من معاني الإدغام في اللغة الإدخال: وفي الاصطلاح: التقاء حرف ساكن بحرف متحرك بحيث يصير الحرفان حرفًا واحدًا مشددًا يرتفع اللسان بهما ارتفاعة واحدة وهو بوزن حرفين.
وحروفه في هذا الباب ستة مجموعة في قول صاحب التحفة "يرملون" وهي الياء المثناة تحت والراء والميم واللام والواو والنون. فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الستة بعد النون الساكنة بشرط أن تكون النون آخر الكلمة وأحد هذه الأحرف أول الثانية. أو بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين وجب إدغمها وتسمى النون الساكنة والتنوين مدغمًا بفتح الغين ويسمى أحد حروف (يرملون) مدغمًا فيه. وينقسم هذا الإدغام إلى قسمين:
الأول: إدغام بغنة.
الثاني: إدغام بغير غنة ولكل تفصيل نوضحه فيما يلي:
الإدغام بغنة: يختص هذا الإدغام بأربعة أحرف من حروف "يرملون" مجموعة في قول الكثير من أئمتنا في لفظ "ينمو" وهي الياء المثناة تحت والنون والميم والواو فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الأربعة بعد النون الساكنة بشرط انفصاله عنها كما تقدم أو بعد التنوين أو بعد نون التوكيد الخفيفة المتصلة بالفعل المضارع الشبيهة بالتنوين وجب الإدغام ويسمى إدغامًا بغنة وإليك أمثلة الجميع مع هذه الأحرف:
فالياء: نحو ﴿إِن يَقُولُونَ﴾ [الكهف: ٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ﴾ [النور: ٢٥] .
[ ١ / ١٦٢ ]
والنون: نحو ﴿إِن نَّقُولُ﴾ . [هود: ٥٤] ﴿مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [البقرة: ٢٤٦] .
والميم: نحو ﴿مِّن مَّآءٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وبعد نون التوكيد الخفيفة في قوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِّن الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢] ولا ثاني لها في التنزيل بالنسبة للإدغام.
والواو: نحو ﴿مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] . وسمي إدغامًا لإدغام النون والتنوين في حروف (ينمو) بشرطه المذكور آنفًا وسمي بغنة لمصاحبة الغنة له سواء أكانت للمدغم أم للمدغم فيه وسيأتي توضيح المدغم والمدغم فيه قريبًا.
أما إذا اجتمعت النون الساكنة مع حرف من حروف ينمو في كلمة واحدة فيمتنع الإدغام ويجب الإظهار اتفاقًا ويسمى إظهارًا مطلقًا لأنه ليس من الإظهار الحلقي المتقدم ولا من الشفوي ولا من القمري الآتي ذكرهما بعد.
ولم يجتمع مع النون الساكنة من حروف ينمو في كلمة واحدة إلا الياء والواو فالياء في كلمتي ﴿الدنيا﴾ [الحديد: ٢٠] ﴿بُنْيَانًا﴾ [الكهف: ٢١] حيث جاءتا في التنزيل. والواو في كلمتي ﴿قِنْوَانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] ﴿صِنْوَانٌ﴾ [الرعد: ٤] . وإنما وجب الإظهار هنا لئلا يشتبه بالمضاعف وهو ما تكرر أحد أصوله كصوان ورمان فلو أدغمت النون في الياء أو في الواو لقيل الديا وصوان فيلتبس الأمر بين ما أصله النون فأدغمت نونه وبين ما أصله التضعيف فلذا أظهرت النون خوف الالتباس. قال الإمام ابن بري في الدرر:
[ ١ / ١٦٣ ]
وتُظْهَرُ النونُ لواو أوْيَا في نحو قِنْوان ونحو الدُّنْيا
خِيفةَ أنْ تُشْبهِ في ادِّغامه ما أصلُهُ التَّضعيفُ لالتزَامِهِ اهـ
الإدغام بغير غنة:
ولهذا الإدغام الحرفان الباقيان من أحرف "يرملون" بعد إسقاط حروف ينمو المتقدمة وهما اللام والراء. فإذا وقع حرف منهما بعد النون الساكنة بشرط انفصاله عنها كما تقدم أو بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين كما هو معروف وجب إدغامهما ويسمى إدغامًا بغير غنة فتبدل النون الساكنة وكذلك التنوين لامًا عند اللام وراء الراء وتدغم اللام في اللام والراء في الراء إدغامًا تامًّا نحو ﴿ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سبأ: ١٥] ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٧] .
ويستثنى من ذلك لحفص عن عاصم إدغام النون في الراء من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] بسبب سكته عليها بلا تنفس وذلك لأن السكت يمنع الإدغام كما يمنع ملاقاة النون بالراء. ولولا السكت لأدغمت على القاعدة.
ووجه الإدغام بغنه: التماثل بالنسبة للنون والتجانس في الجهر والاستفال والانفتاح بالنسبة للواو والياء. والتجانس في الغنة وفي سائر الصفات الخمس بالنسبة للميم هذا ما قاله بعضهم وفيه كلام سنأتي عليه في باب الإدغام إن شاء الله.
[ ١ / ١٦٤ ]
ووجه الإدغام بغير غنه: التقارب في المخرج على مذهب الجمهور والتجانس على مذهب الفراء وموافقيه إذ النون واللام والراء يخرجن من مخرج واحد على مذهبه كما تقدم. ووجه حذف الغنة هنا المبالغة في التخفيف لأن في بقائها بعض من الثقل وإنْ قرىء به في المتواتر كما سيأتي.