المسألة الثانية في أسباب المد الفرعي
للمد الفرعي سببان لتفظي ومعنوي:
فأما السبب اللفظي فنوعان الهمز والسكون مطلقًا وهما سببان لزيادة المد الفرعي عن المد الأصلي - الطبيعي - إذا وجد أحدهما بعد حرف المد واللين أو بعد حرف اللين وحده وسيأتي مزيد بيان لذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وأما السبب المعنوي فهو قصد المبالغة في النفي وهو من الأسباب القوية المقصودة عند العرب وإن كان ضعيفًا عند القراء وهو نوعان أيضًا.
الأول: المد للتعظيم وهو في "لا" النافية للجنس في كلمة التوحيد خاصة نحو ﴿لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ [محمد: ٣٠] ﴿لاَّ إلاه إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] ﴿لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ٦-١٨] ويسمى بمد المبالغة أيضًا لأنه طلب للمبالغة في نفي الألوهية عما سوى الله تعالى.
[ ١ / ٢٧٦ ]
الثاني: مد التبرئة وهو ثابت عن الإمام حمزة أحد القراء السبعة في أحد الوجهين عنه من طريق طيبة النشر لكن لا يبلغ به حد الإشباع بل يقتصر فيه على التوسط وقدره أربع حركات وذلك لضعف سببه عن السبب اللفظي ومثاله: ﴿لاَ رَيْبَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] ﴿لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وما إلى ذلك.
هذا: وقد رَدَّ مُلاّ على القارى في شرحه على المقدمة الجزرية المد للتعظيم لأصحاب قصر المنفصل. وكذلك وصف مد التبرئة الوارد عن الإمام حمزة بأنه رواية شاذة عند أهل الدراية. وحجته في هذا وذاك عدم ورودهما من طريق الشاطبية.
أقول: أما المد للتعظيم لأصحاب قصر المنفصل فهو صحيح ثابت في أحد الوجهين عنهم من طريق طيبة النشر قرأت به على جميع شيوخي من هذا الطريق وبه آخذ قراءة وإقراء وسيأتي ذكره مع الأحكام المترتبة عليه بالنسبة لحفص عن عاصم.
وأما مد التبرئة في لا النافية للجنس فهو قراءة صحيحة سبعية متواترة ليست
[ ١ / ٢٧٧ ]
بشاذة جاءت عن الإمام حمزة في أحد الوجهين عنه من طريق طيبة النشر كما تقدم وبهذه القراءة قرأت على جميع شيوخي من هذا الطريق وبها آخذ قراءة وإقراء. وقد قال الإمام حمزة نفسه فيما نقله عنه الحافظ الذهبي وغيره "ما قرأت حرفًا من كتاب الله إلا بأثر".
وأما عن عدم ورود هذين المدين من طريق الشاطبية فلا يمنع ورودهما وصحتهما من طريق غيرها كالنشر وطيبته. وكم من قراءات لا يأتي عليها العد صحت واستفاضت وتواترت عن الأئمة السبعة من غير طريق الشاطبية وتلقتها الأمة بالقبول ولم تقلل من شأنها. ومن قرأ كتاب النشر للحافظ ابن الجزري عرف تلك القراءات. والذي يظهر أن مُلاَّ علي القارى لم يقرأ بما جاء في كتاب النشر ولو قرأ القرآن الكريم بما جاء فيه ما رد المد للتعظيم لأصحاب القصر في المنفصل ولا حكم بشذوذ قراءة حمزة بمد التبرئة. وكأنه كان يرى - ﵀ - أن كل قراءة جاءت عن الأئمة السبعة من غير طريق الشاطبية فهي قراءة شاذة وهذا عجيب من عالم كبير كالقارى.
واحترازًا عن فهم مثل هذا فقد اعتنى أئمتنا بسرد الزيادات التي ثبتت وتواترت واستفاضت عن الأئمة السبعة من غير الشاطبية في كتب مستقلة بها كالعلامة أحمد الطيبي في كتابه "التنوير فيما زاد للسبعة الأئمة البدور على ما في الحرز والتيسير".
كما اعتنوا بسرد الزيادات التي صحت وتواترت واستفاضت عن الأئمة العشرة من غير طريق الشاطبية والدرة في كتب مستقلة بها كذلك كالعلامة الشيخ محمد محمد هلالي الإبياري في كتابيه "منحة مولى البر: فيما زاده كتاب النشر:
[ ١ / ٢٧٨ ]
في القراءات العشر" وشرحها "القول المبين، المستقر بشرح منحة مولى البر".
والعلامة الشيخ محمد عبد الرحمن الخليجي الإسكندري في كتابيه، "تكلمة العشر بما زاده النشر" وشرحها المعروف "بشرح التكملة" وغيرهما من الأجلاء فجزاهم الله عن القرآن الكريم وأهله خيرًا ورحم الله تعالى ملا علي القاري ورحمنا معه وعامة المسلمين بمنه وكرمه آمين.
ولنرجع إلى ما كنا قد وقفنا عنده: فنقول:
وقد أشار العلامة الجمزوري إلى المد الفرعي وأسبابه بقوله في تحفته:
والآخرُ الفرعيُّ موقوف على سبب كهمْز أو سُكُون مُسْجَلاَ اهـ