بعدها طاء مفتوحة مشددة وكذلك القول في باقي الأمثلة المذكورة هنا وما شابهها من غيرها. وسمي كاملًا لاستكمال التشديد.
الإدغام الناقص
وأما حد الإدغام الناقص فهو سقوط المدغم ذاتًا لا صفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفًا واحدًا مشددًا تشديدًا ناقصًا وذلك من أجل بقاء صفة المدغم نحو إدغام الطاء الساكنة في التاء المثناة فوق نحو ﴿أَحَطتُ﴾ [النمل: ٢٢] ﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: ٢٨] .
وسمي ناقصًا لأنه غير مستكمل التشديد من أجل بقاء صفة المدغم وهي هنا صفة الإطباق وكيفية أداء الإدغام هنا المحافظة على سكون الطاء من غير قلقلة وهذا هو المراد من بيان إطباق الطاء وذلك لئلا تشتبه بالتاء المدغمة المجانسة لها في المخرج ولا يضبط هذا الإدغام إلا بالمشافهة والسماع من شيوخ الأداء.
ومنه أيضًا إدغام القاف الساكنة في الكاف من ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] بالمرسلات في أحد الوجهين ويسمى إدغامًا ناقصًا لأنه غير مستكمل التشديد أيضًا
[ ١ / ٢٥٤ ]
من أجل بقاء صفة المدغم وهي هنا صفة الاستعلاء التي في القاف.
كيفية أداء الإدغام الناقص في ألم نخلقكم
وكيفية أداء هذا الإدغام المحافظة على سكون القاف من غير قلقلة أيضًا.
أما الوجه الآخر في هذا الكلمة فهو إدغام القاف في الكاف إدغامًا كاملًا بإسقاطها ذاتًا وصفة وبذلك يصير النطق بلام مضمومة بعدها كاف مضمومة مشددة تشديدًا كاملًا. والوجهان صحيحان مقروء بهما لجميع القراء إلا أن الإدغام الكامل هو الأولى والمختار عند الجمهور المقدم في الأداء وقد حكى غير واحد الإجماع عليه.
وقد أشار بعضهم إلى كيفية أداء الوجهين في لفظ ﴿نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] بقوله:
فبعضهم أتى بالقاف غير مقلقل وبعضٌ أَتى بالكاف خالصةً تلا أهـ
كما أشار إلى ما ذكرناه من كيفية الإدغام الناقص في نحو ﴿بَسَطتَ﴾ [المائدة: ٢٨] وإلى الخلاف في ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:
وبيّن الإطباقَ منْ أحطتُ مَعْ بسطتَ والخُلْفُ بنخْلُقكم وَقَعْ اهـ
ومن الإدغام الناقص أيضًا إدغام النون الساكنة ولو تنوينًا في الواو والياء
[ ١ / ٢٥٥ ]
بالغنة نحو ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] ﴿إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] .
وسمي الإدغام هنا ناقصًا لأنه غير مستكمل التشديد من أجل بقاء صفة الغنة في المدغم فهي بمنزلة حرف الإطباق الموجود مع الإدغام في نحو ﴿فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] وبمنزلة حرف الاستعلاء الموجود مع الإدغام في ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم﴾ [المرسلات: ٢٠] على القول بنقصانه.
وأما إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء من غير غنة في نحو ﴿مِن لَّدُنِّي﴾ [الكهف: ٧٦] ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠] ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢] فمن قبيل الإدغام الكامل لانعدام المدغم. ذاتًا وصفة بإدغامه في المدغم فيه ولاستكمال التشديد.
أما إذا قرىء ببقاء صفة الغنة وهي قراءة الأئمة "نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر وعاصم من رواية حفص في أحد الوجهين عنهم من طريق طيبة النشر". فالإدغام من قبيل الإدغام الناقص لعدم استكمال التشديد فيه من أجل بقاء صفة الغنة نص على ذلك الحافظ أبو عمرو الداني في المحكم كما سيأتي والعلامة المارغني في شرح ضبط الخراز وكذلك العلامة الضباع في تذكرة الإخوان وغيرهم.
[ ١ / ٢٥٦ ]
كيفية إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء بالغنة
وأما الغنة في هذا الإدغام فتجعل على اللام والراء نبه على ذلك العلامة الخليجي الإسكندري في كتابه تيسير الأمر وبذلك قرأ وبه أقرىء.
هذا: ويستثنى من قراءة الإمام نافع رواية ورش من طريق الأزرق حيث قرأ بعدم بقاء صفة الغنة في هذا الإدغام.
وأما إدغام النون الساكنة ولو تنوينًا في النون والميم في نحو ﴿إِن نَّقُولُ﴾ [هود: ٥٤] ﴿يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿مِن مَّآءٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] ﴿مَثَلًا مَّا﴾ [البقرة: ٢٦] فمن قبيل الإدغام الكامل على الصحيح لاستكمال التشديد فيه وذلك لسقوط المدغم ذاتًا وصفة بانقلابه من جنس المدغم فيه كما هو واضح من النطق وهذا هو المعتمد والمأخوذ به وعليه الجمهور.
وذهب بعضهم إلى أنه من قبيل الإدغام الناقص بحجة أن الغنة منعت كمال التشديد فيه وألحقوه بإدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء مع الغنة في
[ ١ / ٢٥٧ ]
نقصانه. وجاء هذا في بعض شراح المقدمة الجزرية وغيرها ككتاب العقد الفريد الكبير والرعاية.
ونقول: إن هذا القول مخالف لما عليه الجمهور ومردود عليه بأكثر من رد وكلها تؤيد أن إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم من قبيل الإدغام الكامل. ومن تلك الردود ما قاله الإمام أبو شامة نَقَلَهُ عن صاحب "نهاية القول المفيد" ونصه وأما إدغامهما في النون والميم فهو إدغام محض لأن في كل من المدغم والمدغم فيه. غنة فإذا ذهبت إحداهما يعني غنة المدغم بالإدغام بقيت الأخرى وهذا مذهب الجمهور فالتشديد مستكمل على مذهبهم" أهـ بلفظه. قال الفقير وممَّا يعضد قول الحافظ أبي شامة وغيره من الأئمة الذين لم يرتضوا نقصان الإدغام في هذه الحالة قول علماء فن الضبط في هذه المسألة حيث قالوا بكمال الإدغام حال إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم وأورد هنا بعضًا من كلام المتقدمين منهم والمتأخرين فأقول وبالله التوفيق.
جاء في "كتاب المحكم في نقط المصاحف" للحافظ أبي عمرو الداني ﵀ في باب ذكر حكم النون الساكنة وما بعدها - أي من الحروف - في حال البيان والإدغام والإخفاء عند ذكره لنقط الإدغام ما حاصله أي إن النون الساكن تدغم إدغامًا صحيحًا وتدخل إدخالًا شديدًا إذ أتى بعدها اللام والراء والنون والميم وكذلك إذا أتى بعدها الواو والياء على مذهب من أذهب الغنة عندهما ولم يبق لها أثر مع الإدغام. وعلى مذهب من بين غنة النون عند اللام والراء والواو والياء لم تدغم النون إدغامًا تامًّا لأنها لم تنقلب إلى لفظ هذه الحروف قلبًا صحيحًا ولم تدغم فيها إدغامًا تامًّا لبقاء صوتها الذي لها من الخيشوم وهو الغنة. وقال ﵁
[ ١ / ٢٥٨ ]
بنحو ذلك في باب التنوين قبل باب النون في الكتاب نفسه أهـ بمعناه.
وجاء في شرح ضبط الخراز للعلامة المارغني ما حاصله أيضًا "أن من الإدغام الكامل إدغام النون الساكنة والتنوين في أربعة أحرف وهي: اللام والميم والنون والراء وجمعها لفظ النظم في جملة "لم نر" وكذلك الواو والياء عند من قرأ بإدغامهما فيهما بغير غنة وأن من الإدغام الناقص إدغامهما في الواو والياء بالغنة وكذلك اللام والراء عند من أدغم وأبقى الغنة" أهـ بمعناه أيضًا.
بعد هذا أصبح من الواضح تمامًا أن إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم من الإدغام الكامل وهو الصحيح المأخوذ به عند الجمهور وهو الذي تلقيناه عن مشايخنا في الجامع الأزهر المعمور فتأمله والله الموفق.
وصفوة القول أن الفرق بين الإدغام الكامل والناقص هو أن الإدغام الناقص يبقى في المدغم وصفه سواء أكان إطباقًا أم استعلاء أم غنة وأن الإدغام الكامل هو الذي لا يبقى للمدغم أثر وذلك بسقوطه ذاتًا وصفة وإدغامه في المدغم فيه.
وهذا ما أشار إليه العلامة السمنودي في لآلىء البيان في تقسيم الإدغام بقوله:
ذا ناقِصٌ إنْ يبقَ وصْفُ المدغَم وكاملٌ إنْ يُمْحَ ذا فَلْتَعْلَمِ اهـ
ومعنى سقوط المدغم في كل ما مر ذكره إنما هو في اللفظ لا في الخط فتأمل.
تتمة: قد يعبر عن الإدغام الناقص بالإدغام غير المحض ناقص التشديد وعن الإدغام الكامل بالإدغام المحض كامل التشديد وبالإدغام التام وبالخالص وكلها ألفاظ مترادفة فتفطن وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الخاتمة نسأل الله تعالى حسنها في الكلام على كلمة تأمنا
كلمة "تأمنا" جاءت في سورة سيدنا يوسف على نبينا سيدنا محمد وعليه أفضل الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] والأصل فيها "تأّمَنُنَا" على وزن تضمننا بنونين مظهرتين الأولى مرفوعة وهي لام الفعل والثانية مفتوحة وهي نون المتكلم وقد أجمعت المصاحف على كتابتها بنون واحدة على خلاف الأصل. والحكم فيها متعلق بالإدغام الكبير الذي تركنا ذكره هنا طلبًا للاختصار ولعدم تعلقه برواية حفص ولما كان الحكم فيها متفق عليه بين جمهور القراء والذين منهم حفص عاصم كان من الواجب ذكر ما فيها من أحكام التلاوة ووفاء بما وعدنا به من الكلام عليها في باب المثلين نقول وبالله التوفيق.
يجوز في هذه الكلمة لحفص عن عاصم كغيره من الأئمة العشرة باستثناء الإمام أبي جعفر وجهان صحيحان مقروء بهما.
الأول: إدغام النون الأولى في الثانية مع الإشمام.
الثاني: الاختلاس أي اختلاس ضمة النون الأولى وحينئذ يمتنع إدغام
[ ١ / ٢٦٠ ]
النون الأولى في الثانية مطلقًا لتعذر الإتيان به لأن من شرط الإدغام تسكين المدغم وهو هنا النون الأولى وهي لا تزال متحركة وإن كانت حركتها غير كاملة بسبب اختلاسها فلا تكون مدغمة والحالة هذه.
هذا: ووجه الاختلاس وكذلك وجه الإشمام لا يحكمان إلا بالمشافهة والسماع من أفواه الشيوخ المحققين الآخذين ذلك عن شيوخهم.
ووجه الاختلاس هو المقدم في الأداء والله تعالى أعلى وأعلم وأعز وأكرم.
[ ١ / ٢٦١ ]