عُرِفَ الإمام الجعبري بكثرة تآليفه، وبخاصة في علم القراءات إذ هو الذي تفرَّغ له وبذل فيه وسعه ووقته لما استقر في بلد الخليل ﵇ وأخذ مشيختها.
وَنَظْمُهُ هذا «روضة الطرائف في رسم المصاحف» هو من أوائل منظوماته التي أنشأها وهو في بغداد، وفيما يلي ذكر لمنهجه في هذه المنظومة على ما استنتجته منها، فأقول وبالله التوفيق:
[ ٦٦ ]
المطلب الأول: الكلام على بحرِ النَّظْمِ.
نظم الإمام الجعبري منظومته على بحر البسيط، وجعل روِيَّها (^١) على حرف اللام مفتوحًا، موصولًا بألف الإطلاق، وبيَّن ذلك في مقدمة نظمه، بقوله:
[١١] لَامِيَّةٌ عَذُبَتْ فِي عِقْدِهَا نَظَمَتْ … رَائِيَّةً وَرَبَتْ مَسَائِلًا مَثُلَا
وبحر البسيط هو أحد بحور الشعر وأشهرها، وقد نظم عليه عددٌ من كبار الشعراء بعضًا من قصائدهم، وذلك كعنترة بن شداد في قصيدته التي يقول في مقدمتها (^٢):
لَا يَحْمِلُ الْحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ … وَلَا يَنَالُ الْعُلَا مَنْ طَبْعُهُ الْغَضَبُ
وكحاتم الطائي في قصيدته التي يقول في مطلعها (^٣):
مَهْلًا نُوَارُ أَقِلِّي اللَّوْمَ وَالْعَذَلَا … وَلَا تَقُولِي لِشَئٍ فَاتَ مَا فَعَلَا؟
وهي أيضًا مثل لامية الأفعالِ (^٤)
_________________
(١) الرويّ: هو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة. الكافي: ١٤٩، وسفر السعادة: ٢/ ٨٦٠.
(٢) انظر: شرح ديوان عنترة: ٢٥.
(٣) انظر: ديوان حاتم الطائي: ٣٩.
(٤) من أهم المنظومات في علم الصرف، وكمَّل بها ناظِمُها ابن مالك (ت: ٦٧٢ هـ). ألفيته المسماة (الخلاصة) في علم النحو، وجعل هذه المنظومة في صرف الأفعال في (١١٤ بيتًا)، ومن أهم شروحها شرح ابن الناظم (ت: ٦٨٦ هـ)، وشرح بحرق اليمني الكبير (ت: ٩٣٠ هـ).
[ ٦٧ ]
في البحرِ (^١) والقافيةِ (^٢) والرويِّ.
والبسيط من الدائرة الأولى وهي دائرة «المختلف»، وإنما سُمِّيَتْ بذلك لاختلاف أجزائها، وهذه الدائرة تجمع ثلاثة أبحر، وهي: الطويل والمديد والبسيط (^٣).
ويستعمل البسيط تامًا ومجزوءًا، وله أربعة أعاريض وسبعة أضرب:
العروض الأولى: تامة مخبونة، ولها ضربان: مخبون ووزنها (فَعِلُنْ)، ومقطوع ووزنها (فَاعِلْ).
العروض الثانية: مجزوءة صحيحة (ويجوز فيها الخبن، والطَّي) ولها ثلاثة أضرب:
أ. صحيح ووزنها (مُسْتَفْعِلُنْ) (ويجوز فيه الخبن ووزنه (مُتَفْعِلُنْ)، والطي ووزنه (مُسْتَعِلُنْ).
ب. مذيل ووزنها (مُسْتَفْعِلَانْ) (ويجوز فيه الخبن ووزنه (مُتَفْعِلَانْ)، والطَّيُّ ووزنه (مُسْتَعِلَانْ)، والخبل ووزنه (مُتَعِلَانْ).
ج. مقطوع. ووزنه (مُسْتَفْعِلْ).
العروض الثالثة: مقطوعة ووزنها (مُسْتَفْعِلْ)، وضربها مثلُها مقطوع، (ويجوز في هذه العروض وفي ضربها الخبن، ولا يجوز في تفاعيله الطي إلا شذوذًا).
_________________
(١) البحر: هو الوزن الخاص الذي على مثاله يجري الناظم. الكافي في العروض والقوافي: ٢١، والعروض: ٦٢.
(٢) القافية في الشعر: هي آخر البيت، أو البيت كله، أو القصيدة كلها. انظر: الكافي: ١٤٩، وسفر السعادهْ وسفير الإفاده: ٢/ ٨٧٣.
(٣) الكافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي: ٣١.
[ ٦٨ ]
العروض الرابعة: مخبونة مقطوعة، ولها ضرب واحد مثلُها، ووزنهما (مُتَفْعِلْ)، (ويسمَّى مخلع البسيط).
وهذه المنظومة من النوع الأول، وهو البحر البسيط التام (^١)، حيث العَروضُ (^٢) والضرب (^٣) المخبونان (^٤)، وبه يصبح العَروض والضرب (فَعِلُنْ)، وقافيتها مطلقة.
وهذه صورة الوزن العام:
مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ … مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ
قال الناظم مادحًا لنظمه، ومن أي بحور الشعر هو:
[١٠] لَفْظٌ وَجِيزٌ وَمَعْنَاهُ [الْمَدِيدُ] (^٥) حَوَى … دُرًّا نَضِيدًا بِهِ بَحْرُ الْبَسِيطِ حَلَا
ومن مُثُلِ ذلك في العروض:
البيت (١): (بِ عَلَى)، و(٢): (حَكَمٌ) و(٣): (عِظَةً) و(٤): (نَ دَعَا) و(٥): (هُ لهُ) و(٦): (ءُ عَلَى الْ) وهكذا إلى آخر القصيدة.
_________________
(١) للاستزادة انظر: الكافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي: ٣٩، والعروض لابن جني: ٧٤، والقسطاس في علم العروض: ٣٢.
(٢) العروض هي: التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول من البيت الشعري. انظر: الكافي في العروض والقوافي: ٢٠، والعروض: ٦٢.
(٣) الضرب هو: التفعيلة الأخيرة من الشطر الأول من البيت الشعري. انظر: الكافي: ٢٠، والعروض: ٦٢.
(٤) الخبن هو: حذف الثاني الساكن. انظر: الكافي: ٣٤، والقسطاس في علم العروض: ٣٢.
(٥) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
[ ٦٩ ]
وفي الضرب كذلك مثل: البيت (١): (تَهِلَا)، و(٢): (وَعَلَا)، و(٣): (عَقَلَا)، و(٤): (سَأَلَا)، و(٥): (كَ فَلَا)، و(٦): (رُسُلَا) وهكذا إلى آخر القصيدة.
أما من حيث الحشو فقد جاءت تفعيلاته سالمة ومخبونة ومطوية ومخبولة:
فالسالمة مثل: البيت (١): (اللهَ أَحْـ)، (لَامَ لْغُيُو)، (آلائهِ)، (حَمْدَ رَا)، (جِي الْعَفْوَ مُبْ)، وهو كثير.
والمخبونة (مُتَفْعِلُنْ) و(فَعِلُن) مثل: البيت (١): (ـمَدُ عَلْ)، والبيت (١٩): (وَكُلَّ عَا) والبيت (٢٠): (وَحَافِظُو) (تَهُ أُبَيْ) على الإشباع وهو أولى، كما يجوز عدم الإشباع (تَهُ أُبَيْ) وتكون مخبونة مطوية معًا أي مخبولة.
والبيت (٢٣): (فَقَالَ فَا)، (نَ ثابتٍ)، والبيت (٢٦): (فُ أَنْ تُصِيـ)، والبيت (٢٧): (هُ مِثْلَ مَا) ويجوز أن تكون سالمة بالإشباع (هُ مِثْلَ مَا)، والبيت (٣٣): (وَقَالَ مَا)، (بَ بَعْدَ مَا)، البيت (٣٤): (هُ بِالدِّمَا) ويجوز أن تكون سالمة بالإشباع.
البيت (٣٨): (تِلُوهُمُ) البيت (٤١): (معًا وبَعْـ). البيت (١٣٧): (نِ كَذَّبُو) ويجوز إثبات الياء فتكون سالمة (نِي كَذَّبُو).
البيت (١٣٧): (أَهَانَنِي)، البيت (١٣٩): (دِ وَالْمُنَا) ويجوز إثبات الياء فتكون سالمة (دِي وَالْمُنَا).
والمطوية (مُسْتَعِلُنْ) مثل: البيت (٢١): (فِي عُمَرٍ)، والبيت (٢٨): (سَبْعَةَ قَدْ)، والبيت (٣٢): (لَ اعْتَمِدُوا الْ)، والبيت (٣٣): (مصحف عُثْ)، والبيت (٤٤): (سَلْمِ وَأَطْ)، والبيت (٥٦): (حَبَّ كَجَا)، والبيت (٦٠): (عَنْهُ بِخُلْـ) والسلامة أولى عند الإشباع.
[ ٧٠ ]
والبيت (١١٦): (عَنْ أَلِفٍ)، والبيت (١٣٠): (واتَّبَعَنْ)، والبيت (١٣٠): (دُونِ سِوَى) ويجوز إثبات الياء فتكون سالمة (دُونِي سِوَى).
البيت (١٣٣): (دِينِ عِقَا)، (تُونِ مَتَا) ويجوز إثبات الياء فتكون سالمة (تُونِي مَتَا)، والبيت (١٣٦): (زُونِ عَذَا) ويجوز إثبات الياء فتكون سالمة (زُونِي عَذَا)، البيت (١٣٧): (نِ كَذَّبُو).
والمخبولة (مُتَعِلُنْ) وهي قليلةٌ، مثل البيت (٢٤): (فَكَتَبَ لْ)، والبيت (٦٨): (مَعَ لَأَوْ)، والبيت (١٦٥): (لِيَهَبَ الْ) والبيت (١٧٢): (وَمَلَأُ النَّـ)، والبيت (١٨٤): (شَجَرَتٌ).
* * في البيت (١٦٥): جاء الضربُ صحيحًا (فاعِلُن) (مَوْئلِاَ) على غير قياس.
[ ٧١ ]
المطلب الثاني: المنهج.
سار الناظم في نظمه على ما يلي:
• ابتدأ القصيدة بقوله:
[١] اللهَ أَحْمَدُ عَلَّامَ الغُيُوبِ عَلَى … آلَائِهِ حَمْدَ رَاجِي العَفْوِ مُبْتَهِلَا
وختمها بقوله:
[٢١٨] يَضُوعُ مِسْكًا ذَكِيًّا مُونِقًا زَهِرًا … مُطَيِّبًا طِيبُهُ الأَبْكَارَ والأُصُلَا
• المقدمة، وتشمل الأبيات من (١) إلى (١١)، وبدأ فيها بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله -ﷺ- وآله وصحبه الذين أوضحوا سبل الهدى، وذكر فيها أنه بدأ نظمه هذا بعد انتهائه من تأليف كتابه «نزهة البررة في مذاهب القراء العشرة»، واحتاج دارس علم القراءات إلى علم الرسم مفصَّلًا، نظم له هذه المنظومة موضحًا له فيها رسم المصاحف العثمانية، وأثنى فيها على نظمه هذا، وأنها من بحر البسيط، ولامية، وجمع فيها العقيلة اللامية للإمام الشاطبي وزاد عليها مسائل.
• المبادئ، وتشمل الأبيات من (١٢) إلى (٣٦). نظم فيها مذاهب ستة في إعجاز القرآن (^١)، والرد عليها، وانتصر للمذهب الأول، فقال:
_________________
(١) هي الأربعة التي ذُكِرَتْ في المبحث الرابع (ثانيًا: منهج الإمام الشاطبي)، وزاد عليها اثنان، ستأتي في المبحث الخامس (الزيادات في الفرش على ما في العقيلة).
[ ٧٢ ]
[١٢] وَالْمَذْهَبُ الْحَقُّ [إِعْجَازُ] (^١) الْقُرَانِ أَتَى … بِلَفْظِهِ وَبِمَعْنَاهُ الَّذِي كَمُلَا
[١٣] لِلْعَجْزِ عِنْدَ التَّحَدِّيْ [وَاخْتِيَارِهِمُ] (^٢) … قَتْلًا وَهُمْ فُصَحَا فَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَا
ثم ذكر فيها عرض القرآن الكريم، وحفَّاظه في عهد النبي -ﷺ-، وجمع القرآن في عهد الصديق ﵁، ثم عثمان ﵁، وطريقة الكتابة، وعدد المصاحف العثمانية، وأجاب عن شبهة مشهورة وهي مقولة منسوبة لعثمان ﵁، وقول الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) عن مصحف عثمان ﵁، ورؤية الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام له، ونفي الإمام النحاس لرواية أبي عبيد، ثم ذكر أنَّ الخلاف المرويَّ بين الإمام نافع والإمام أبي عبيد خلاف له حظُّ من النَّظر، إذ كلُّ منهما ينقل عمَّا رآه في المصحف، فلا تشغل بالك وترتاب في ذلك أيها القارئ لها.
ثم بدأ بذكر أبواب نظمه، فبدأ بالفرش، وهو كالتالي:
• باب التغيير على ترتيب السور من الفاتحة إلى آخر الأنعام، وتشمل الأبيات من (٣٧) إلى (٥٧).
• من الأعراف إلى آخر الكهف، وتشمل الأبيات من (٥٨) إلى (٧٥).
• من مريم إلى آخر الصافات، وتشمل الأبيات من (٧٦) إلى (٩١).
_________________
(١) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
(٢) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
[ ٧٣ ]
• من ص إلى آخر الناس، وتشمل الأبيات من (٩٢) إلى (١٠٢).
ثم ذكر الأصول، وهي كالتالي:
• باب الحذف القياسي، ويشمل الأبيات من (١٠٣) إلى (١٢٤).
• باب الزيادة القياسية، ويشمل الأبيات من (١٢٥) إلى (١٢٨).
• باب حذف الياء وزيادتها، ويشمل الأبيات من (١٢٩) إلى (١٥٠).
• باب حذف الواو وزيادتها، ويشمل الأبيات من (١٥١) إلى (١٥٣).
• باب رسم الألف واوًا والنون ألفًا، ويشمل الأبيات من (١٥٤) إلى (١٥٦).
• باب رقم بنات الواو والياء، ويشمل الأبيات من (١٥٧) إلى (١٦٣).
• باب ما رسم من الهمز على غير قياس، ويشمل الأبيات من (١٦٤) إلى (١٧٩).
• باب رسم هاء التأنيث تاءً، ويشمل الأبيات من (١٨٠) إلى (١٩١).
• باب المفصول والموصول، ويشمل الأبيات من (١٩٢) إلى (٢٠٦).
ثم ختم نَظْمَهُ بالأبيات من (٢٠٧) إلى (٢١٨) وجعلها ضمن الباب الأخير، وأثنى فيها ثناءً عاطرًا على نظمه، وبيَّن فيها مكان نظمه لها، وأمر بنشر الفوائد التي فيها، وإصلاح ما فيها من خلل، ودعا لنفسه، وأن يتجاوز الله عنه في النسيان والخطأ الذي وقع فيها، وذكر عدد أبياتها، ثم حَمِدَ الله، وصلَّى على نبيه -ﷺ-.
[ ٧٤ ]