الأول: النون الساكنة في حالة الإخفاء لا تخلو من أن يقع قبلها ضمة نحو ﴿كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣] أو كسرة نحو ﴿مِّنكُمْ﴾ [مريم: ٧١] أو فتحة نحو ﴿عَنكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] فليحذر القارىء من إشباع هذه الحركات حتى لا يتولد من الضمة واو ومن الكسرة ياء ومن الفتحة ألف فيصير اللفظ (كونتم ومينكم وعانكم) وكثيرًا ما يقع هذا من بعض القراء المتعسفين وهو خطأ قبيح وتحريف صريح وزيادة في كلام الله تعالى.
الثاني: من الخطإ في الإخفاء أيضًا إلصاق اللسان في الثنايا العليا عند إخفاء النون الساكنة والتنوين إذ ينشأ عن ذلك. النطق بالنون ساكنة مُظهرة مصحوبة بغنة. فيخرج القارىء بذلك عن الإخفاء المقصود وما سمي الإخفاء إخفاء إلا لإخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخاصة به. وكيفيته كما صرح به غير واحد من أئمتنا كالحافظ القسطلاني أن يكون هنالك تجاف بين اللسان والثنايا العليا أو بعبارة أخرى أن يجعل القارىء لسانه بعيدًا عن مخرج النون قليلًا فيقع الإخفاء الصحيح المقصود ويتأكد ذلك عند الطاء والدال المهملتان والتاء المثناة فوق وكذلك الضاد المعجمة.
الثالث: مما يجب معرفته أن الفرق بين الإدغام والإخفاء هو أن الإدغام يصحبه التشديد وأن الإخفاء غير مصحوب به ويكون عند الحروف لا فيها بخلاف الإدغام فهو في الحروف لا عندها يقال أخفيت النون عند الكاف لا فيها وأدغمتها في الراء لا عندها.
الرابع: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخمسة عشر ليس في مرتبة واحدة بل متفاوت في القوة وذلك على قدر قرب حروف الإخفاء من النون
[ ١ / ١٧٢ ]
والتنوين وبعدهن عنهما في المخرج فكلما قربا من حروف الإخفاء كان إخفاؤهما عند هذا الحرف أزيد مما بعد عنه. وبذلك يكون الإخفاء على ثلاث مراتب:
أقواها: عند الطاء والدال المهملتين والتاء المثناة فوق أي أن الإخفاء عند هذه الحروف يكون قريبًا من الإدغام وذلك لقربهن من النون والتنوين في المخرج.
وأدناها عند القاف والكاف أي أن الإخفاء عند هذين الحرفين يكون قريبًا من الإظهار وذلك لبعدهما عن النون والتنوين في المخرج.
وأوسطها عند الحروف العشرة الباقية أي أن الإخفاء عند هذه الحروف يكون متوسطًا فليس قريبًا من الإدغام كما في المرتبة الأولى ولا من الإظهار كما في المرتبة الثانية وذلك لتوسطها في القرب والبعد من النون والتنوين في المخرج.
وأما الغنة في الإخفاء في جميع أحواله السابقة فلا تفاوت فيها على التحقيق فهي لا تزيد ولا تنقص عن مقدار حركتين كالمد الطبيعي كما سيوقف على ذلك قريبًا.
الخامس: كل ما جاء في هذا الباب من الأحكام الأربعة إن كان في كلمة فالحكم فيه عام في الوصل والوقف وإن كان في كلمتين فالحكم فيه خاص بالوصل فقط هذا بالنسبة للنون، أما بالنسبة للتنوين فالحكم فيه خاص بالوصل لا غير لأنه لا يكون إلا من كلمتين كما هو مقرر. فتأمل.
وقد أشار صاحب التحفة إلى حكم الإخفاء هنا وحروفه الخمسة عشر بقوله ﵀:
والرابعُ الإخفاءُ عند الفاضل من الحروفِ واجبٌ للفاضلِ
في خمسة من بعد عشْر رمزُها في كلم هذا البيت قد ضمَّنتُها
صِفْ ذا ثنًا كم جاد شخصٌ قد سما دُمْ طيِّبًا زدْ في تقىً ضعْ ظالما اهـ
كما أشار الحافظ الجزري إلى الأحكام الأربعة كلها في المقدمة الجزرية
[ ١ / ١٧٣ ]
بقوله ﵁:
فعندَ حرْفِ الحلْق أظهرْ وادَّغمْ في اللام والرا لا بغُنَّة لَزمْ
وأدغِمَن بغْنِّة في يُومِنُ إلا بكلمةٍ كدُنيا عَنْوَنُوا
والقلبُ عند البا بغُنَّةٍ كذا لاخفَا لَدَى باقي الحروف أُخِذَا اهـ
والله تعالى أعلى وأعلم وأعز وأكرم.
[ ١ / ١٧٤ ]