[١٢] والمَذْهَبُ الحَقُّ [إِعْجَازُ] (^١) القُرَانِ أَتَى … بِلَفْظِهِ وَبِمَعْنَاهُ الَّذِي كَمُلَا
المذهب هو: «المُعْتَقَدُ الَّذِي يُذْهَبُ إِليه» (^٢).
قال أبو البقاء الكفوي (ت: ١٠٩٤ هـ): «وَأهلُ المَذْهَبِ: مَنْ يَدِينُ بِهِ» (^٣).
والإعجازُ لُغَةً: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «العين والجيم والزاي، أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء» (^٤).
قال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ): «وَصَارَ في التَّعَارُفِ اسْمًا للقصورِ عن فعلِ الشيءِ، وهو ضدُّ القدرةِ» (^٥).
واصطلاحًا: قال الناظم: «أمرٌ خارقٌ للعادةِ يَعجزُ البشرُ عن مثلهِ مع دعوى
_________________
(١) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
(٢) انظر: العين: ٤/ ٤٠ - ٤١ (ذ هـ ب)، والمحكم: ٤/ ٢١١ (ذ هـ ب)، ولسان العرب: ١/ ٣٩٤ (ذ هـ ب).
(٣) انظر: الكليات: ١٧٤.
(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٢٣٢، ولسان العرب: ٥/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (ع ج ز)، والقاموس المحيط: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠ (ع ج ز).
(٥) انظر: مفردات ألفاظ القرآن: ٥٤٧.
[ ١٨٩ ]
النبوةِ، وإلَّا فكرامةٌ» (^١).
بدأ النَّاظِمُ بذكر المذاهب التي تتعلق بإعجاز القرآن، وهي المسالك التي ذكَرَ العلماءُ أنَّها هي التي وقَع بها إعجازُ القرآن الكريمِ للبشرِ.
المذهب الأول: وهو أن إعجاز القرآن في لفظه ومعناه.
المذهب الثاني: الصَّرْفَةُ.
المذهب الثالث: إخبارُهُ عن الغيوب.
المذهب الرابع: أسلوبُه.
المذهب الخامس: سلامتُه من التناقض والاختلاف.
المذهب السادس: أنَّه كلامُ الله.
فذكر النَّاظِمُ هنا المذهبَ الأولَ وهو مذهبُ معظمِ أهل السنة والجماعة: أن القرآن الكريم مُعجزٌ في لفظه ومعناه.
قال النَّاظِمُ: «فالقولُ الأولُ وهو الحقُّ أَنَّ القرآن مُعجزٌ بفصاحةِ ألفاظِهِ وبلاغةِ معانيهِ» (^٢).
[١٣] لِلعَجْزِ عِنْدَ التَّحَدِّيْ [وَاخْتِيَارِهِمُ] (^٣) … قَتْلًا وَهُمْ فُصَحَا فَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَا
اللام للتعليل؛ أي: أنه تحداهم في القرآن الكريم فعجزوا.
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٤٤، وتشنيف المسامع: ٤/ ٧٥٥، والتعريفات: ٤٧.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٤٦.
(٣) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
[ ١٩٠ ]
و(التَّحَدِّي) هو: المباراةُ والمنازعةُ، ومنهُ تَحَدِّي رسولِ اللهِ -ﷺ- العربَ بالقرآنِ (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): «والمُتَحَدِّي: هو أن يحدوهم (أي: يدعوهم ويبعثهم) إلى أن يعارضوه. فيقال فيه: حَدَانِي على هذا الأمر (أي: بعثني عليه)، ومنه سُمي حادي العِيس؛ لأنَّه بِحُدَاهُ يبعثها على السَّيرِ» (^٢).
وقال الناظم: «وأظهر معجزاته ﵊، القرآن؛ لدوام جِدَّتِهِ على مَمَرِّ الزَّمَانِ، والإجماع منعقدٌ على أنَّهُ معجزٌ؛ لأنَّه -ﷺ- طالب العرب بالإتيان بمثله، بل بسورة منه، أو الدخولِ في دينهِ، أو التَّصَدِّي للمُحَارَبَةِ، فَإِسْلامُ من سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَة، ومفارقتُهُ دينَ آبائه الذي رُبِّيَ عليه، وجُنُوحُ من سبقت له الشقاوة إلى اقتحام نار الحرب وملاقاة قرع الصوارم، وطعن العوالي، وَرَشْقِ النِّبَال، مع ما فيها من هلاك الأنفس وذهاب الأموال وسبي الحريم والأولاد وإهانة الأسْرِ، دليلٌ قاطعٌ وبرهانٌ ساطعٌ على عجزهم عنهُ» (^٣).
وقال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ): «وقد تحدَّاهم ﵊ وقرَّعَهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يُعَارَضُوا بما سِواه، مع أنَفَتهم واستنكافهم أن يُغلَبوا، لا سِيَّما في ميدان البيان، فإنهم كانوا فرسانه المالكين لأزمَّته، الحائزين قَصَبَ السَّبْقِ فيه» (^٤).
وقد وقع التحدي لهم في خمس آياتٍ من القرآن الكريم في خمسِ سورٍ، وهي مرتبةٌ كالآتي حسب ترتيب المصحف:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا
_________________
(١) انظر: تاج العروس: ٣٧/ ٤١٠ (ح د ي)، والمحيط في اللغة: ١/ ٢٤٤ (وَحَ دَ).
(٢) انظر: الجواب الصحيح: ٤/ ٧٦.
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٤٦.
(٤) انظر: روح المعاني: ١٠/ ٩٤.
[ ١٩١ ]
شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨].
٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣].
٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤].
واختلف أهل العلم في أيهما نزل أولًا؟ آية سورة هود أم آية سورة يونس؟
وأكثرهم على تقدُّم نزول سورة هود (^١)، وذهب الإمام ابن عطية (ت: ٥٤٦ هـ) في تفسيره إلى تقدُّم نزول سورة يونس (^٢).
وأما ترتيب هذه الآيات حسب نزولها فهو على هذا النحو:
الأولى: آية الإسراء، والثانية: آية يونس، والثالثة: آية هود، والرابعة: آية الطور، والخامسة: آية البقرة.
والأربعُ الأولى آياتٌ مكية، والخامسة مدنية (^٣).
_________________
(١) انظر: معالم التنزيل: ٤/ ١٦٥، ومفاتيح الغيب: ١٧/ ١٠٢، والبرهان: ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ٣/ ١٥٥.
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٢٥ - ٢٢٦، والبرهان: ٢/ ٢٣٩، والإتقان: ٢/ ٤١٩ - ٤٢١.
[ ١٩٢ ]
[١٤] لَا صَرْفَةٌ قَالَهَا النَّظَّامُ أَوْ نَبَأٌ … عَنِ الغُيُوبِ وَلَا أُسْلُوبٌ اعْتَزَلَا
المذهب الثاني: الصَّرْفة، وقال بها: النَّظَّام (^١)، والرُّمَّانِي (^٢)، والشريف المرتضى (^٣)، وابن سنان الخفاجي (^٤)، والإمام الجويني (^٥)، وابن حزمٍ الظاهريِّ (^٦)، وأبو الحسن الماوردي (^٧)،
_________________
(١) أبو إسحاق إبراهيم بن سَيَّار البصري المعتزلي، المعروف بالنَّظَّام ظهر في سنة: (٢٢٠ هـ)، من شيوخه: أبو الهذيل العلاف، أحد رؤوس المعتزلة، وإليه تُنْسَبُ الفرقة النظَّامية، وهو من الطبقة السادسة (ت: ٢٣١ هـ) وقيل غير ذلك. الملل والنحل: ١/ ٤٧ - ٥٣، والسير: ١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢.
(٢) أبو الحسن علي بن عيسى الرماني، علامة من أوعية العلم - على بدعته - صنف في التفسير واللغة والنحو والكلام والاعتزال، من كتبه: النكت في إعجاز القرآن. (ت: ٣٨٤ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٦، وميزان الاعتدال: ٣/ ١٤٩. وانظر قوله في كتابه: النكت في إعجاز القرآن: ١١٠.
(٣) علي بن الحسين بن موسى العلوي الحسيني المتكلم الرافضي المعتزلي، صاحب التصانيف، وهو المتهم بوضع كتاب نهج البلاغة، من تصانيفه: الذخيرة في علم الكلام. (ت: ٤٣٦ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠، وميزان الإعتدال: ٣/ ١٢٤. وانظر قوله في كتبه: الذخيرة في علم الكلام للشريف المرتضى: ٣٧٨، وشرح جمل العلم والعمل: ١٧٩، ومسائل المرتضى: ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٤) أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي، الشاعر، كان يرى رأي الشيعة الإمامية، أَخَذَ الأدب عن أَبِي العلاء بن سُلَيْمَان، وأبي نصر المنازي، من كتبه: سِرُّ الفصاحة، قُتِلَ مسمومًا سنة: (٤٦٦ هـ). فَوَات الوَفَيَات: ٢/ ٢٠٠ - ٢٢٤، والأعلام: ٢/ ١٢٢. وانظر قوله في كتابه: سِرُّ الفصاحة: ١٠٠، ٢٢٥.
(٥) الشيخ الإمام أبو المعالي عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف، (ت: ٤٧٨ هـ). وفيات الأعيان: ٣/ ١٦٧ - ١٧٠، السير: ١٨/ ٤٦٨. وانظر قوله في كتابه: العقيدة النظامية: ٧٢ - ٧٣.
(٦) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسي الأصل ثم الأندلسي القرطبي، وكان حافظًا عالمًا بعلوم الحديث وفقهه، سَمِعَ وحدَّث، ورزق ذكاءً مفرطًا وذهنًا سيَّالًا، من كتبه: الإحكام لأصول الأحكام. (ت: ٤٥٦ هـ). وفيات الأعيان: ٣/ ٣٢٥، والسير: ١٨/ ١٤٨ - ٢١٢. وانظر قوله في كتابه: الرسائل لابن حزم: ٤/ ٣٥٢.
(٧) علي بن محمد بن حبيب البصري، الماوردي، الشافعي، صاحب التصانيف، حدَّث عن: الحسن بن علي الجبلي، وحدَّث عنه: أبو بكر الخطيب، من كتبه: أعلام النبوة، (ت: ٤٥٠ هـ)، السير: ١٨/ ٦٤، الأعلام: ٤/ ٣٢٧. وانظر قوله في كتابه: أعلام النبوة: ٩٥.
[ ١٩٣ ]
واختلفوا في نسبتها إلى الجاحظ (^١)، وغيرهم.
الصَّرْفَةُ لُغَةً:
قال الخليل: «الصَّرْفُ: أن تصرفَ إنسانًا على وجهٍ يُريدهُ إلى مَصْرَفٍ غَيْرِ ذلك» (^٢).
تعريف الصَّرْفَة في الاصطلاح:
اختلفت عبارات أهل العلم في تعريفِ الصَّرْفَةِ اصطلاحًا (^٣).
ولعل أرجح هذه التعريفات هو: أنَّ العَرَبَ قَادِرُونَ عَلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِ القُرآنِ لَوْ لَمْ يُصْرَفُوا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِصَرْفِ الهِمَمِ عَنِ المُعَارَضَةِ، أَمْ بِسَلْبِ العُلُومِ التِي لَا بُدَّ مِنْهَا لِلإِتْيَانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ.
قال الناظم: «قال النَّظَّام: القرآنُ كسائرِ الكتبِ المُنَزَّلَةِ لا إعجازَ في لفظه ومعناه، وكانت العربُ قادرةً على مماثلته، لكنَّ الله تعالى صرَفَ قدرتَهم، وسلَبَ عِلمَهم عند التحدي، فعجزوا عن معارضته» (^٤)، فَجَعَلَ المُعْجِزَ فِعْلَ الصَّرْفِ - نَفْسَهُ - لا القرآن الكريم.
المذهب الثالث: إخباره عن الغيوب، وقال به النَّظَّام (^٥)، والقاضي عياض (^٦)،
_________________
(١) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي الجاحظ، العلامة المتبحر ذو الفنون، صاحب التصانيف، كان ماجنًا قليل الدين، وهو من بحور العلم، (ت: ٢٥٥ هـ) وقيل غير ذلك. السير: ١١/ ٥٢٦ - ٥٣٠، الأعلام: ٥/ ٧٤. وانظر قوله في كتاب: الصرفة والإنباء بالغيب د. حسين نصار: ١١ - ١٦.
(٢) انظر: العين: ٧/ ١١٠ (ص ر ف)، وتهذيب اللغة: ٢/ ٢٠٠٧ (ص ر ف).
(٣) انظر التعاريف في: القول بالصرفة في إعجاز القرآن «عَرْضٌ وَنَقْدٌ» د/ عبد الرحمن الشهري: ١٢ - ١٧.
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٤٨، والنُّكت في إعجاز القرآن: ١١٠، وبيان إعجاز القرآن: ٢٢ - ٢٣.
(٥) انظر: الفَرق بين الفِرق: ١٤٣.
(٦) هو الشيخ الإمام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي ثم السبتي المالكي، ولد سنة: (٤٧٦ هـ) ـ، واستبحر من العلوم، وجمع وألف، وهو إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، توفي شهيدًا مقتولًا بمرَّاكش سنة: (٥٤٤ هـ) .. وفيات الأعيان: ٣/ ٤٨٣ - ٤٨٥، والسير: ٢٠/ ٢١٢ - ٢١٨. وانظر قوله في كتاب: شرح كتاب الشفا: ٢/ ٨١٠.
[ ١٩٤ ]
والباقلاني (^١)، وابن حزمٍ الظاهري (^٢)، وأبو الحسن الماوردي (^٣)، والإمام القرطبي (^٤)، وغيرهم.
قال الناظم: «قال بعض العلماء: إعجازُ القرآنِ إخبارُهُ عن علمِ الغيبِ الذي لا يكونُ إلا من جهةِ اللهِ تعالى» (^٥).
المذهب الرابع: في أسلوبه.
وهذا من زيادات النَّاظِمِ على الإمام الشاطبي في العقيلة.
وقال بهذا القول القاضي عياض (^٦)، وأبو الحسن الماوردي (^٧)، والإمام القرطبي (^٨)، وغيرهم.
_________________
(١) هو الشيخ الإمام العلامة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا، (ت: ٤٠٣ هـ). السير: ١٧/ ١٩٠/ ١٩٣، والبداية والنهاية: ١١/ ٣٥٠ - ٣٥١. وانظر قوله في كتابه: نكت الانتصار: ٥٩.
(٢) انظر: الفصل في الملل والنحل: ٣/ ٤٩.
(٣) انظر: أعلام النبوة: ٨٤ - ٨٥.
(٤) الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي، إمام متفنن متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة، سمع من: أبي العباس القرطبي، من تصانيفه: الجامع لأحكام القرآن، (ت: ٦٧١ هـ). الوافي بالوفَيَات: ٢/ ٨٧، والأعلام: ٥/ ٣٢٢. وانظر قوله في كتابه: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١١٧.
(٥) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٠.
(٦) انظر: شرح كتاب الشفا: ٢/ ٧٩٤.
(٧) انظر: أعلام النبوة: ٧٩ - ٨١.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١١٧.
[ ١٩٥ ]
وأسلوب القرآن الكريم: «هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه» (^١).
قال الناظم: «وقيل: إعجازُه كونُه مخترَعَ الأساليب مبايِن السجع، خصوصًا في المقاطع والمبادئ» (^٢).
[١٥] وَلَا سَلَامَتُهُ [مِنَ] (^٣) التَّنَاقُضِ أَوْ … لِكَوْنِهِ مُنْزَلًا مِنْ رَبِّنَا وَسَلَا
المذهب الخامس: سَلَامَتُهُ من التناقضِ والاختلاف.
وهذا من زياداتِ النَّاظِمُ على الإمامِ الشَّاطِبِيِّ في العقيلةِ.
قال الناظم: «وقيل: إِعْجَازُهُ خُلُوُّهُ مِنَ التَّنَاقُضِ» (^٤).
المذهب السادس: أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ.
قال الناظم: «قال بعضهم: إعجازُهُ كونُهُ كلامَ اللهِ القدِيمِ» (^٥).
وقال الإمام الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): «قيل: إنَّ التحدي وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وإن العرب كُلَّفَتْ فِي ذَلِكَ مَا لَا تُطِيقُ، وَفِيهِ وَقَعَ عَجْزُهَا» (^٦).
[١٦] إِذْ مَا لَهُمْ قَبْلَهَا قَوْلٌ يُنَاسِبُهُ … وَالغَيْبُ فِي سُوَرٍ وَالِاخْتِرَاعُ فَلَا
قول النَّاظِمُ: (إِذْ مَا لَهُمْ قَبْلَهَا) أي: قبل القائلين بالصرفة.
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان: ٢/ ٣٠٣.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٤.
(٣) ما بين المعكوفتين في (ب): «عَنْ».
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٤.
(٥) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٢.
(٦) انظر: البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٢٢٦.
[ ١٩٦ ]
في الشطر الأول من البيت ردٌّ على القائلينَ بِالصَّرْفَةِ؛ أَيْ: لَوْ كَانَ إِعْجَازُ القُرْآنِ بِالصَّرْفَةِ «لَكَانَ لِلْعَرَبِ فِي أَثنَاءِ نثْرِهِمْ وَنَظْمِهِمْ فِي خُطَبِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ كَلَامٌ يُمَاثِلُهُ فِي الفَصَاحَةِ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ قَبلَ التَّحَدِّي» (^١).
فلمَّا لم يكن منهم كلامٌ يماثله ويقاربه في الفصاحة، صار معجزًا في ألفاظه ومعانيه.
وردَّ القولَ بالصَّرْفَةِ طائفة منهم الخطَّابيُّ (^٢)، وعبدُ القاهر الجُرْجَانِيُّ (^٣)، والقاضي عبدُ الجبَّار الهمذاني (^٤)، وابنُ عطية الأندلسي (^٥)، وغيرهم.
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، الإمام العلامة، اللُّغوي الحافظ، سمع من: أبي سعيد بن الأعرابي، وحدَّث عنه: أبو عبد الله الحاكم، والإمام أبو حامد الإسفراييني، (ت: ٣٨٨ هـ). إنباه الرواة: ١/ ١٦، والسير: ١٧/ ٢٣. وانظر قوله في كتابه: بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ٢٢ - ٢٣.
(٣) أبوبكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، شيخ العربية، كان ورعًا قانعًا، ذا نسك ودين، أخذ النحو عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي، وحدَّث عنه: علي بن زيد الفصيحي، من كتبه: الرسالة الشافية في إعجاز القرآن (ت: ٤٧١ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ١٨٨، والسير: ١٨/ ٤٣٢ - ٤٣٣. وانظر قوله في كتابه: الرسالة الشافية، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: ١٤٦ - ١٥٤.
(٤) الشيخ العلامة المتكلم عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدآبادي، أبو الحسين، قاضٍ، أصوليٌّ، شيخ المعتزلة في عصره، ولي القضاء بالريِّ، ومات فيها سنة: (٤١٥ هـ). من مصنفاته: المغني في أبواب التوحيد والعدل. السير: ١٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥، والأعلام: ٣/ ٢٧٣. وانظر قوله في كتابه: المغني في أبواب التوحيد والعدل: ١٦/ ٣٢٤.
(٥) الإمام العلامة أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إمامًا في الفقه، وفي التفسير، وفي العربية، حدَّث عن أبيه، وعن الحافظ أبي علي الغساني، وحدَّث عنه أولاده، وأبو القاسم بن حبيش الحافظ، (ت: ٥٤١ هـ). السير: ١٩/ ٥٨٧ - ٥٨٨، وفوات الوفيات: ٢/ ٢٥٦. وانظر قوله في تفسيره: المحرر الوجيز: ١/ ٥٢.
[ ١٩٧ ]
قول النَّاظِمُ: (وَالغَيْبُ فِي سُوَرٍ) هذا رَدٌّ عَلَى مذهب القائلين بأنَّ إعجاز القرآن إخباره عن الغيب، وليست كلُّ سورِ القرآنِ الكريمِ فيها إخبارٌ بالغَيْبِيَّاتِ.
قال الناظم: «وتقريره: أنَّ الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن، واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك، لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيبَ فيها» (^١).
وقال الإمام الزركشي: «ورُدَّ هذا القولُ بأنَّه يستلزم بأنَّ الآياتِ التي لا خَبَرَ فيها بذلك لا إعجاز فيها، وهو باطلٌ، فقد جعل الله كل سورةٍ معجزةٍ بنفسِهَا» (^٢)، لا يقدرُ أحدٌ من البشرِ أن يأتي بمثلها.
[١٧] يَلْزَمُ مُعْجِزَةً كَالشِّعْرِ، ثُمَّ لَهُمْ … خَالِي التَّنَاقُضِ مِقْدَارَ الَّذِي سَأَلَا
قول النَّاظِمُ: (وَالاخْتِرَاعُ فَلَا يَلْزَمُ مُعْجِزَةً كَالشِّعْرِ).
هذا ردٌّ على المذهب الرابع وهو قولهم: إنَّ إعجاز القرآن في أسلوبه.
قال الناظم في الردِّ على هذا المذهب: «وبطلُهُ بالشِّعْرِ» (^٣).
أي: إنَّ قولَ بعضهم: إعجازُ القرآن في أُسْلُوبِهِ، بَاطِلٌ بِالشِّعْرِ.
وقال الإمام السيوطي (ت: ٩١١ هـ): «ولا مجرَّدُ أسلوبه، وإلَّا لكان الابتداءُ بأسلوبِ الشِّعْرِ معجزًا» (^٤)، ولأصبح كلام الذين عارضوا القرآن - كمسيلمة وغيره - معجزًا.
وقول النَّاظِمُ: (ثُمَّ لَهُمْ خَالِي التَّنَاقُضِ مِقْدَارَ الَّذِي سَأَلَا).
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥١.
(٢) انظر: البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٢٢٨.
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٤، ١٢١.
(٤) انظر: الإتقان: ٥/ ١٨٨٣ - ١٨٨٤.
[ ١٩٨ ]
هذا ردٌّ على المذهب الخامس وهو قولهم: إنَّ إعجاز القرآن خلُوُّه من التناقض.
قال الإمام الناظم في الردِّ على هذا المذهب: «وبُطْلُهُ بأنَّ في كلامهم مقدارَ أقصر سورةٍ خالٍ منه» (^١).
[١٨] تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ البَعْضُ جَوَّزَهُ … وَرَدَّ ذَلِكَ غَزَّالِيُّنَا وَمَلَا
قول النَّاظِمُ: «تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ».
عرَّفَهُ الناظم بقوله: «أي: الحكمُ الذي لا يقدرُ المكلَّفُ على فعلِهِ» (^٢).
هذا ردٌّ على المذهبِ السَّادِسِ وهو قولهم: أنَّ إعجازَ القرآنِ كَونُهُ كَلامَ الله.
قال الإمام الجعبري في الردِّ على هذا المذهب: «وتقريره: أنَّ إعجازَه كونُه كلام الله، لزِمَ المحالُ عند من لا يُجِيزُ تكليفَ ما لا يُطاق، وهم أكثر أصحابنا؛ كالغزالي (^٣)، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي: قدرتَها» (^٤).
والذي لا يقدرُ عليه المكلَّفُ لا يُتَصَوَّر أن يُتَحَدَّى بِهِ؛ لأنَّ هذا فوق الطاقة البشرية.
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٤.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٢. للتوسُّع في هذه المسألة ومعرفة أقوال العلماء فيها، انظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ٣١٨ - ٣١٩، ٨/ ٤٦٩ - ٤٧٠، ١٤/ ١٠٢، والإحكام في أصول الأحكام: ١/ ١٧٩، وما بعدها، نهاية السُّول: ١/ ٣٣٤، والموافقات: ٢/ ١١٩.
(٣) محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الطوسي الشافعي ت: (٥٠٥ هـ.). تاريخ دمشق: ٥٥/ ٢٠٠ - ٢٠٤ (٦٩٦٤)، الكامل: ١٠/ ٤٩١، ووفيات الأعيان: ٤/ ٢١٦ - ٢١٩.
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٥٢.
[ ١٩٩ ]
وقد ردَّ الإمام ابن حزم الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ) هذا القولَ وَشَنَّعَ عليه فقال: «وهذا كلامٌ في غايةِ النُّقصَانِ والبطلانِ؛ إِذْ مِنَ المُحَالِ أَنْ يُكَلِّفَ أَحَدًا أَنْ يَجِيءَ بِمَثَلٍ لِمَا لَمْ يَعْرِفْهُ قَطُّ وَلَا سَمِعَهُ» (^١).
و(ملا): أصلها: الملأ، وقُصِرَ لِلْوَزْنِ: وهي الجماعةُ من النَّاسِ، وقيل: أشرافُ الناسِ ووجوههم (^٢).
[١٩] وَكُلَّ عَامٍ رَسُولُ اللهِ يَعرِضُهُ … عَلَى الأَمِينِ وَقِيلَ فِي الأَخِيرِ كِلَا
الأمين: هو جبريلُ ﵇؛ قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].
وفيه إشارة إلى حديث معارضة النبي -ﷺ- القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرة، ونقل أنَّه عرضه في العام الأخير مرتين.
قال الإمام الناظم: «وكان -ﷺ- كل سنة في رمضان يعرض ما معه من القرآن على الأمين جبريل، ونُقل أنَّه عرضه في العام الأخير مرتين» (^٣).
وجاء في ذلك في عدة أحاديث منها، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأنَّ مشيتَها مشيُ النبي -ﷺ-، فقال النبي -ﷺ-: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حديثًا، فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثًا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأُفشيَ سِرَّ رسول الله -ﷺ-، حتى قبض النبي -ﷺ- فسألتها، فقالت: أَسَرَّ إِليَّ: «أنَّ
_________________
(١) انظر: الفصل في الملل والنحل: ٣/ ٤٨، والمغني في أبواب التوحيد والعدل: ١٦/ ٣١٨.
(٢) انظر: العين: ٨/ ٣٤٦ (م ل أ). مقاييس اللغة: ٥/ ٣٤٦ (م ل ي)، والمحكم: ١٢/ ٧٦ (م ل أ).
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٩٢.
[ ٢٠٠ ]
جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أُرَاهُ إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي»؛ فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة - أو نساء المؤمنين - فضحكت لذلك» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان يَعْرِضُ على النبي -ﷺ- القرآن كل عامٍ مرةً، فَعَرَضَ عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ فِيهِ ..» (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله -ﷺ- يُعْرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه -ﷺ- عُرِضَ عليه مرتين …» (^٣).
[٢٠] وَحَافِظُوهُ حَيَاتَهُ أُبَيُّ وَسَا … لِمٌ وزَيْدٌ [وَابِي] (^٤) زَيْدٍ وَخُلْفُ وِلَا
أي أنَّ من حفظ القرآن في عهد النبي -ﷺ- عددٌ كثيرٌ.
وذكَر منهم الناظم: أبيَّ بن كعبٍ (^٥)،
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام: ٢/ ٢٤٦، رقم الحديث: (٣٣٥٣)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة ﵃، بابُ من فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ ورضي الله عنها: ١٠٧٨، رقم الحديث: (٦٣١٣، ٦٣١٤٩).
(٢) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن الكريم، باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ: ٢/ ٦٤٨، رقم الحديث: (٤٦١٤).
(٣) السنن الكبرى للنسائي، كتابُ فضائلِ القرآنِ، بابٌ: عرضُ جبريلَ القرآن: ٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨، رقم الحديث: (٧٩٣٨).
(٤) في (أ) و(ب): «وَابُو» وللوزن تحذف الهمزة نطقًا.
(٥) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، ويقال: أبو الطُّفيل المدني. سيِّد القراء ﵁، اختلف في سنة وفاته، قيل: (١٩ هـ)، وقيل: (٢٠ هـ)، وقيل غير ذلك، بالمدينة. انظر: أسد الغابة: ١٧ - ١٨، ومعرفة القراء: ١٢ - ١٣ - ١٤، وغاية النهاية: ١/ ٦٢ - ٦٣.
[ ٢٠١ ]
وسالمًا مولى أبي حذيفة (^١)، وزيدَ بن ثابتٍ (^٢)، وأبا زيدٍ (^٣).
عن عبد الله بن عمرو قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عبد الله بن مسعودٍ - فبدأَ بِهِ - وَسَالمٍ مولى أبي حذيفة وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بن كَعْبٍ» (^٤).
وعن قتادة عن أنس ﵁، «جمع القرآن على عهد النبي -ﷺ- أربعة -كُلُّهُم من الأنصار- أبيٌّ، ومعاذُ بن جبلٍ، وأبو زيدٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، قلتُ لأنسٍ: من أبو زيدٍ؟ قال: أحد عمومتي» (^٥).
_________________
(١) سالم بن معقل، أبو عبد الله، يعرف بسالم مولى أبي حذيفة، أصله من فارس، يُعَدُّ في المهاجرين والأنصار، وهو بَدْرِيٌّ، وكان من القراء، وكان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، استشهد في اليمامة سنة: (١٢ هـ). انظر: أسد الغابة: ٢/ ١٥٥ - ١٥٧، وغاية النهاية: ١/ ٤٥٩، والإصابة: ٤/ ١٨٨ - ١٩٣.
(٢) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد، أبو خارجة، وأبو سعيد، الأنصاري، الخزرجي، شهد بدرًا، كاتب الوحي، المقرئ، الفرضي، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ، قرأ عليه أبو هريرة وابن عباس ﵄، وأبو عبد الرحمن السُّلمي وأبو جعفر، مات سنة: (٤٥ هـ) ـ. وقيل غير ذلك. انظر: معرفة القراء: ١٧ - ١٨، وغاية النهاية: ١/ ٤٥٢، والإصابة: ٤/ ٧٣ - ٧٧.
(٣) قيس بن السَّكَن بن زَعُوراء، الأنصاري، الخزرجي، شَهِدَ بدرًا، وهو أَحَدُ من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ، استشهد يوم جسر أبي عبيد سنة: (١٥ هـ). انظر: السير: ١/ ١٠٤، وغاية النهاية: ٢/ ٩٢٨، والإصابة: ٩/ ١١٤ - ١١٥.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بن كعب ﵁، (٢/ ٢٨٨)، رقم الحديث: (٣٥٢٤)، وكتاب: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي ﷺ، (٢/ ٦٤٨)، رقم الحديث: (٤٦١٥)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة ﵃، بابٌ: من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما: ١٠٨٣، رقم الحديث: (٦٣٣٤، ٦٣٣٥، ٦٣٣٦، ٦٣٣٨).
(٥) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب زيدِ بن ثابتٍ ﵁: (٢/ ٢٨٨)، رقم الحديث: (٣٥٢٦)، وكتاب: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي ﷺ: (٢/ ٦٤٨)، رقم الحديث: (٤٦١٩)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة ﵃، بابٌ: من فضائل أبي بن كعب وجماعة من الأنصار، ﵃: ١٠٨٣ - ١٠٨٤، رقم الحديث: ٦٣٤٠، ٦٣٤١.
[ ٢٠٢ ]
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ- ولم يجمعِ القرآنَ غيرَ أربعة: أبو الدرداءِ، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابتٍ، وأبو زيدٍ، قال: ونحن ورثناه» (^١).
[٢١] فِي عُمَرٍ مَعَ ذِي النُّورَينِ ثُمَّ عَلِيْـ … ـيٍ وَابْنِ عَبَّاسِهِمْ وَكَمَّلَ النُّبَلَا
وذكر في هذا البيت أيضًا، عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، ﵃ أجمعين.
وقوله: (وَكَمَّلَ النُّبَلَا) يعود إلى آخر مذكورٍ وهو ابن عباسٍ ﵁.
[٢٢] وَالحَقُّ تَأْوِيلُ كُلٍّ أَوْ مُشَافَهَةٌ … صَحَّ التَّوَاتُرُ وَالجَمُّ الغَفِيرُ تَلَا (^٢)
أراد النَّاظم ﵀ أن يُبَيِّنَ في هذا البيت أن حفظ القرآن في حياة النبي -ﷺ- لم يقتصر على هؤلاء المذكورين من الصحابة الكرام. وإنما حفظه جمعٌ كثيرٌ غيرُهُم، وتلقوه مشافهةً عن النبي -ﷺ- حتى حصل بهم التواتر.
ثم نظم -﵀- قصة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكرٍ الصديق ﵁ وسببه، فقال:
[٢٣] أَرْدَى مُسَيْلِمَةٌ أَهْلَ اليَمَامةِ فِي … عَهْدِ العَتِيقِ وَفِي القُرَّاءِ كَمْ قَتَلَا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب النبي ﷺ: ٢/ ٦٤٩، رقم الحديث: (٤٦٢٠).
(٢) أُلحق في حاشية (أ) هذا البيت، وكتب بعده: صح صح صح. وهو غير مثبت في النسخة (ب).
[ ٢٠٣ ]
[٢٤] فَقَالَ فَارُوقُهُ: اسْتَدْرِكْهُ مُسْتَطَرًا … فَعَيَّنُوا زَيْدًا بن ثَابِتٍ بَدَلَا
[٢٥] فَكَتَبَ الكُلَّ فِي صُحْفٍ بِسَبْعَتِهِ … وَبَعْدَهُ ضَمَّهَا الفَارُوقُ وَانْتَقَلَا
[٢٦] لِحَفْصَةٍ،
قوله: (أَرْدَى): يُقَالُ: «أَرْدَأَ الرَّجُلُ: فَعَلَ شَيْئًا رَدِيئًا أَوْ أَصَابَهُ» (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]. أي: تُهْلِكُنِي (^٢).
قوله: (مُسَيْلِمَةٌ) هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، من المعمَّرين، ولد ونشأ باليمامة، في القرية المسمَّاة اليوم بالجبيلة، بقرب (العيينة)، بوادي حنيفة، في نجد، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعُرِفَ برحمان اليمامة، وجاء في صِفَتِهِ: أَنَّهُ رُوَيْجِلٌ أُصَيْفِرُ أُخَيْنِسُ، وهو أحد من وفدوا إلى رسول الله -ﷺ- سنة: (٩ هـ)، من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد ارتدَّ مسيلمةُ وادَّعى النُّبُوةَ، وقيل: إن مسيلمة لعنه الله قُتِلَ عن مائةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً (^٣).
قوله: (الْيَمَامَةِ) وهي الوقعةُ التي كانت مع مسيلمة الكذاب بأرض اليمامة في حديقة الموت بعد وفاة النبي -ﷺ-، وارتدَّ كثيرٌ من العربِ منهم بنو حنيفة، فَجَهَّزَ أبو بكرٍ الصديق ﵁ خالد بن الوليد في جمعٍ كثيرٍ من الصحابةِ، وحاربوا مسيلمة وقومه،
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٣٨٧ (ر د أ)، ولسان العرب: ١/ ٨٥ (ر د أ).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم: ٤/ ٨.
(٣) انظر: التاريخ: ٣/ ٢٨١، والكامل في التاريخ: ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، والبداية والنهاية: ٣/ ٣١٦ - ٣٢٠.
[ ٢٠٤ ]
فهزموا جيش مسيلمة، وقتله وَحْشيُّ بن حرب قاتل حمزة، فنصر اللهُ جنده وخذل الكذَّاب وقومه، وكان ذلك في أول خلافة الصديق (سنة: ١٢ هـ) (^١).
قوله: (العَتِيقِ) هو أبو بكر الصديق ﵁، لُقِّبَ بهذا اللقبِ قيل: لجمالِ وجهِهِ، وقيل: لأنَّ أُمَّهُ كانت لا يعيش لها ولدٌ، فلمَّا ولدتهُ استقبلت به البيت، وقالت: «اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي»، وقيل غير ذلك (^٢).
وروى الترمذي والحاكم، عن عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال لأبي بكرٍ: «أَنْتَ عَتِيقٌ مِنَ النَّارِ» (^٣).
وأخرج ابن حبان بسنده، قال: كان اسمُ أبِي بَكْرٍ عبد اللهِ بن عثمانَ، فقال له النبي ﷺ: «أنت عَتِيقُ اللهِ مِنَ النَّار»، فسُمِّيَ عتيقًا (^٤).
قول النَّاظِمُ: (وَفِي القُرَّاءِ كَمْ قَتَلَا)، وقُتِلَ من المسلمين يومئذٍ ألف ومئتان (^٥).
وقوله: (صُحْفٍ) بإسكانِ الحاءِ للتخفيفِ، وهي: «الصَّحِيفَةُ: الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ صَحَائِفُ وصُحُفٌ وصُحْفٌ» (^٦).
_________________
(١) انظر: التاريخ: ٣/ ٢٨١ - ٣٠٠، والكامل في التاريخ: ٢/ ٢١٤ - ٢١٩.
(٢) انظر: الكنى والأسماء: ١٥، وألقاب الصحابة والتابعين في المسندين الصحيحين: ٧٢، وتاريخ دمشق: ٣٠/ ١٢ - ٢٣.
(٣) رواه الترمذي: ٤/ ٤٧٣ (٤٠٢٨)، والحاكم: ٣/ ٦٤. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخَرِّجَاه. وقال الألباني في (صحيح سنن الترمذي): صحيح.
(٤) صحيح ابن حبان، باب ذكر السبب الذي من أجله سُمِّيَ أبوبكر الصِّدِّيق ﵁ عَتِيقًا، رقم الحديث (٧/ ٦٩٠٦).
(٥) انظر: التاريخ: ٣/ ٣٠٠.
(٦) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٩٨١ (صَ حَ فَ)، ولسان العرب: ٩/ ١٨٦ (ص ح ف).
[ ٢٠٥ ]
والصُّحُفُ اصْطِلَاحًا: «الأوراقُ المُجَرَّدَةُ التي جُمِعَ فيها القرآن في عهد أبو بكرٍ ﵁» (^١).
وقوله: (فَارُوقُهُ) هو الصحابي الجليل عمر بن الخطاب ﵁، وسُمِّي بالفاروقِ؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطِلِ، وقد سمَّاه بهذا الاسم النبي - ﷺ - كما جاء في قصة إسلامه (^٢).
قوله: (اسْتَدْرِكْهُ) أي: أدركه.
وقوله: (مُسْتَطَرًا) «الأصلُ في السَّطْرِ: الخَطُّ والكِتَابَةُ … واسْتَطَرَهُ: كَتَبَهُ» (^٣)؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣].
قال البغوي في تفسيره: «يُقَالُ: سَطَّرْتُ وَاسْتَطَرْتُ وَكَتَبْتُ وَاكْتَتَبْتُ» (^٤).
أشار النَّاظِمُ في هذه الأبيات إلى سبب جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وقد أورد هذه القصة البخاري في "صحيحه" عَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فإذا عُمَرُ بن الخطاب عنده، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ» (^٥) يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كثيرٌ من القُرْآن، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان: ١/ ٣١٤.
(٢) انظر: دلائل النبوة: ٢/ ٢١٩، وتاريخ دمشق: ٤٤/ ٢٩، وصفة الصفوة: ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٣) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٦٨٣ - ١٦٨٤ (س ط ر)، والمحكم: ٨/ ٢٨٤ (س ط ر)، ولسان العرب: ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (س ط ر).
(٤) انظر: معالم التنزيل: ٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٥) بسين مهملة ساكنة ومثناة مفتوحة بعدها حاء مهملة مفتوحة ثم راء ثقيلة، أي: اشْتَدَّ وَكَثُرْ. فتح الباري: ١١/ ١٦٧، تهذيب اللغة: ١/ ٧٨٠ (ح ر ر)، والصحاح: ٢/ ٥٤٤ (ح ر ر)، ولسان العرب: ٤/ ١٧٩ (ح ر ر).
[ ٢٠٦ ]
لعمرَ: كَيْفَ تفعل شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ عُمَرُ: هذا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذلك، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أمرني به مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يراجعني حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ (^١) وَاللِّخَافِ (^٢) وَصُدُورِ الرِّجَالِ حتى وَجَدتُّ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مع أَبِي خُزَيْمَةَ الأنصاري (^٣) لم أجدها مع أَحَدٍ غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ (^٤) ﵁ (^٥).
_________________
(١) العسيب من النخل: بضم العين والسين، جمع عسيب، وهي جريدةٌ مستقيمةٌ دقيقةٌ يُكْشَطُ خُوصُهَا، فَيُكْتَبُ عَلَيْهَا. مقاييس اللغة: ٤/ ٢١٧ (ع س ب)، والصحاح: ١/ ١٦٢ (ع س ب)، والمحكم: ١/ ٣١٢ (ع س ب).
(٢) بكسر اللام ثم خاء معجمة خفيفة وآخره فاء، جمع لخفة، بفتح اللام وسكون المعجمة، وهي: الحجارة الرقاق. انظر: جمال القراء: ١٦٢، وفتح الباري: ١١/ ١٧١، والعين: ٤/ ٢٦٥ (ل خ ف)، والصحاح: ٣/ ١١٧٩ (ل خ ف)، ولسان العرب: ٩/ ٣١٥ (ل خ ف).
(٣) هو: أبو خزيمة بن أوس بن زيد، الأنصاري، ثم النَّجَّاري، شهد بدرًا والمشاهد كلها، توفي في خلافة عثمان ﵁. أسد الغابة: ٥/ ٨٩ - ٩٠ (٥٨٤٣)، وسيرأعلام النبلاء: ٢٢٠.
(٤) هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوج النبي ﷺ، أم المؤمنين، تزوجها سنة: (٣ هـ)، روت عن النبي ﷺ وعن أبيها، روى عنها أخوها عبد الله وخلقٌ، ماتت: ٤٥ هـ. السير: ٢/ ٢٢٧ - ٢٣١ (٢٥)، والإصابة: ١٣/ ٢٨٤ - ٢٨٨ (١١١٨٠).
(٥) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن، رقم الحديث: (٤٦٠٣)، ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن: ٢/ ٩٢ - ٩٤، والسجستاني في المصاحف (٤٨ - ٥٨)، والداني في المقنع: ١/ ٣٣٤، غير أنه جعل الآية المفقودة، هي: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، والوسيلة: ٦٤ - ٦٧.
[ ٢٠٧ ]
ودلَّ قولُهُ: (فَكَتَبَ الكُلَّ فِي صُحْفٍ بِسَبْعَتِهِ):
على أنَّ زيد بن ثابتٍ ﵁ كَتَبَ كُلَّ القرآنَ بجميعِ أوجُهِ قراءاتهِ، ووزَّعَهَا على المصاحفِ، بجميعِ الأوجهِ التي نزل بها القرآنُ، والتي يُقَالُ عنها: (الأحرف السبعة) (^١).
قال الناظم: «وليس في كلامِ أبي بكرٍ وزيدٍ ﵄ تصريح بذلك، بل هو مفهومُ سياقِ كلامِهِمَا، لأن أبا بكر ﵁ أمره بكتابة القرآن كله. وكل حرف من الحروف السبعة بعضٌ من أبعاضِ القرآنِ، فلو أَخَلَّ ببعضها لم يكن قد كتب القرآن كله، وتتبعه تلك الأشياء ظاهرٌ في طلب الظفر بمتفقه ومختلفه» (^٢).
ثم ذكر -﵀- قصة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ وسببه:
[٢٦] … ثُمَّ شَاعَ الخُلْفُ فِي مَلَإٍ … شَامٍ عِرَاقٍ فَقَالَ ابنُ اليَمَانِ أَلَا
[٢٧] عُثْمَانُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُصِيبَهُم … فَاسْتَحْضَرُوهَا بِإِجْمَاعٍ كَمَا نُقِلَا
[٢٨] وَخَصَّ زَيْدًا وَرَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى … لِسَانِهِمْ فَاكْتُبُوهُ مِثْلَ مَا نَزَلَا
_________________
(١) للتوسُّع في معرفة معنى الأحرف السبعة، انظر: فضائل القرآن لأبي عبيد: ٢/ ١٦٣ - ١٧٦، الأحرف السبعة للقرآن: ١١، والمرشد الوجيز: ٨٦ - ١١١، وفضائل القرآن لابن كثير: ١٣٢ - ١٣٧.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢١٤ - ٢١٥.
[ ٢٠٨ ]
قوله: (فَاسْتَحْضَرُوهَا): أي الصُّحُفَ التي كُتِبَتْ فِي عَهْدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
وقوله: (وَخَصَّ) عثمانُ (زَيْدًا) وهو من الأنصارِ، وَ(وَرَهْطًا): الرَّهْطُ: ما بينَ الثلاثةِ إلى العشرة (^١).
وقوله: (مِنْ قُرَيْشٍ): وهم سعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لأنَّ سعيدًا أمويٌّ، وعبد الله أسديٌّ، وعبد الرحمن مخزوميٌّ، وكُلُّهَا من بطونِ قريشٍ (^٢).
وقوله: (عَلَى لِسَانِهِمْ): أي على مصطلح وحرفِ قريش ولغتهم، وقيل: معظمه بلسانهم (^٣)، (فَاكْتُبُوهُ) أي: القرآن الكريم.
ذكر في هذه الأبيات سبب جمع المصحف في عهد عثمان بن عفان ﵁، وهو أن حذيفة بن اليمان (^٤) قدم على عثمان، وكان يُغَازِي أهل الشام (^٥) في فتح إرمينية (^٦)
_________________
(١) انظر: العين: ٤/ ١٩ (ر هـ ط)، ومقاييس اللغة: ٢/ ٤٥٠ (ر هـ ط)، والقاموس المحيط: ٢/ ٥٣٤ (ر هـ ط).
(٢) انظر: فتح الباري: ١١/ ١٧٩.
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢١٩ - ٢٢٠، والمرشد الوجيز: ٧١ - ٧٢.
(٤) هو: حذيفة بن جابر العبسي اليماني، أبو عبد الله، من نجباء الصحابة، وصاحبُ سرِّ رسول الله ﷺ، من أعيان المهاجرين، حدَّث عن النبي ﷺ وكبار الصحابة، وعنه: زر بن حبيش، وابن أبي ليلى، وغيرهم، مات سنة: (٣٦ هـ). سيرأعلام النبلاء: ٢/ ٣٦١ - ٣٦٩، والإصابة: ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧.
(٥) الشام: هي بلادٌ كثيرةٌ وكور عظيمةٌ، وممالكٌ بأرض فلسطين. سُمِّيت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض، فشبِّهت بالشامات، بها من المدن: حلب وحمص ودمشق. معجم البلدان: ٣/ ٣١١ - ٣١٥، والروض المعطار: ٤١٠.
(٦) إرمينية: بكسر أوله ويُفتح، وسكون ثانيه، وكسر الميم، وياء ساكنة، وكسر النون، وياء خفيفة مفتوحة، اسم لصقع عظيم واسع في جهة الشمال، تقع جنوب القوقاز، في الشمال الشرقي من هضبة الأناضول، وهي إقليم جبلي، وتحدها تركيا من الغرب، وأذربيجان من الشرق، وإيران من الجنوب، معجم ما استعجم: ١/ ١٤١، ومعجم البلدان: ١/ ١٥٩ - ١٦٠ (إرمينية)، والروض المعطار: ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٠٩ ]
وأذربيجان (^١) مع أهل العراق (^٢)، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أنْ أرسلي إلينا بالصُّحُفِ ننسخُهَا في المصاحِفِ، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (^٣) وسعيد بن العاص (^٤) وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (^٥) فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحُفَ في المصاحفِ رَدَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحْرَق (^٦).
_________________
(١) أذربيجان: بالفتح ثم السكون وفتح الراء وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة وجيم، وهو إقليم واسع، ومملكة عظيمة، ومن مدائنها المشهورة، تبريز. معجم ما استعجم: ١/ ١٢٩، ومعجم البلدان: ١/ ١٢٨ (أذربيجان)، والروض المعطار: ٢٠.
(٢) العراق: بلادٌ على شاطئ دجلة والفرات. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع: ٣/ ٩٢٩، والروض المعطار: ٤١٠.
(٣) هو: الزبير بن العوَّام، أبو بكر، القرشي، الأسدي، أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، وهو أحد من ولي الخلافة، وكان شجاعًا عابدًا، (ت: ٧٣ هـ). أسد الغابة: ٢/ ٩٧ - ١٠٠، والسير: ٣/ ٣٦٣ - ٣٨٠.
(٤) ابن سعيد، أبو عثمان، القرشي، الأموي، كان من فصحاء قريش، ولهذا ندبه عثمان ﵁ لكتابة القرآن، (ت: ٥٨ هـ). أسد الغابة: ٢/ ٢٣٩ - ٢٤١ (٢٠٨٢)، والسير: ٣/ ٤٤٤ - ٤٤٩.
(٥) أبو محمد، القرشي، المخزومي، ولد في عهد النبي ﷺ، وكان ممن انتدبهم عثمان ﵁ لكتابة المصاحف، (ت: ٤٣ هـ). أسد الغابة: ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (٣٢٧٧)، الإصابة: ٨/ ٣٩ - ٤٠ (٦٢٣٠).
(٦) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن: ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥، رقم الحديث: (٤٦٠٣)، والنسائي فضائل القرآن: ٧٤ - ٧٥، والسجستاني في المصاحف: ٨٨ - ٩٥.
[ ٢١٠ ]
قال ابن شهابٍ (^١): وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (^٢)، أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله -ﷺ- يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري (^٣): ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سورتها بالمصحف.
قال الناظم: «وإنما أمرهم أن ينسخوا من الصُّحُفِ، ليكونَ مصحف هُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَصْلِ أَبِي بَكْرِ ﵁ المُسْتَنِدِ إِلَى أَصْلِ النَّبِي -ﷺ-، وَعَيَّنَ زيدًا لاعتمادهما عليه، وضمَّ إليه جماعةً مساعدةً له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا من قريش؛ لأن القرآن نزل أول حروفه بلغتهم، لكون النبي -ﷺ- أُرسلَ إليهم وإلى بقية العرب خصوصًا، وإلى سائر الناس عمومًا» (^٤).
[٢٩] فَجَرَّدُوهُ بِلَا شَكْلٍ وَلَا نُقَطٍ … وَلَا خِلَافٍ أَوِ السَّبْعَةَ قَدْ حَمَلَا
قوله: (فَجَرَّدُوهُ) أي: من غير القرآن الكريم (^٥).
_________________
(١) محمد بن مسلم بن عبيدالله، أبو بكر، القرشي، الزهري، المدني، متفق على إمامته، وحفظه وثقته، (ت: ١٢٤ هـ). السير: ٥/ ٣٢٦ - ٣٥٠، غاية النهاية: ٣/ ١٢٣٣ - ١٢٣٤.
(٢) أبو زيد، الأنصاري، المدني، أحد الفقهاء السبعة الأعلام، إمام ثقة. (ت: ١٠٠ هـ). السير: ٤/ ٤٣٧ - ٤٤١.
(٣) ابن الفاكه، أبو عمارة، الأوسي، الخطمي، الأنصاري، من السابقين، جعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين، من كبار الصحابة، استشهد بصفين سنة: (٣٧ هـ). والسير: ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٧ (١٠٠)، والإصابة: ٣/ ٢١٤ - ٢١٦ (٢٢٦٠).
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٢٤.
(٥) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٣١، المرشد الوجيز: ٧٤.
[ ٢١١ ]
ومعنى التجريد: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «الجيمُ والرَّاءُ والدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وهو بدوُّ ظاهرِ الشيءِ حيث لا يَسْتُرُهُ سَاتِرٌ، ثُمَّ يُحْمَلُ عليه غيرهُ مما يشاركُهُ في معناه» (^١).
وقال الناظم: «وَعَرَّوْهُ مِنْ أَسْمَاءِ السُّورِ وَنِسَبِهَا وَالعَدَدِ والتَّجْزِئَةِ وَالفَوَاصِلِ والشَّكْلِ» (^٢).
وَالشَّكْلُ لُغَةً: قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَمْروٍ الدَّانِيِّ: «والشَّكْلُ: أَصْلُهُ التَّقْيِيدُ والضَّبْطُ، تَقُولُ: شَكَلْتُ الكِتَابَ شَكْلًا؛ أَيْ: قَيَّدتَّهُ وَضَبَطَّهُ» (^٣)، و«بالفتح: المِثْلُ، وَشَكَلْتُ الكِتَابَ؛ أَيْ: قَيَّدتَّهُ بِالإِعْرَابِ» (^٤).
وَاصْطِلَاحًا: «الدَّالُّ عَلَى عَوَارِضِ الحَرْفِ، مِنْ فَتْحٍ، وَضَمٍّ، وَكَسْرٍ، وَسُكُونٍ، وَشَدٍّ، ومَدٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ» (^٥)، وَهُوَ نَقْطُ الإِعْرَابِ.
والنَّقْطُ لغةً: «النَّقْطَةُ: واحدةُ النُّقَطِ، والنِّقَاطُ: جمعُ نُقطةٍ، ونَقَطَ الحرفَ ينقُطُهُ نقطًا: أعجمهُ، والاسمُ: النُّقْطةُ، ونقَّطَ المصاحفَ تنقيطًا، فهو نقَّاطٌ، والنقطةُ: فعْلةٌ واحدةٌ» (^٦).
وَأَبْدَعَهُ: أَبْدَعَ الشَّيءَ، وابْتَدَعَهُ: اخْتَرَعَهُ (^٧).
واصطلاحًا: هو «ما يشمَل نقط الإعجام الدال على ذات الحرف» (^٨).
_________________
(١) انظر: العين: ٦/ ٧٥ - ٧٦ (ج ر د)، والصحاح: ٢/ ٣٩٧ (ج ر د)، ومقاييس اللغة: ١/ ١٩٦ (ج ر د).
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٢٧.
(٣) انظر: المحكم: ١١٧.
(٤) انظر: تهذيب اللغة: ٢/ ١٩١٥ - ١٩١٧ (ش ك ل)، والمحكم: ٦/ ٤٢٨ (ش ك ل)، ولسان العرب: ١١/ ٣٥٦ (ش ك ل).
(٥) انظر: دليل الحيران: ٤٨.
(٦) انظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٣٦٤٩ (ن ق ط)، ولسان العرب: ٧/ ٤١٧ (ن ق ط).
(٧) انظر: لسان العرب: ٨/ ٦ (ب د ع)، والقاموس المحيط: ٣/ ٧ (ب د ع).
(٨) انظر: دليل الحيران: ٤٨.
[ ٢١٢ ]
والنقط له معنيان:
الأول: نقط الإعجام، وهو: «نقط الحروف في ذواتها للتفريق بين المشتبه منها في الرسم».
الثاني: نقط الإعراب، وهو: «نقط الحروف للتفريق بين الحركات المختلفة في اللفظ» (^١).
قال الناظم: «فَتَرَوَّى عثمانُ حتى رأى رأيَهُ، فأحضر الصحف التي كتبها أبو بكر ﵁ من حفصة، وأمر زيدًا وثلاثةً من رجال قريش، وهم عبد الرحمن وابن الزبير وسعيد أن يكتبوها صحيفةً واحدةً على ما هي عليه من غير تغيير على مصطلح كتابة قريش أو على لغتهم؛ إذ أول ما نزل على رسول الله -ﷺ- نزل بلغة قريش، فنسخ الكتاب الصحف على ما أمرهم به، ولم يزيدوا فيها شكلًا ولا نقطًا، فاحتمل وجوه القراءات» (^٢).
وأشار النَّاظِمُ في الشَّطْرِ الأَخِيرِ من البيتِ إلى مسألةٍ وهي:
هل المصاحفُ العثمانيةُ مشتملةٌ على جميعِ الأحرفِ السبعةِ؟ أم على حرفٍ واحدٍ منها وهو الموافق للعرضة الأخيرة؟ أم أنَّها مشتملةٌ على ما يحتملها رسمها من الأحرف السبعة؟
فذهب إلى الرأي الأول: القاضي أبو بكر الباقلاني (^٣)، والداني (^٤) على قولٍ له، وطائفة من أهل العلم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥).
_________________
(١) انظر: قصة النقط والشكل في المصحف الشريف: ١٨، والمحكم: ٥٧ - ٨١.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٢٠.
(٣) انظر: الانتصار: ١/ ٦٠، والمرشد الوجيز: ١١١، وفتح الباري: ٩/ ٢٩ - ٣٠.
(٤) انظر: جامع البيان: ١/ ١٢٢.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى: ١٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
[ ٢١٣ ]
وذهب إلى الثاني: ابن جرير الطبري (^١)، والطحاوي (^٢)، وابن عبد البَرّ (^٣)، وهو ظاهر كلام الإمام الشاطبي في العقيلة (^٤)، وهو القول الآخر للداني (^٥)، وهو قولٌ لابن الجزري (^٦).
وذهب إلى الثالث: ابن الجزري، والجعبري (^٧)، وهو قول جماهير السلف والخلف، وهو الراجح، قال الإمام ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ): «وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدلُّ عليه وتشهدُ لَهُ» (^٨).
_________________
(١) محمد بن جرير بن يزيد الإمام أبو جعفر الطبري الآملي البغدادي، أحد الأعلام وصاحب التفسير والتاريخ والتصانيف، أخذ القراءة عن سليمان بن عبد الرحمن بن حماد، وأخذ عنه: محمد بن أحمد الداجوني، (ت: ٣١٠ هـ). وفيات الأعيان: ١/ ٥٧٧، وغاية النهاية: ٢/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥. وانظر قوله في كتابه: جامع البيان: ١/ ٥٢.
(٢) الإمام العلامة الحافظ الكبير، محدث الديار المصرية وفقيهها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي، المصري، الطحاوي، الحنفي، روى القراءة عن موسى بن عيسى، روى عنه القراءة هشام بن محمد بن قرة. (ت: ٣٢١ هـ). السير: ١٥/ ٢٧ - ٣٣، غاية النهاية: ١/ ١٨٨. وانظر قوله في كتابه: شرح مشكل الآثار: ١٠/ ٢٥٨.
(٣) الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي القرطبي المالكي، صاحب التصانيف، كان إمامًا ديِّنًا ثقةً متقنًا، حدَّث عن: خلف بن القاسم وعبد الوارث بن سفيان، وحدَّث عنه: أبو محمد بن حزم والحافظ أبو عبد الله الحميدي، (ت: ٤٦٣ هـ). (وفيات الأعيان: ٧/ ٦٦ - ٧٢، والسير: ١٨/ ١٥٣. وانظر قوله في كتابه: الاستذكار، كتاب القرآن، باب ما جاء في القرآن: ٢/ ٤٧٩.
(٤) انظر: العقيلة، البيت رقم: ٣٤.
(٥) انظر: المقنع: ١/ ٣٤٢.
(٦) الإمام العلامة محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين أبو الخير الدمشقي، الشيرازي الشافعي المقرئ، سمع من ابن الجندي، وابن اللبان، وغيرهم، وسمع منه: إبراهيم بن عمر البقاعي، ورضوان بن محمد العُقْبي، وغيرهم، توفي بشيراز سنة: (٨٣٣ هـ). غاية النهاية: ٣/ ١٢١٦ - ١٢٢٠، والأعلام: ٧/ ٤٥. وانظر قوله في كتابه: منجد المقرئين: ١٠٨.
(٧) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٣١.
(٨) انظر: النشر: ٢/ ١٠٠.
[ ٢١٤ ]
[٣٠] لِقَوْلِهِ: «جَرِّدُوا»، والنَّقْطُ أَبْدَعَهُ … يَحْيَى بن يَعْمَرَ إِعْرَابًا وَقَدْ مَثُلَا
أي: لقول عبد الله بن مسعود (^١) ﵁: «جَرِّدُوا القرآن، ولا تخلطوه بشيءٍ» (^٢).
قال أبو عبيد القاسم بن سلَّام (ت: ٢٢٤ هـ): «أَرَادَ بقوله: (جرِّدُوا الْقُرْآن) أَنَّه حثَّهم على أَن لا يُتَعَلَّم شَيْءٌ من كُتُبِ اللهِ ﵎ غَيْرُهُ» (^٣).
وقال الإمام الجعبري: «فَنَسَخَ الكُتَّابُ الصُّحُفَ على مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، ولم يزيدوا فيها شَكْلًا وَلَا نَقْطًا، فاحتملَ وجوهَ القراءاتِ» (^٤).
وقال الإمام ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ): «وَجُرِّدَتْ هذه المصاحِفُ جميعُها من النَّقْطِ والشَّكْلِ، ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي -ﷺ-» (^٥).
وذكر الإمام ابن الجزري السبب في ذلك فقال: «لتكون دلالةَ الخطِّ الوَاحِدِ عَلَى كِلَا اللَّفْظَيْنِ المنقُولَيْنِ المسْمُوعَيْنِ المتْلُوَّيْنِ شَبِيهَةً بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الوَاحِدِ عَلَى كِلَا المَعْنَيَيْنِ المَعْقُولَيْنِ المَفْهُومَيْنِ» (^٦).
_________________
(١) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، الإمام الحبر فقيه الأمة، من السابقين الأولين، عرض القرآن على النبي ﷺ، ومناقبه كثيرةٌ، وعلومه غزيرةٌ، (ت: ٣٢ هـ). معرفة القراء: ١٤ - ١٧، وغاية النهاية: ٢/ ٦٧٧ - ٦٧٩.
(٢) أخرجه من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء: الداني في المحكم: ٨٤، وابن أبي داوود في كتاب المصاحف: ٣١٩، وأبو عبيد في فضائل القرآن: ٢/ ٢٣٠، والفريابي في فضائل القرآن: ١٥٠، والبيهقي في شعب الإيمان: ٤/ ٢١٨.
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١٨٩.
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٢٠.
(٥) انظر: النشر: ٢/ ٢٦.
(٦) انظر: المرجع السابق: ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
[ ٢١٥ ]
ويقال: إنَّ أول من نقط المصاحف أبو الأسود الدؤلي (^١)، وَيَتَنَازَعُ هَذِهِ الأَوَّلِيَّةَ هو واثنان من أبرز تلاميذه، وهما: نصر بن عاصم الليثي (^٢)، ويحيى بن يَعْمَر العدواني (^٣).
وذكر النَّاظِمُ هنا أنَّ أوَّلَ من نَقَطَ المصاحفَ هو: يحيى بن يَعْمَر العدواني؛ استنادًا إلى ما ذكره أبو داوود (^٤)، والداني (^٥).
وقال الإمام الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) في ترجمته: «وهو أول من نقط المصاحف بنقط الإعراب» (^٦).
قال الناظم: «ورُوِّينا أنَّ المبتدئَ بذلك نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يَعْمَر، ويمكن الجمع بأنَّ أبا الأسود ابتدأ، وتَصَدَّيَا لذلك، أو نَقَطَا الدَّالَّ على الذَّاتِ» (^٧).
_________________
(١) أبو الأسود الدؤلي، ظالم بن عمرو، كان من سادات التابعين، نزل البصرة، وصحب علي بن أبي طالب ﵁، وشهد معه وقعة صفين، وهو أول من وضع العربية ونقط المصحف، (ت: ٦٩ هـ). في البصرة. طبقات النحويين واللغويين: ٢١ - ٢٦، ومعرفة القراء: ٣٩.
(٢) نصر بن عاصم الليثي البصري، عرض القرآن على أبي الأسود الدؤلي، وأخذ عنه النقط والعربية، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء ويعقوب الحضرمي، (ت: ٦٠ هـ). معرفة القراء: ٥٠، وغاية النهاية: ٣/ ١٣٢٥ - ١٣٢٦.
(٣) يحيى بن يَعْمَر أبو سليمان العُدْواني البصري، تابعي جليل، عرض على ابن عمر وابن عباس، عرض عليه: أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق، (ت: ٩٠ هـ). معرفة القراء: ٤٥، وغاية النهاية: ٣/ ١٣٨٤.
(٤) انظر: كتاب المصاحف: ٣٢٤.
(٥) انظر: المحكم: ٦٦.
(٦) انظر: معرفة القراء: ٤٥.
(٧) انظر: جميلة أرباب المراصد (ص: ٢٢٨ - ٢٢٩).
[ ٢١٦ ]
[٣١] كُوفٍ وَبَصْرٍ وَشَامٍ وَالمَدِينِ وَذَا … غَيْرُ الَّذِي خَصَّ ذَا النُّورَيْنِ يَا رَجُلَا
[٣٢] وَخُلْفُ مَكَّةَ وَالبَحْرَينِ وَاليَمَنِيْ … وَمُخْطِئٌ مُدَّعٍ لِّاهْمَالَ وَالخَلَلَا
أشار النَّاظِمُ ﵀ إلى عدد المصاحف العثمانية المتفق عليها والمختلف فيها.
قال الإمام الجعبري: «حَبَسَ عثمان ﵁ مصحف ا بالمدينة للناس، وآخر لنفسه، وسيَّر باقيها إلى أمرائه بالكوفة والبصرة والشام، قيل: وإلى مكة والبحرين واليمن» (^١).
واختُلف في عدد النُّسَخِ التي كتب فيها عثمان ﵁ المصاحف على أقوال:
القول الأول: إنَّها أربعة مصاحف (المدني والشامي والكوفي والبصري)، قال الإمام أبو عمروٍ الداني: «أكثر العلماءِ على أنَّ عثمان ﵁ لما كتب المصحف، جعله على أربع نسخٍ» (^٢)، وقال الإمام القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): «وهو الأكثر» (^٣)، وقال الإمام المارغني: «الذي عليه الأكثر أنها أربعة» (^٤).
القول الثاني: إنها خمسة مصاحف، الأربعة السابقة، و(المكي)، وهو قول أبي علي الأهوازي (^٥)، وابن حجر (^٦)،
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) انظر: المقنع: ١/ ٣٥١، والمطالع النصرية: ٧٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٨٩.
(٤) انظر: دليل الحيران: ٤٣.
(٥) الحسن بن علي بن إبراهيم الشهير بأبي عليٍّ الأهوازي، انتهى إليه علو الإسناد على ضعفٍ فيه، صنَّف عدة كتب في القراءات، قرأ على: علي بن الحسين الغضائري، وحدَّث عنه أبو بكر الخطيب، (ت: ٤٤٦ هـ). معرفة القراء: ٤٢٧ - ٤٣٠، وغاية النهاية: ١/ ٣٣٩ - ٣٤١. وانظر قوله في المرشد الوجيز: ١٢٥.
(٦) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل، من أئمة العلم والتاريخ، علت شهرته، فتوافد عليه الطلاب والعلماء للأخذ عنه، زادت تصانيفه في الحديث والتاريخ والأدب والفقه على مئة وخمسين مصنفًا، (ت: ٨٥٢ هـ). معجم المفسرين: ١/ ٥١، الأعلام: ١/ ١٧٨. وانظر قوله في: فتح الباري: ١١/ ١٨٠.
[ ٢١٧ ]
والسيوطي (^١)، والقسطلاني (^٢)، وهو قولٌ للإمام مكي بن أبي طالب (^٣).
وحكاه الإمام السخاوي (^٤)، وقال أبو بكر بن عبد الغني اللبيب (^٥) (توفي قبل: ٧٣٦ هـ): «والصحيحُ المشهورُ أنها كانت أربعة غير الإمام» (^٦).
القول الثالث: إنَّها ستة مصاحف، الخمسة السابقة، و(المصحف الإمام)، وصَحَّحَهُ الإمام علي محمد الضَّبَّاع (^٧)،
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، إمام حافظ مؤرخ أديب، نشأ في القاهرة يتيمًا، سافر إلى الحجاز واليمن والهند وغيرها من البلدان، له أكثر من (٦٠٠) مصنف، (ت: ٩١١ هـ). الأعلام: ٣/ ٣٠١، ومعجم المفسرين: ١/ ٢٦٤. وانظر قوله في كتابه: الإتقان: ٢/ ٣٩٣.
(٢) الإمام العلامة أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني المصري الشافعي، أبو العباس، شهاب الدين، من علماء القراءات والحديث، من شيوخه: أبو حفص عمر بن قاسم النشار، ومن تلاميذه: أبو البركات بدر الدين الغّزِّي العامري، (ت: ٩١١ هـ). الضوء اللامع: ٢/ ١٠ - ١٠٤، والأعلام: ١/ ٢٣٢. وانظر قوله في كتابه لطائف الإشارات: ١/ ١١٢.
(٣) انظر قوله في كتابه: الإبانة عن معاني القراءات: ٣٨.
(٤) الإمام العلامة علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني السخاوي الشافعي، المقرئ، قرأ القراءات على الإمام الشاطبي، وقرأ عليه: أبو الفتح محمد بن علي الأنصاري، (ت: ٦٤٣ هـ). إنباه الرواة: ٢/ ٣١١، وغاية النهاية: ٢/ ٨٢٣ - ٨٢٦. وانظر قوله في كتابه: الوسيلة: ٧٥.
(٥) أبو بكر بن أبي محمد عبد الغني، ويعرف باللبيب، التونسي، من علماء الرسم والقراءات، قرأ على الحاج يوسف القادسي الأندلسي، من مؤلفاته: الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة، (توفي قبل: ٧٣٦ هـ). كتاب العُمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين: ١/ ١٦٩ - ١٧١.
(٦) انظر: الدرة الصقيلة: ٢١٣.
(٧) علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم، الملقب بالضباع، مصري، علامة كبير، وإمام مقدم في علمي التجويد والقراءات، وغيرها من العلوم، قرأ على: العلامة المحقق الشيخ حسن الكتبي، وقرأ عليه: الشيخ عبد العزيز بن الشيخ محمد علي عيون السود، (ت: ١٣٧٦ هـ). هداية القاري: ٢/ ٦٨٠ - ٦٨٣. وانظر قوله في كتابه: سمير الطالبين: ١٥ - ١٦.
[ ٢١٨ ]
وصوَّبَه ابن عاشر (^١).
القول الرابع: إنها سبعة مصاحف، (المدينة والشام والكوفة والبصرة ومكة واليمن والبحرين)، وهو قول أبي حاتم السجستاني (^٢)، ورَجَّحَ الإمام مكي بن أبي طالب أنها سبع نسخ، ولم يُعَيِّنْهَا (^٣).
وهو قول ابن كثير (^٤)، وأبي شامة المقدسي (^٥)، وحكاه السخاوي وقال بعده: «والرواية في ذلك تختلف» (^٦).
_________________
(١) عبد الواحد بن أحمد بن علي الأنصاري الأندلسي، المعروف بابن عاشر، إمام عالم متفنن، كان ذا معرفة بالقراءات وغيرها من العلوم، أخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن الكفيف، (ت: ١٠٤٠ هـ). خلاصة الأثر: ٣/ ٩٦ - ٩٨، ومعجم المفسرين: ٢/ ٧٨٥. وانظر قوله في منظومته الإعلان بتكميل مورد الظمآن، البيت رقم: ٣ (ص: ٤٩)، ودليل الحيران: ٤٥٠ - ٤٥١.
(٢) سهل بن محمد بن عثمان أبو حاتم السجستاني، إمام في النحو والقراءة واللغة، عرض على يعقوب الحضرمي، روى القراءة عنه: محمد بن سليمان المعروف بالزردقي، (ت: ٢٥٥ هـ). معرفة القراء: ٢٤٧ - ٢٤٩، والغاية: ١/ ٤٨٤ - ٤٨٦. وانظر قوله في المصاحف لابن أبي داوود: ١٣٣ - ١٣٤، والمرشد الوجيز: ٧٥، والمطالع النصرية: ٧٦.
(٣) انظر قوله في كتابه: الإبانة عن معاني القراءات: ٣٨.
(٤) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، أبو الفداء، حافظ مؤرخ فقيه، من فقهاء الشافعية، اشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إيه الرئاسة في العلم، (ت: ٧٧٤ هـ). الأعلام: ١/ ٣٢٠، ومعجم المفسرين: ١/ ٩٢. وانظر قوله في كتابه: فضائل القرآن: ٧٧.
(٥) سبقت ترجمته: ١٨، وانظر قوله في كتابه: المرشد الوجيز: ١٢٧.
(٦) انظر: الوسيلة: ٧٤.
[ ٢١٩ ]
القول الخامس: إنها ثمانية مصاحف، (المدينة والإمام والشام والكوفة والبصرة ومكة واليمن والبحرين)، وهو قول الإمام الشاطبي في العقيلة (^١)، والناظم (^٢)، والإمام ابن الجزري (^٣).
القول السادس: إنها تسعة مصاحف، وهو قول اليعقوبي في تاريخه (^٤).
قلت: ولعلَّ أولى الأقوال وأرجحها على -حدِّ علمي -أَنَّها سِتَّةُ. والله تعالى أعلم.
قال الإمام السخاوي (ت: ٦٤٣ هـ): «فَلَمَّا فَرَغَ عثمانُ ﵁ من أمر المصاحفِ، حَرَقَ ما سِوَاهَا، وردَّ تلك الصحف الأولى إلى حفصةَ ﵂ فكانت عندها، فلمَّا ولي مَرْوانُ المدينة، طَلَبَهَا ليُحْرِقَهَا فلم تجبهُ حفصة ﵂ لذلك، ولم تبعث بها إليه، فلمَّا ماتت، حضر مَرْوان جنازتها، وطلب الصحف من أخيها عبد الله بن عمر ﵄، وعزم عليه في أمرها، فسيَّرها عند انصرافه فحرقها، خشية أن تظهر فيعود الناسُ إلى الاختلاف» (^٥).
وقوله: (وَمُخْطِئٌ مُدَّعٍ لِّاهْمَالَ وَالخَلَلَا) أخبر النَّاظِمُ ﵀ أنَّه قد أَخْطَأَ من ادَّعى أنَّ في مصحف عثمان ﵁ إِهْمَالًا أَوْ خَلَلًا.
قال الناظم: «جميع ما كُتِبَ في المصحف الكريم صحيحٌ متواترٌ في التلاوةِ. وقد أخطأ الملاحدة، وهم غلاة الشيعة، وضَلُّوا ضلالًا بعيدًا في قولهم: إنَّ الذين كتبوا المصاحف أسقطوا من التلاوة أشياء، وَغَيَّرُوا نَظْمَهُ» (^٦).
قال القاضي أبو بكر الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ): «وجميع القرآن الذي أنزله الله تعالى،
_________________
(١) انظر: العقيلة، البيتين رقم: ٣٦ - ٣٧.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٣) انظر: النشر: ٢/ ٢٥ - ٢٦.
(٤) انظر: تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٦٦.
(٥) انظر: الوسيلة: ٧٦ - ٧٧.
(٦) انظر: جميلة أرباب المراصد: ١٢٩.
[ ٢٢٠ ]
وأمر بإثباته ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو الذي بين اللوحين، الذي حَوَاهُ مصحف عثمان، ﵁، لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلفُ عن السَّلفِ» (^١).
[٣٣] وَلَمْ يَصِحْ: سَتُقِيمُ العُرْبُ أَلْسُنَهَا … أَوْ لَحْنُ رَمْزٍ وَقِيلَ [اعْتَمَدُوا] (^٢) الفُضَلَا
ومعنى هذا البيت أنَّه جاء في أثرٍ ضعيفٍ عن يحيى بن يَعْمَر وعكرمة مولى ابن عباس (^٣) أنهما قالا: لمَّا فرغ من المصحف أُتِيَ به عثمان فنظر فيه، فقال: «قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئًا من لحن ستقيمه العرب بِأَلْسُنِهَا» (^٤).
قال الناظم: «قوله: أحسنتم وأجملتم مَدْحٌ، فكيف يُمْدَحُ على الإساءة» (^٥).
[٣٤] وَالتَّابِعُونَ اقْتَدَوْا، وَقَالَ مَالِكُ عَنْ … مصحف عُثْمَانَ: غَابَ بَعْدَ مَا قُتِلَا
أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّابِعُونَ اقْتَدَوْا)، إلى مسألةٍ، وهي: حكم كتابة المصحف
_________________
(١) انظر: نكت الانتصار: ٥٩.
(٢) ما بين المعكوفتين في (ب): «اعْتَمِدُوا».
(٣) أبو عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، (ت: ١٠٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. السير: ٥/ ٤٩٣ - ٥٠٩، وغاية النهاية: ٢/ ٧٥٥.
(٤) هذا خبرٌ باطلٌ، أخرجه ابن أبي داوود في كتاب المصاحف من عدة طرق (ص: ١٢٠) باب: اختلاف ألحان العرب في المصاحف وألحان اللغات رقم: (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦)، وانظر تعليق محقق الكتاب وردَّه على هذا الأثر: ١٢٣ - ١٢٦، ورواه أبو عبيد القاسم بن سلَّام في فضائل القرآن: ٢/ ١٠٣، حديث رقم: ٥٦٢.
(٥) جميلة أرباب المراصد: ١٣٥، وتأويل مشكل القرآن: ٢/ ٥٠ - ٥١، ومعاني القرآن للزجاج: ٢/ ١٣١، والمقنع: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥، وقال الإمام ابن تيمية: «فإنَّ هذا ممتنعٌ لوجوه» ثم ذكرها في مجموع الفتاوى: ١٥/ ٢٥٢ - ٢٦٤.
[ ٢٢١ ]
بغير الرسم العثماني (^١).
وذكر ﵀ في جميلة أرباب المراصد إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع رسم المصحف العثماني، حيث قال: «وهذا مذهب الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم» (^٢).
ومعنى قوله: (اقْتَدَوْا)؛ أي: بالذين من قَبْلِهِمْ من كَتَبَةِ المَصَاحِفِ، وذلك بـ «تجريدها من نحو النَّقْطِ والشَّكْلِ، ووضعها على مصطلح الرسم من البدل والزيادة والحذف» (^٣).
وهذا فيه إشارة إلى ما أخرجه الداني بسنده، قال أشهب (^٤): سئل مالكٌ (^٥)، فقيل له:
أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم أَتَرَى أن يُكتبَ على ما أحدث الناسُ من الهجاءِ اليوم؟
فقال: «لا أرى ذلك، ولكن يُكتب على الكتبة الأولى» (^٦).
_________________
(١) للتَّوسُّع في هذه المسألة، ينظر: رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين: ٥١ - ٦٨، رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية: ١٩٧ - ٢٠٣.
(٢) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٤١.
(٣) المرجع السابق: ٢٤١.
(٤) هو: أشهب بن عبد العزيز بن داوود، أبو عمرو القيسي المصري الفقيه، واسمه مسكين، وأشهب لقبٌ له، أحد فقهاء مصر، صاحب الإمام الشافعي، وتلميذ الإمام مالك بن أنس، (ت: ٢٠٤ هـ). السير: ٩/ ٥٠٠ - ٥٠٣ (١٩٠)، وغاية النهاية: ٣/ ١٢٧٦.
(٥) مالك بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأصبحي الحميري، المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب، أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم، روى القراءة عنه أبو عمرو الأوزاعي ويحيى بن سعيد، مات سنة: (١٧٩ هـ)، روى له: البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه، رتبته عند ابن حجر: إمام دار الهجرة، من مؤلفاته: «الموطأ»، و«رسالة في القدر». السير: ٨/ ٤٨ - ١٣٥ (١٠)، وغاية النهاية: ٢/ ٩٤١.
(٦) انظر: المقنع: ١/ ٣٥٣، والمحكم: ٩٠.
[ ٢٢٢ ]
قال أبو عمروٍ الداني - مُعَلِّقًا عليه -: «وَلَا مُخَاِلفَ لَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ» (^١).
وسئل مالكٌ عن الحروف تكون في القرآن، مثل الواو والألف، أترى أن تغير من المصحف إذا وجدت فيه كذلك؟ قال: (لا) (^٢).
وقال الإمام أحمد (ت: ٢٤١ هـ): «يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واوٍ أو ياءٍ أو ألفٍ أو غير ذلك» (^٣).
وقوله: «وَقَالَ مَالِكُ عَنْ مصحف عُثْمَانَ: غَابَ بَعْدَ مَا قُتِلَا».
قال الناظم: «قال مالك: غاب مصحف عثمان ﵁ عن المدينة، ولم نسمع بخبره بين علمائنا الهادين» (^٤).
[٣٥] أبُو عُبَيْدٍ رَآهُ بالِدِّما وَلإِمْـ … ـكَانِ الظُّهُورِ فَتَى النَّحَّاسِ مَا قَبِلَا
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) (^٥) ﵀ في كتابه القراءات (^٦):
_________________
(١) المقنع: ١/ ٣٥٣.
(٢) انظر: المقنع: ١/ ٤٧٤.
(٣) انظر: البرهان: ١/ ٣٧٩، وللمزيد من أقوال العلماء في حكم مخالفة الرسم العثماني في: الإتقان: ٦/ ٢٢٠٠، والآداب الشرعية: ١/ ٢٩ - ٤٠، ٢/ ٢٧٣، والوسيلة: ٧٩ - ٨٠.
(٤) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٤٤.
(٥) هو أبو عبيد القاسم بن سلام الخراساني الأنصاري، مولاهم البغدادي، الإمام الكبير، صاحب التصانيف في القراءات والحديث والفقه واللغة والشعر، أخذ القراءة عرضًا وسماعًا عن علي بن حمزة الكسائي، (ت: ٢٢٤ هـ)، وعمره: (٦٧ سنة). معرفة القراء: ١٩٥ - ١٩٨، وغاية النهاية: ٢/ ٩١٤ - ٩١٥.
(٦) الكتاب مفقود، وهناك عدد من الدراسات حول هذا الكتاب، منها: كتاب القراءات لأبي عبيد القاسم بن سلام جمعًا ودراسةً للدكتور/ جاسم الحاج جاسم الدليمي، واختيارات الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام ومنهجه في القراءة للدكتور: محمد بن موسى بن حسين نصر، وبحث لفضيلة الأستاذ الدكتور/ غانم قَدُّوري الحمد أبو عبيد القاسم سلاّم البغدادي حياته وجهوده في دراسة القراءات، وجهود الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام في علوم القراءات وتحقيق اختياره في القراءة لأحمد بن فارس السلوم، واختيارات أبي عبيد القاسم بن سلام في القراءات جمعًا ودراسة عبد الباقي بن عبد الرحمن بن سراقة سيي.
[ ٢٢٣ ]
«رأيتُ المصحف الذي يُقَالُ له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ استُخْرِجَ لي من بعض آثار خزائن الأمراء، وهو المصحف الذي كان في حجره حين أصيب، ورأيتُ دَمَهُ في مواضع مِنْهُ» (^١).
قال الناظم: «وردَّ أبو جعفر النَّحَّاس (^٢) قول أبي عبيد: «رأيتُهُ» مُتَمَسِّكًا في منعِهِ بقول مالكٍ: «غَابَ وَلَمْ نَجِدْهُ»، وما صوَّب أحدٌ من المحققين المنصفين ردَّ ابن النحَّاس قولَ أبي عبيدٍ؛ لأنَّ استدلالَهُ بقولِ مالكٍ: «غابَ ولم نَعْلَمْ»، لا يَتِمُّ، لأنَّ الغائبَ يحتملُ الغيبةَ في الوجودِ وعن الوجودِ، وما غابَ في الوجودِ يمكن ظهورهُ طالت غيبتُه أم قصُرت، ولا يلزمُ من علمِهِ بِهِ عَدَمُهُ، وإنَّما يتمَّ دليلهُ أن لو قال مالكٌ: «هَلَكَ مصحف عُثْمَانَ أَوْ عُدِم» (^٣).
[٣٦] لِنَافعِ الخُلْفُ مَعْ أَبِي عُبَيْدِ فَلَا … تَرْتَبْ بِخُلْفِ وِفَاقٍ جَاءَ مُعْتَدِلَا
أي: أنَّ الخلاف في هذا النظم بين الإمامين نافع بن أبي نعيم المدني المقرئ (ت: ١٦٩ هـ)، وأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ).
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٤٤.
(٢) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحَّاس، فقيهٌ مفسرٌ أديبٌ، واسع العلم، غزير الرواية، كثير التأليف، (ت: ٣٣٨ هـ). الوافي بالوفيات: ٧/ ٢٣٧، والأعلام: ١/ ٢٠٨، وانظر ردَّ أبي جعفر النحَّاس في كتابه: إعراب القرآن: ٢/ ١٨٣.
(٣) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٢٤٤.
[ ٢٢٤ ]
قال الإمام الجعبري: «بين نافع القُرَّاءِ وأبي عبيدٍ القاسمِ مغايرةٌ فيما نقلاه عن الرسم المدني ولا معارضةَ بين نَقْلَيْهِمَا لاختلاف مَحَلَّيْهِمَا، فَتَلَقَّ بالقبولِ ما جاء عن المحققين العدولِ» (^١).
وبيَّن ﵀ مصدر كل واحدٍ منهما في النقل، فقال: «نافع عن المصحف المدني العامِّ المرصدِ للناسِ، وأبو عبيد ينقل عن المدنيِّ الخَاصِّ لعثمانَ ﵁ الموسومُ بالإمامِ» (^٢).
_________________
(١) انظر: جميلة أرباب المراصد: ٣٨٣.
(٢) المرجع السابق: ٣٨٣.
[ ٢٢٥ ]