بسم الله الرحمن الرحيم
قال الناظم - رحمه الله تعالى:
رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ يَا كَرِيمْ (^١)
[١] اللهَ أَحْمَدُ عَلَّامَ الغُيُوبِ عَلَى … آلَائِهِ حَمْدَ رَاجِي العَفْوِ مُبْتَهِلَا
بدأ الناظمُ نظمَه بحمد الله تعالى علَّام الغيوب على نعمه وآلائه، حَمْدَ من يرجو عفوَهُ مبتهِلًا إليه، وفَعَلَ الناظم هذا اقتداءً بالكتاب العزيز، حيث قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
والحَمْدُ: هُوَ الثَّنَاءُ عليه لما هو أهله من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسماءه الحُسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى (^٢).
_________________
(١) في (أ): (بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). وفي (ب): (بسم الله الرحمن الرحيم، وعليه أتكل وبه أستعين).
(٢) موقع فضيلة الشيخ أ. د. خالد بن عثمان السبت، شرح كتاب التسهيل لابن جزي، سورة الفاتحة، من الفائدة الثانية إلى الفائدة التاسعة، (١٥/ ١١/ ١٤٣٦ هـ).
[ ١٧٧ ]
وقول النَّاظِم: «اللهَ أَحْمَدُ»، فيه من أغراض القصر البلاغية تقديم ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ، وهو هنا تقديم المفعول على الفعل؛ لإفادة معنى التوكيد، وأفاد معنًى آخر، وهو: القصر؛ أي: لا أحمدُ أحدًا غير الله، وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وعَلَّام: صيغة مبالغة؛ من عَلِمَ، ومعناهُ: كثيرُ العلمِ.
الغُيُوبِ: الغَيْبُ خلافُ الشَّهَادَةِ، وعَلَّامُ الغُيُوبِ: هو اللهُ ﷾؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
والآلاء؛ أي: النِّعَم، الواحد: إِلْيٌ، وأَلْيٌ، وأَلْوٌ، وأَلًا وإِلًى (^١)، وهي نِعَمُ اللهِ وأفْضَالُهُ الكثيرة؛ قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقد وردتْ هذه اللفظة ﴿آلَاءَ﴾ في كتاب الله تعالى (٣٤) مرة (^٢).
ثُمَّ عَدَّدَ النَّاظِمُ بَعْضًا منْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُثْنِيًا بِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ:
[٢] رَبٌّ [غَفُورٌ رَحِيمٌ قَاهِرٌ] (^٣) حَكَمٌ … عَدْلٌ تَقَدَّسَ فِي لَاهُوتِهِ وَعَلَا
الرَّبُّ: من أسمائه تعالى؛ إذ هو: «ذو الربوبية على خلقه أجمعين خلقًا وملكًا وتصرُّفًا وتدبيرًا» (^٤). ومعناه: المالكُ، والسَّيِّدُ، والقيِّمُ، والمنْعِمُ، والمدَبِّرُ، والمصْلِحُ؛ قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
_________________
(١) تهذيب اللغة: ١/ ١٧٩ (أ ل ي)، ولسان العرب: ١٥/ ٤١٤ (ول ي)، والقاموس المحيط: ٤/ ٤٣٤ (الألاء).
(٢) المعجم المفهرس الشامل لعبد الله إبراهيم جلغوم: ١/ ١٥٦.
(٣) ما بين المعكوفتين في (ب): «رَحِيمٌ غَفُورٌ قَادِرٌ».
(٤) فقه الأسماء الحسنى: ٧٩.
[ ١٧٨ ]
وَالغَفُورُ: من أسمائهِ تعالى، ومعناه: الذي يغفرُ الذنوبَ جميعًا؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
والرَّحِيمُ: وهو اسمٌ دالٌّ على ثبوت صفة الرحمة لله ﷿، فهو راحمٌ لعباده (^١)، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وَالقَاهِرُ: من أسمائهِ تعالى، وهو الذي قَهَرَ جَمِيعَ المخلوقاتِ بِقُوَّتِهِ، وذلَّتْ لَهُ جَمِيعُ الكَائِنَاتِ بِعِزَّتِهِ؛ قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
وَالحَكَمُ: هذا الاسم العظيم دالٌّ على ثبوت كمال الحكم لله وحده يحكم بين عباده بما يشاء، ويقضي فيهم بما يريد، لا رَادَّ لحكمه، ولا مُعَقِّبَ لِقَضَائِهِ (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨].
وَالعَدْلُ؛ أي: أنَّ اللهَ تعالى متصفٌ بالعدل، فهو يحكم بين عباده بالعدل والقسط؛ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ولا يظلمُ مثقال ذرةٍ؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
ولا يُحمِّلُ أحدًا من البشرِ ذنبَ أحدٍ؛ قال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويجازي العبادَ بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
وَالقُدُّوسُ؛ أي: أنَّ الله سبحانه هو المقدَّسُ المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، والتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ (^٣)؛ قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣].
_________________
(١) المرجع السابق: ٨٣.
(٢) فقه الأسماء الحسنى: ١٧٥.
(٣) الصحاح: ٢/ ٨٠٩ - ٨١٠ (قدس)، ولسان العرب: ٦/ ١٦٨ (ق د س)، والقاموس المحيط: ٢/ ٣٤٤٨ - ٣٤٩ (ق د س).
[ ١٧٩ ]
وَاللَّاهُوتُ: على وزن: فَعَلُوت، من (لَاهَ)، وهو أصل اسم الله تعالى، ثم أدخلت الألف واللام للتعظيم، وزيدت فيه الواو والتاء مبالغةً؛ كما زيدت في جبروت وملكوت (^١).
وعلم اللاهوت: علم يبحث في الله تعالى وصفاته وعلاقته بالعالَم والإنسان، ويرادفه: علم التوحيد، وعلم الكلام، وعلم الربوبية (^٢).
واللَّاهُوتُ: مصطلحٌ نصرانيٌ يريدون به الله تعالى أو كلمته - تعالى الله وتنزَّه عما يقولون - ويريدون بِالنَّاسُوتِ عيسى ابن مريم ﵊، وقد زعموا حلول اللَّاهوت بِالنَّاسُوتِ (^٣).
ولم يُستخدم هذا المصطلح في كُتُبِ العَقَائِدِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا عِندَ أَحَدٍ من علماءِ الإسلامِ.
وظاهرُ قول النَّاظِمِ أنَّه لا يُريدُ بِهِ مَا يُرِيدُهُ النَّصَارَى، وإنما يقصدُ به وحدانيةَ اللهِ تعالى؛ فيكون المعنى: تَنَزَّه اللهُ ﷾ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَعَلا، والله أعلم.
وَعَلا: العُلُوُّ لُغَةً: «العين واللام والحرف المعتل، أصلٌ واحدٌ يدلُّ على السُّمُوِّ والارتفاعِ» (^٤).
_________________
(١) العين: ٤/ ٩٠ - ٩١ (أ ل هـ)، والصحاح: ٥/ ١٧٩٨ (ل ي هـ)، والقاموس المحيط: ٤/ ٤١٩ (ل ا هـ).
(٢) مفاتيح العلوم لمحمد بن أحمد الخوارزمي: ٥٢، والمعجم في اللغة والنحو والصرف والإعراب والمصطلحات العلمية والفلسفية والقانونية والحديثة: ٥/ ٣٣٤.
(٣) المِلَل والنِّحَل: ٢/ ٢٤٥، والجواب الصحيح: ٢/ ١٢.
(٤) مقاييس اللغة: ٦٦٤ (ع ل و)، والصحاح: ٥/ ١٩٣٨ (ع ل ا)، والقاموس المحيط: ٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠ (ع ل ا).
[ ١٨٠ ]
والعليُّ: من أسمائِهِ تَعَالَى، ومعناه: «أَنَّ لَهُ سبحانَهُ العلوَّ المطلقَ الدالَّ على جميعِ مراتبِ العلوِّ، ذَاتًا وقَدْرًا وَشَرَفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]» (^١).
[٣] مُنَزِّلُ الذّكْرِ تِبْيَانًا وَمَوعِظَةً … لِلْمُتَّقِينَ فَيَا طُوبَى لِمَنْ عَقَلَا
يُخبِرُ النَّاظِمُ أنَّ اللهَ تعالى أنزل الذكر تبيانًا، كما قال جل شأنه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأنزله أيضًا موعظةً للمتقين؛ قال ﷿: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]، وقد سمَّى اللهُ تنزيلَهُ ذِكْرًا؛ فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فيا طوبى لمن عقل وتدبر كلام الله، وهداه عقله إلى ذلك.
وقول الناظم: (فَيَا طُوبَى لِمَنْ عَقَلَا) هذا ثناءٌ من النَّاظِمُ على من تدبَّر وعقل كلام الله؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
[٤] يَا مَنْ يُجِيبُ دُعَا المُضْطَرِّ حِينَ [دَعَا] (^٢) … وَيَكْشِفُ السُّوءَ عَنْ عَبْدٍ لَهُ سَأَلَا
والمضطَرُّ في اللغةِ: مفتعلٌ من الضُّرِّ، وأصلُه: مُضْتَرِرٌ، فأُدْغِمَت الراءُ وقُلِبَت التَّاءُ طاءً لأجْلِ الضَّادِ (^٣).
والضمير في: (لَهُ) يعودُ على اللهِ ﷾؛ أي: أنت يا ألله يا من تجيب دعاء المضطر، وتكشف السُّوءَ والكربَ عن عبدكَ حين يسألك؛ كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٣٨٢.
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب).
(٣) انظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٨ - ٢١ (ض ر ر)، والصحاح: ٢/ ٦١٨ - ٦١٩ (ض ر ر).
[ ١٨١ ]
[٥] أَنْت المَلِيكُ الّذِي تَعْنُو الوُجُوهُ [لَهُ] (^١) … مِنْكَ الْأَيَادِي وَأَمَّا مِنْ سِوَاكَ فَلَا
قوله: (تَعْنُو) العاني: هو الخاضع المتذلل (^٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، قال الإمام ابن كثيرٍ (ت: ٧٤٤ هـ) في تفسيره: «قال ابن عباسٍ وغير واحد: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ» (^٣).
قال الشاعر: (من الكامل):
سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوُجُوهُ لِوَجْهِهِ … مَلِكِ المُلُوكِ وَمَالِكِ الغَفْرِ (^٤)
«الْأَيَادِي» بمعنى: النِّعمة، مفردها: يَدٌ، وتُجمع على أَيَادٍ (^٥).
أي: أنت يا الله المليك الذي تخضعُ وتذلُّ له وجوه عبادِهِ، فأنت صاحب النِّعَمِ.
قول الناظم: «وَأَمَّا مِنْ سِوَاكَ فَلَا»؛ أي: ليس من أحدٍ سِواكَ العطاءُ والفضْلُ، وإنما منك سبحانك، فأنت صاحبُ العطاءِ والفضلِ؛ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
_________________
(١) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
(٢) انظر: العين: ٢/ ٢٥٢ (ع ن و)، وتهذيب اللغة: ٣/ ٢٥٨٠ (ع ن ا).
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ١٨٣٠.
(٤) البيت في ديوان الكميت بن زيد الأسدي: ٢١٤، وفي كتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربية لأبي حاتم الرازي: ٢/ ٢٦٧، منسوبًا إليه، بلفظ: (في ظل …)، وفي الفروق اللغوية للعسكري منسوبًا إلى الفرزدق: ١٨٢، ولم أجده في ديوان الفرزدق المطبوع.
(٥) انظر: الصحاح: ٥/ ١٦٥١ (ن ع م)، والمحكم: ١٠/ ٧٧ (ى د ى).
[ ١٨٢ ]
[٦] وَصَلِّ يَا رَبِّ مَا ذَرَّتْ ذُكَاءُ عَلَى [الْـ … ـمُخْتَارِ] (^١) مَنْ خَتَمَ [الأَنْبَاءَ] (^٢) والرُّسُلَا
ذَرَّتْ: ذَرَّتِ الشَّمْسُ ذُرورًا: ظَهَرَتْ أولَ شروقها (^٣)، ذُكاءُ: هي الشَّمسُ (^٤)؛ قال الشاعر من الطويل:
إِذَا الشَّمْسُ ذَرَّتْ فِي البِلَادِ فَإِنَّهَا … أَمَارَةُ تَسْلِيمِي عَلَيْكِ فَسَلِّمِي (^٥)
عَلَى الْمُخْتَارِ: اسم مفعول من اختارَ، واختاره: انتقاه واصطفاه، والاختيار: الاصطفاء، ومحمد -ﷺ- خِيَرَةُ اللهِ من خَلْقِه (^٦).
قوله: (مَنْ خَتَمَ الأَنْبَاءَ وَالرُّسُلَا): النبأ: الخبر، والأَنْبَاءَ: جمع نبيٍّ، وحذف الياء للوزن.
(وَصَلِّ يَا رَبِّ مَا ذَرَّتْ ذُكَاءُ): ثنَّى النَّاظِمُ بالصلاة عددَ ما طلعَ حاجبُ الشَّمسِ على النبي -ﷺ- خاتم الأنبياء والمرسلين، وكان ينبغي على النَّاظِمِ أن يُسَلِّم على النبي -ﷺ- أيضًا؛ كما أمر الله سبحانه بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
_________________
(١) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
(٢) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
(٣) العين: ٥/ ٣٩٩ (ذ ك و) (٥/ ٣٩٩)، والصحاح (ذ ر ر) (٢/ ٥٧١)، ومقاييس اللغة (ذَ رَّ) (٢/ ٣٤٣).
(٤) تهذيب اللغة (ذ ك ا) (٢/ ١٢٨٥ - ١٢٨٦)، ومقاييس اللغة (١/ ٣٠٣)، والقاموس المحيط (ذ ك ت) (٤/ ٤٧٨).
(٥) البيت من الطويل، وهو بدون نسبة في مقاييس اللغة: ١/ ١٣٩ (ذ ك ا).
(٦) انظر: الصحاح: ٢/ ٥٦٣ (خ ي ر)، والقاموس المحيط: ٢/ ٣٧ (خ ي ر).
[ ١٨٣ ]
والتعريف الراجح في الفرق بين النبي والرسول هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ) في كتابه "النبوات"؛ حيث قال: «فالنَّبِيُّ هو الذي ينبِئُهُ اللهُ، وهو ينبِئُ بِمَا أنبأَ اللهُ بِهِ، فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلِّغَهُ رسالةً من اللهِ إليهِ فهو رسولٌ، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يُرسل هو إلى أحدٍ يُبَلِّغُهُ عن اللهِ رسالةً فهو نَبِيٌّ وليس بِرَسُولٍ» (^١).
[٧] مُحَمَّدِ المُصْطَفَى المَهْدِي وَعِتْرَتِهِ … وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ المُوضِحِي السُّبُلَا
مُحَمَّدِ: من أشهرِ أسمائهِ -ﷺ-.
المُصْطَفَى: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «صَفَوَ: الصَّادُ وَالفَاءُ والحَرْفُ المُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خُلُوصٍ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، وَمُحَمَّدٌ صفوة الله تعالى وخيرته من خلقه، ومصطفاه -ﷺ-»، واصطفاهُ: اختارهُ (^٢).
وعن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: سمعت رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: «إن الله ﷿ اصطفى كنانةَ من ولدِ إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ» (^٣).
قوله: (المَهْدِي): اسم مفعول من هَدى يَهْدِي؛ أي: أنَّ اللهَ قد هداهُ إلى طريقِ الحقِّ؛ قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].
_________________
(١) انظر: الفرق بين الفرق: ٣٤٢، وأعلام النبوة: ٥٢، والنبوات: ٧١٤.
(٢) انظر: العين: ٧/ ١٦٣ (ص ف و)، ومقاييس اللغة: ٣/ ٥٤٥ (ص ف و)، والصحاح: ٥/ ١٩١٤ (ص ف ا).
(٣) صحيح مسلم، كتاب: الفضائل، بابٌ: فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة: (١٠٠٨)، رقم الحديث: (٥٩٣٨).
[ ١٨٤ ]
قوله: (العِتْرَة): مَا تَفَرَّعَتْ مِنْهُ الشُّعب، وَنَسْلُ الرَّجُل ورهطه وعشيرته، وعِتْرَةُ الرجُل: عَشيرتُه (^١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ):
«العِتْرَةَ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ كُلُّهُمْ: وَلَدُ الْعَبَّاسِ، وَوَلَدُ عَلِيٍّ، وَوَلَدُ الْحَارِثِ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَسَائِرُ بَنِي أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرُهُمْ» (^٢).
قوله: (وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ المُوضِحِي السُّبُلَا)؛ أي: صلِّ ياربِّ على محمدٍ المصطفى المَهْدِي إلى طريق الحَقِّ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّاهِرِينَ الذين أوضحوا سُبُلَ الحَقِّ والرشَادِ.
وقد عرَّف العلماءُ الصَّحابيَّ بأنَّه: كلُّ من لقي النبيَّ -ﷺ- مؤمنًا به ومات على ذلك (^٣).
ثم بيَّن النَّاظِمُ الغرض من نظمه هذا في البيت الآتي، فقال:
[٨] وَحَيْثُ تَمَّ نِظَامُ العَشْرِ وَافْتَقَرَ [الرْ … رَاوِي] (^٤) إِلَى الرَّسْمِ تَفْصِيلًا لِيَكْتَمِلَا
ذكر النَّاظِمُ أنه لَمَّا أَتَمَّ كِتَابَهُ في القراءات العشر وهو «نزهة البررَةِ، في مذاهب القراء العشرَةِ» (^٥)، واحتاجَ القارئُ والراوي له إلى معرفةِ الرسمِ مفصَّلًا؛ ليكتمل لراغب هذا العلم معرفة القراءات والرسم، شرع في بيان ذلك. ثُمَّ بَيَّنَ مزايا نظمه، فقال:
_________________
(١) العين: ٢/ ٦٦ (ع ت ر)، والصحاح: ٢/ ٦٣١ (ع ت ر)، والقاموس المحيط: ٢/ ١٢٠ (ع ت ر).
(٢) منهاج السنة النبوية: ٧/ ٣٩٥.
(٣) علوم الحديث: ٢٩٣، والإصابة: ١/ ١٦ - ١٩، والتدريب: ٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨.
(٤) ما بين المعكوفتين مبتور في (ب).
(٥) حُقِّقَ في رسالة علمية بالجامعة الإسلامية للباحث: عبد الرزاق محمد إسحاق، بإشراف د. نبيل بن محمد إبراهيم الجوهري.
[ ١٨٥ ]
[٩] أَرْدَفْتُهُ رَوْضَةً غَنَّاءَ مُوضِحَةً … رَقْمَ الإِمَامِ بِنَظْمٍ حِفْظُهُ سَهُلَا
أَرْدَفْتُهُ: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ): «الراءُ والدالُ والفاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُطَّرِدٌ، يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ الشَّيءِ، فَالتَّرَادُفُ: التَّتَابُعُ» (^١).
والرِّدْفُ: «ما تبعَ شَيْئًا فَهُوَ رِدْفُهُ، وإذا تتابعَ شَيءٌ خلفَ شَيءٍ فهو التَّرَادُفُ» (^٢).
والرَّقْمُ: الكِتَابَةُ والخَتْمُ، وَرَقَمَ: كَتَبَ، وَرَقَمَ الكتاب: أَعْجَمَهُ وبيَّنَهُ (^٣).
ذَكَرَ النَّاظِمُ مَزَايَا نَظْمِهِ، وَهِيَ:
أولًا: أنَّهُ رَوْضَةٌ غَنَّاءُ، والرَّوْضَةُ لُغَةً: الأرضُ ذاتُ الخُضْرةِ (^٤)، وغَنَّاءُ: كثيرةُ العُشب (^٥).
وثانيًا: أَنَّهُ يُوضِّحُ ويبيِّنُ رسمَ المصحف الإمام، والمقصودُ رسمُ المصاحفِ العثمانيةِ.
وثالثًا: أَنَّهُ نَظْمٌ يَسْهُلُ حِفْظُهُ.
[١٠] لَفْظٌ وَجِيزٌ وَمَعْنَاهُ [المَدِيدُ] (^٦) حَوَى … دُرًّا نَضِيدًا [بِهِ] بَحْرُ البَسِيطِ حَلَا
_________________
(١) مقاييس اللغة: ٢/ ٥٠٣ (ر د ف)، ولسان العرب: ٩/ ١١٥ - ١١٦ (ر د ف).
(٢) العين: ٨/ ٢٢ (ر د ف)، والمحكم: ١٠/ ٢٦ (ر د ف).
(٣) الصحاح: ٤/ ١٥٧١ (ر ق م)، والقاموس المحيط: ٤/ ١٧٠ - ١٧١ (ر ق م).
(٤) الصحاح: ٣/ ٩٠٨ (ر وض)، والمحكم: ٨/ ١٦٣ - ١٦٤ (ر وض).
(٥) الصحاح: ٥/ ١٧٤٤ (ع ن ن)، ولسان العرب: ١٣/ ٣١٥ (ع ن ن).
(٦) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
[ ١٨٦ ]
ومِن مزايا نظمِه:
رابعًا: أنه لفظٌ وجيزٌ؛ أي: مختصرٌ. يُقَالُ: أوجزتُ في الأمرِ؛ أي: اختصرت (^١).
وعرَّفه الناظم بقوله: «والاختصارُ: الإتيانُ بالمعاني في لفظٍ أقل» (^٢).
المَدِيدُ: الطويل، يُقال: رجلٌ مديدٌ؛ أي: طويل القامة (^٣).
دُرًّا: جَمْعُ دُرَّةٍ، وَهِيَ اللُّؤْلُؤَةُ العَظِيمَةُ (^٤)، نَضِيدًا؛ أَيْ: بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ (^٥)، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠].
خامسًا: أَنَّ معاني هذه المنظومة قد حَوَتْ دُرَرًا وهي اللآلِئُ العظيمة بعضها فوق بعض.
سادسًا: أَنَّ هذه المنظومة من بحر البسيط (^٦).
[١١] لَامِيَّةً عَذُبَتْ فِي [عِقْدِهَا] (^٧) [نَظَمَتْ] (^٨) … رَائِيَّةً وَرَبَتْ مَسَائِلًا مَثُلَا
سابعًا: أَنَّهَا لَامِيَّةُ الرَّوِيّ.
_________________
(١) العين: ٦/ ١٦٦ (وج ز)، والصحاح: ٢/ ٧٦٢ (وج ز).
(٢) جميلة أرباب المراصد: ١٢٤.
(٣) الصحاح: ٢/ ٤٦٨ (م د د)، ولسان العرب: ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧ (م د د).
(٤) الصحاح: ٢/ ٥٦٦ (د ر ر)، والمحكم: ٩/ ٢١٦ (د ر ر)، والقاموس المحيط: ٢/ ٤١ - ٤٢ (درَّ).
(٥) الصحاح: ٢/ ٤٧٤ (ن ض د)، والقاموس المحيط: ١/ ٦٤٢ (ن ض د).
(٦) العروض: ٧٤، والقسطاس في علم العروض: ٧٩.
(٧) ما بين المعكوفتين مبتور في (ب).
(٨) ما بين المعكوفتين طُمِسَ في (ب).
[ ١٨٧ ]
ثامنًا: أَنَّ فيها عذوبةً في السَّمْعِ وسُهولةً في الوزنِ وحلاوةً في الإيقاعِ.
تاسعًا: أَنَّهَا نَظَمَتْ مَسَائِلَ الرَّائيَّةِ وهي قصيدة الشاطبي المسماة (عقيلة أتراب القصائد)، وَجَمَعَتْهَا فِي حُسْنِ تَنظِيمٍ وَتَرْتِيب.
عاشرًا: أَنَّهَا زَادَتْ عَلَيْهَا مَسَائِلَ.
[ ١٨٨ ]