من معاني القلب في اللغة التحويل وفي الاصطلاح: جَعْلُ حرفٍ مكان آخر مع مراعاة الغنة والإخفاء في الحرف المقلوب. وله حرف واحد هو "الباء الموحدة" فإذا وقع بعد النون الساكنة سواء أكان معها في كلمة أم في كلمتين أم بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر أم بعد نون التوكيد الخفيفة المتصلة بالفعل المضارع الشبيهة بالتنوين. وجب قلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد ميمًا خالصة لفظًا لا خطًّا مخفاة مع إظهار الغنة وذلك نحو ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الشورى: ١٤] ﴿والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ [التغابن: ٤] ونون التوكيد في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بالناصية﴾ [العلق: ١٥] ولا ثاني لها في التنزيل بالنسبة للقلب وسمي بالقلب لقلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد الخفيفة ميمًا خالصة في اللفظ لا في الخط.
هذا: ولا يتحقق القلب إلا بثلاثة أعمال مأخوذة من التعريف ومن الدليل الآتي بعد وهي كالآتي:
الأول: قلب النون الساكنة أو التنوين أو نون التوكيد الخفيفة ميمًا خالصة لفظًا لا خطًّا تعويضًا صحيحًا بحيث لا يبقى أثر بعد ذلك للنون الساكنة والمؤكدة والتنوين.
الثاني: إخفاء هذه الميم عند الباء.
الثالث: إظهار الغنة مع الإخفاء: والغنة هنا صفة الميم المقلوبة لا صفة النون والتنوين.
[ ١ / ١٦٧ ]
هذا: ونلفت نظر القارىء الكريم إلى شيء هنا يجب أن يراعيه حال أداء القلب وهو أن يحترز عند التلفظ به من كلا الشفتين على الميم المقلوبة لئلا يتولد من كزهما غنة من الخيشوم ممططة فليسكن الميم بتلطف من غير ثقل ولا تعسف وكذلك الحكم بعينه في إخفاء الميم الساكنة قبل الباء نحو ﴿فاحكم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الحق لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] على القول بالإخفاء كما سيأتي.
ووجه القلب: أنه لم يحسن الإظهار لأنه يستلزم الإتيان بالغنة في النون والتنوين ثم إطباق الشفتين من أجل النطق بالباء عقب الغنة وفي كل هذا عسر وكلفة. وكذلك لم يحسن الإدغام لبعد المخرج وفقد السبب الموجب له. ولما لم يحسن الإظهار ولا الإدغام تعين الإخفاء ثم توصل إليه بالقلب ميمًا لمشاركتها للباء مخرجًا وللنون غنة:
وقد أشار العلامة الجمزوري في تحفته إلى حكم القلب بقوله فيها:
والثالِثُ الإقلاب عندَ الباءِ ميمًا بغُنَّة معَ الإخفاءِ اهـ