المسألة الرابعة: في مراتب الغنة وأقوال العلماء فيها اتفاقًا واختلافًا
أما مراتبها: ففيها خلاف بين العلماء. فقال فريق منهم: إنها ثلاث مراتب:
أولها: المشدد فالمدغم بالغنة الناقص فالمخفي. ولم ينظر هذا الفريق إلى الغنة التي في الساكن المظهر ولا في المتحرك المخفف. وهذا هو ظاهر كلام الإمام الشاطبي ﵁ في الشاطبية.
وقال جمهور العلماء إنها خمس مراتب: الثلاثة المتقدمة. ورابعها الساكن المظهر. وخامسها المتحرك المخفف. وهذا هو المعول عليه والخلاف بين الفريقين لفظي. فمن قال بسقوط الغنة في المرتبتين الأخيرتين أي في الساكن
[ ١ / ١٧٧ ]
المظهر والمتحرك المخفف فقد أراد سقوط كمالها وهذا لا ينافي أن أصلها موجود عنده. ومن قال ببقائها فيهما فقد أراد بقاء اصلها فقط لا بقاء كمالها. ونظر إلى كون الغنة صفة لازمة للنون ولو تنوينًا والميم مطلقًا كما مر توضيحه.
وإليك توضيح المراتب الخمس وتحديد أماكن كل مرتبة:
المرتبة الأولى: المشدد ويشمل ما كان في كلمة وما كان في كلمتين فالذي في كلمة هو النون والميم المشددتان مطلقًا نحو ﴿إِنَّ المسلمين﴾ [الأحزاب: ٣٥] ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ [الحجرات: ١٧] ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿مِّنَ اليم﴾ [طه: ٧٨] ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] .
والذي في كلمتين يشمل أربعة أنواع وكلها في الإدغام التام:
الأول: الإدغام التام المصحوب بالغنة وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم نحو ﴿إِن نَّشَأْ﴾ [الشعراء: ٤] ﴿مِّن مَّالِ الله﴾ [النور: ٣٣] .
الثاني: إدغام الميم الساكنة في مثلها نحو ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
الثالث: إدغام المتجانسين الصغير المصحوب بالغنة وهو إدغام الباء الساكنة في الميم في قوله تعالى: ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ [هود: ٤٢] عند من أدغم ومنهم حفص عاصم من الشاطبية اتفاقًا ونحو ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران، الآية ١٢٩] . عند من أدغم.
الرابع: إدغام اللام الشمسية في النون اتفاقًا نحو ﴿إِلَى
[ ١ / ١٧٨ ]
النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿عَنِ النعيم﴾ [التكاثر: ٨] ويسمى كل من النون والميم فيما ذكر حرف غنة مشددًا.
ويجب إظهار غنته كما يجب الاحتراز من المد عند الإتيان بالغنة في مثل ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: ١] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وكثيرًا ما يتساهل في ذلك من يبالغ في إظهار الغنة فيتولد منها ياء فيصير اللفظ إينّا فإيمّا وهو من الخطأ القبيح والتحريف الصريح. وقد أشار صاحب التحفة إلى هذه المرتبة وحكمها بقوله فيها:
وعُنَّ ميمًا ثمَّ نونًا شُدِّدا وسمِّ كُلًاّ حرفَ غُنَّة بَدَا
كما أشار إليها الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:
وأظْهر الغُنَّة من نُون ومِنْ ميمٍ إذا ما شُدِّدا
المرتبة الثانية: المدغم والمراد به هنا الإدغام بالغنة الناقص وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء وقد تقدم.
المرتبة الثالثة: المخفى ويشمل أنواعًا ثلاثة:
الأول: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند حروف الإخفاء الخمسة عشر عند الجمهور وقد تقدم ذلك.
الثاني: إخفاء الميم قبل الباء نحو ﴿فاحكم بَيْنَهُم﴾ [المائدة: ٤٨] .
[ ١ / ١٧٩ ]
الثالث: إخفاء الميم المقلوبة من النون الساكنة والتنوين عند ملاقاتهما بالباء مثل ﴿يُنبِتُ﴾ [النحل: ١١] ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ﴾ [هود: ٥] لأن بعد القلب إخفاء للميم المقلوبة ولهذا شمل المخفي القلب.
المرتبة الرابعة: الساكن المظهر ويشمل إظهار النون الساكنة والتنوين عند حروف الحلق. وكذلك الميم الساكنة حال إظهارها إذا لم يأت بعدها باء أو ميم وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
المرتبة الخامسة: المتحرك المخفف ويشمل النون والميم الخفيفتين المتحركتين بأي حركة كانت. وكذلك التنوين المتحركة نحو ﴿يُنَادَوْنَ﴾ [غافر: ١٠] و﴿نُودِيَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ﴾ [البقرة: ٢٢] ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿مَحْظُورًا انظر﴾ [الإسراء: ٢٠-٢١] ﴿مُّنِيبٍ ادخلوها﴾ [ق: ٣٣-٣٤] وما إلى ذلك.