تخريجُ حَدِيث عبدِ الله بنِ سَلاَم - ﵁ - والحُكْمُ عليهِ.
رُوي الحَدِيث عن عبدِ الله بنِ سَلاَم من عدة طُرُق:
١ - طريق عطاء الخراساني، عَنْ عبد الله بن سَلاَم مرفوعًا.
٢ - طريقُ عطاء بن يسار، عَنْ عبد الله بن سَلاَم موقوفًا عليه.
٣ - طريق أبي سلمة، عَنْ عبدِ الله بنِ سَلاَم موقوفًا عليه.
الطريقُ الأوَّلُ: طريقُ عَطاء الخراساني، عَنْ عبد الله بن سَلاَم مرفوعًا، أخرجه:
الطبرانيُّ في المعجمِ الكبير (١٧١ - ١٧٢ رقم ٤١١ - القطعة من الجزء ١٣) قَالَ: حَدَّثنَا المقدام بنُ داود، قَالَ: حَدَّثنَا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، قَالَ: حَدَّثنَا ابن لهيعة، عَنْ أبي عيسى الخراساني سليمان بن كيسان، عَنْ عطاء الخراساني، عَنْ عبد الله بن سَلاَم، عَنْ رسول الله - ﷺ - قَالَ:
«الدّرهمُ يُصيبهُ الرجُل من الرّبَا أعظمُ عِنْدَ اللهِ من ثلاثة وثلاثين زَنْية يزنيها في الإسلام».
وعن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إنّ أبوابَ الرّبَا اثنان وسبعون حوبًا، أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام».
• رجال الإسناد:
١ - عطاء الخراساني هو: ابن أبي مسلم أبو عثمان الخراساني،
[ ٣٣ ]
واسم أبيه: ميسرة وقيل: عبد الله، وقد اختلف النقادُ في حالهِ اختلافًا طويلًا، وقد لخص حاله الذهبيُّ فَقَالَ: «صدوق مشهور، وثقه ابن معين وأحمد والعجلي، وَقَالَ يعقوب بن شيبة: هو معروف بالفتوى والجهاد، وَقَالَ أبو حاتم: لا بأس به، وذكره العقيلي في الضعفاء، وَقَالَ ابن حبان: رديء الحفظ يخطئ فبطل الاحتجاج به، وَقَالَ الترمذي في كتاب العلل: قَالَ أحمد (١): ما أعرف لمالك رجلا يروي عنه يستحق أن يترك حديثه غير عطاء الخراساني، قلتُ: ما شأنه؟ قَالَ: عامة أحاديثه مقلوبة، قَالَ الترمذي: وعطاء الخراساني رجل ثقة، روى عنه مثل مالك ومعمر، ولم نسمع أن أحدا من المتقدمين تكلم فيه بشيء، وَقَالَ البَيهقيّ: عطاء الخراساني غير قوي، قاله في الوصايا» (٢)، ولعل ما قاله الذهبيّ هو الأرجح في حال عطاء، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، روى له مسلم والأربعة (٣).
وعطاء لم يسمع من عبد الله بن سَلاَم، قَالَ ابنُ أبي حَاتم: «عطاءُ الخراساني قَالَ أحمد بن حنبل: عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عَبَّاس شيئًا، وقد رأى عطاء ابنَ عُمَر ولم يسمع منه شيئًا. ذكر أبي عَنْ إسحاق بن منصور عَنْ يحيى بن معين أنه قيل له: عطاء الخراساني لقي أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ -؟ قَالَ: لا أعلمه. قَالَ أبو زرعة: عطاء الخراساني عَنْ عثمان مرسل، سئل أبو زرعة عَنْ عطاء
_________________
(١) كذا وقع في المغني ولم يعلق المحقق عليه، والصواب "البخاري" كما في علل الترمذي الكبير (ص ٢٧١ رقم ٥٠٠)، وجميع كتب الرجال نقلته على الصواب.
(٢) المغني في الضعفاء (٢/ ٤٣٤ رقم ٤١٢٢).
(٣) تهذيب الكمال (٢٠/ ١٠٦)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٩٠) تقريب التهذيب (ص ٣٩٢ رقم ٤٦٠٠)، شرح علل الترمذي (٢/ ٨٧٧).
[ ٣٤ ]
الخراساني: هل سمع من أنس؟ قَالَ: لم يسمع من أنس. سمعتُ أبي يقول: عطاء الخراساني لم يدرك ابن عُمَر ﵄» (١).
وقد ذَكَرَ الطبرانيُّ رواية عطاء ضمن "المراسيل عَنْ عبد الله بن سَلاَم".
٢ - سليمان بن كيسان أبو عيسى الخراساني، نزيل مصر التميمي، وقيل اسمه: محمد بن عبد الرحمن أو بن القاسم، ذَكَرَهُ ابنُ حبان في الثقات (٢)، وَقَالَ ابنُ القطان: «مجهول»، وَقَالَ: «لا تعرف حاله» (٣)، وكذلك قَالَ ابن حزم (٤)، قَالَ الذهبيّ: «ذا ثقة، روى عنه: حيوة بن شريح وسعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة وجماعة، سكن مصر، ووثقه ابنُ حبان» (٥)، وَقَالَ ابن حجر: «مقبول .. وحديثه عَنْ ابن عُمَر مرسل» (٦)، قلتُ: الأصل أنّ مثل هذا مجهول الحال، إذ إنه لم يوثق توثيقًا معتبرًا، وابنُ حبان معلوم تساهله في كتابه الثقات، تفرد بالرواية عنه أبو داود في سننه.
٣ - عبد الله بن لَهِيعة، أبو عبد الرحمن المصريّ القاضي، قَالَ ابن معين - في رواية ابن محرز -: «ابن لهيعة في حديثه كله ليس بشيء» (٧)، وَقَالَ ابن أبي حاتم: «سُئل أبو زرعة عَنْ ابن لهيعة سماع القدماء منه؟ فَقَالَ: آخره وأوله سواء، إلاّ أنّ ابن المبارك، وابن وهب يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان ابن لهيعة لا
_________________
(١) المراسيل (ص ١٥٦).
(٢) الثقات (٦/ ٣٩٢).
(٣) بيان الوهم والإيهام (رقم ٧٠٨، ١٢٠٨).
(٤) حجة الوداع (ص ٤٨٥)
(٥) ميزان الاعتدال (٧/ ٤١٠)، الكاشف (٢/ ٤٤٩ رقم ٦٧٧٤).
(٦) تقريب التهذيب (ص ٦٦٣ رقم ٨٢٩٥).
(٧) معرفة الرجال (١/ ٦٧ رقم ١٣٤).
[ ٣٥ ]
يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه» (١)، وَقَالَ ابن أبي حاتم أيضًا: «قلتُ لأبي: إذا كان من يروي عَنْ ابن لهيعة مثل ابن المبارك، وابن وهب يحتج به؟ قَالَ: لا»، وَقَالَ الذهبيُّ: «العمل على تضعيف حديثه» (٢).
وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الخامسة من المدلسين - وهم من قد ضعف بأمر آخر غير التدليس -، فتلخص أنه ضعيفٌ، وكان يدلس، مات سنة أربع وسبعين ومائة، روى له مسلم مقرونًا بعمرو بن الحارث، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٣).
٤ - النضر بن عبد الجبار هو: المرادي مولاهم المصري أبو الأسود مشهور بكنيته، ثقة، قَالَ يحيى بن معين: «كان راوية عَنْ ابن لهيعة، وكان شيخ صدق» (٤)، مات سنة تسع عشرة ومائة، روى له أبو داود والنسائي وبن ماجة (٥).
٥ - المقدام بن داود أبو عَمْرو الرّعيني المصري، قَالَ ابن أبي حاتم: «سمعتُ منه بمصر، وتكلموا فيه» (٦)،قَالَ النسائي: «ليس بثقة» (٧)، وَقَالَ الدَّارقُطني: «ضعيف» (٨)، فمثل هذا يضعف حديثه، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
_________________
(١) الجرح (٥/ ١٤٥ - ١٤٨ رقم ٦٨٢)،
(٢) الكاشف (٢/ ١٢٢)،
(٣) تهذيب الكمال (١٥/ ٤٨٧ - ٥٠٣)، شرح علل الترمذي (١/ ١٣٦ - ١٣٩)، تعريف أهل التقديس (ص ١٧٧ رقم ١٤٠).
(٤) سؤالات ابن الجنيد (٣٩٣ رقم ٥٠٠).
(٥) تهذيب الكمال (٢٩/ ٣٩١)،تقريب التهذيب (ص ٥٦٢ رقم ٧١٤٣).
(٦) الجرح (٨/ ٣٠٣ رقم ١٣٩٩).
(٧) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٤٥)، ميزان الاعتدال (٦/ ٥٠٧)، المغني في الضعفاء (٢/ ٦٧٥ رقم ٦٤٠٣)، لسان الميزان (٦/ ٨٤).
(٨) المراجع السابقة.
[ ٣٦ ]
دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد ضعيفٌ جدًا لعلل كثيرة:
١ - ضعفُ المقدام بنِ داود.
٢ - ضعفُ عبد الله بنِ لَهِيعة.
٣ - جهالةُ حالِ سليمان بنِ كيسان.
٤ - عدمُ سماعِ عطاء مِنْ عبدِ الله بنِ سَلاَم.
٥ - أنّ مَعْمَر بنَ رَاشِد خَالفَ سليمانَ بنَ كيسان فرواه موقوفًا على عبد الله بن سَلاَم أخرجه: عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٤٦١ رقم ١٩٧٠٦) - ومن طريقهِ رواه البَيهقيّ في شُعَب الإيمان (٤/ ٣٩٢) - قَالَ: أخبرنا مَعْمَر عَنْ عطاء الخرساني أّنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلاَم قَالَ: «الرّبَا اثنان وسبعون حوبًا، أصغرُها حوبًا كمن أتى أمَّه في الإسلام، ودرهم من الرّبَا أشد من بضع وثلاثين زَنْية، قَالَ: ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر يوم القيامة إلا لآكل الرّبَا فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس».
وأخرج الدينوريُّ في المجالسة (٦/ ٣١٨ رقم ٢٦٩٦) الشق الثاني من الحَدِيث: «ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر ..» فَقَالَ: حَدَّثنَا إسماعيل بن إسحاق القاضي قَالَ: أخبرنا محمد بن عبيد، قَالَ: حدثني محمد بن ثور، عَنْ مَعْمَر، عَنْ عطاء الخرساني أّنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلاَم قَالَ: «يؤذن يوم القيام للبَرِّ والفاجر بين يدي الله ﷿، إلا أكلة الرّبَا؛ فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾».ولم يسق الشاهد من المتن.
فتحصل من هذا أنّ الصوابَ أنّ هذا الأثر موقوف على عبد الله بن سَلاَم بسندٍ ضعيف للانقطاع بين عطاء الخرساني وعبد الله بنِ سَلاَم.
[ ٣٧ ]
ومما تقدم يُعلم أنّ:
- قولَ ابن حجر: «وأخرجه الطبراني أيضا من طريق عطاء الخراساني عَنْ عبد الله بن سلام مرفوعًا، وعطاء لم يسمع من ابن سلام، وهو شاهدٌ قوي» (١).
- وقولَ السّخاويّ - عند ذكرهِ شواهد الحَدِيث -: «ومنها شاهدٌ قويّ عَنْ عبد الله بن سَلاَم، رفعه: الدرهم يصيبه الرجُل .. أخرجه الطبراني في الكبير من حَدِيث عطاء الخرساني عنه، وعطاء لم يسمع منه» (٢).
غير قوي ففي الإسنادِ خمسُ عِلل تدلُ دِلالةً قويةً على نكارة الحَدِيث بهذا الإسناد.
وَقَالَ الهيثميُّ: «وعن عبد الله بن سلام عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: الدرهم يصيبه الرجُل من الرّبَا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام، رواه الطبراني في الكبير، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن سلام» (٣).
الثاني: طريقُ عطاء بن يسار، عَنْ عبد الله بن سَلاَم موقوفًا عليه، أخرجه:
البَيهقيّ في شُعَب الإيمان (٤/ ٣٩٣) قَالَ:
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قَالَ: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قَالَ: حَدَّثنَا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي قَالَ: حَدَّثنَا سليمان
_________________
(١) القول المسدد (ص ٤١).
(٢) الأجوبة المرضية (٣/ ١٠٥٤)، وانظر (١/ ١٣٤، ١٣٦).
(٣) مجمع الزوائد (٤/ ١١٧).
[ ٣٨ ]
- أظنه: ابن عبد الرحمن (١) - قَالَ: حَدَّثنَا الجراح بن مليح قَالَ: حَدَّثنَا الزُّبيديُّ عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عطاء بن يسار عَنْ عبد الله بن سَلاَم أنه قَالَ: «الرّبَا اثنان وسبعون حوبا، وأدنى فجرة مثل أن يقع الرجُل على أمه، أو مثل أن يضطجع الرجُل على أمه، وأكبر من ذلك - أظنّه - عرض الرجُل المسلم بغير حق».
• رجال الإسناد:
- عطاء بن يسار هو: الهلالي، أبو محمد المدني، لخص الكلام عليه ابن حجر بقوله: «ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة» (٢)، وقال الذهبيّ: «من كبار التابعين وعلمائهم» (٣)، سمع من عبد الله بن سلام، وابن عُمَر، وابن عَبَّاس وغيرهم، مات سنة أربع وتسعين وقيل بعد ذلك، روى له الجماعة (٤).
- وزيد بن أسلم هو: العدوي مولى عُمَر أبو عبد الله وأبو أسامة المدني، ثقة عالم وكان يرسل، مات سنة ست وثلاثين ومائة روى له الجماعة قاله ابن حجر (٥)، وزيد لم يسمع من عبد الله بن سَلاَم، فعبد الله مات سنة ثلاث وأربعين (٦)، وزيد لم يسمع من من أبي هريرة - وقد مات سنة ثمان وخمسين - ومن في طبقته من الصحابة (٧).
_________________
(١) كذا قَالَ البَيهقيّ في الشعب على سبيل الظن، وهو كذلك كما في كتب الرجال.
(٢) تقريب التهذيب (ص ٣٩٢ رقم ٤٦٠٥).
(٣) الكاشف (٢/ ٢٥).
(٤) تهذيب الأسماء (١/ ٣٠٨)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٩٤).
(٥) تقريب التهذيب (ص ٢٢٢ رقم ٢١١٧)
(٦) تقريب التهذيب (ص ٣٠٧ رقم ٣٣٧٩).
(٧) جامع التحصيل (ص ١٧٨)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٢٤).
[ ٣٩ ]
- والزُّبيديُّ - بالزاي والموحدة مصغر - هو: محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصي، ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهري، مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومائة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه قاله ابن حجر (١).
- والجراح بن مليح هو: البَهراني - بفتح الموحدة - أبو عبد الرحمن الحمصي الراجح فيه ما قاله ابن حجر: «صدوق»، روى له النسائي، وابن ماجه (٢).
- وسليمان بن عبد الرحمن هو: التميمي، أبو أيوب الدمشقي ابن بنت شرحبيل، قَالَ الحاكم أبو عبد الله: «قلتُ للدارقطني: سليمان بن عبد الرحمن؟ قَالَ: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير قَالَ: حدث بها عَنْ قوم ضعفى، فأما هو فثقة» (٣)، وقد وثقه أبو داود (٤)، ويعقوب الفسوي (٥)، والراجح فيه ما قاله الذهبيُّ: «ثقة، لكنه مكثر عَنْ الضعفاء» (٦)، روى له الجماعة سوى مسلم، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (٧).
- وجعفر بن محمد بن الحسن الفريابي ثقةٌ حافظٌ مشهور (٨).
- وأحمد بن عبيد الصفّار ثقةٌ حافظٌ (٩).
- وعلي بن أحمد بن عبدان ثقةٌ مشهور (١٠).
_________________
(١) تقريب التهذيب (ص ٥١١ رقم ٦٣٧٢).
(٢) تقريب التهذيب (ص ١٣٨ رقم ٩٠٩)
(٣) سؤالات الحاكم للدارقطني (ص ٢١٧ - ٢١٨ رقم ٣٣٩).
(٤) سؤالات الآجري لأبي داود (٢/ ١٩٠ رقم ١٥٦٦).
(٥) المعرفة والتاريخ (٢/ ٤٠٦).
(٦) الكاشف (١/ ٣٩٧).
(٧) تهذيب الكمال (١٢/ ٢٦ - ٣٢).
(٨) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٩٦).
(٩) المرجع السابق (١٥/ ٤٣٨).
(١٠) المرجع السابق (١٧/ ٣٩٨).
[ ٤٠ ]
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسنادُ جيدٌ غيرَ أنه وقع خلافٌ على زيدِ بنِ أسلم فرواه هشامُ بنُ سعد عَنْ زيد بن أسلم، أنّ عبد الله بن سَلاَم فلم يذكر عطاء بن يسار، أخرجه:
البَيهقيّ في شُعَب الإيمان (٤/ ٣٩٣) قَالَ:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى قَالَ: حَدَّثنَا أبو العباس محمد بن يعقوب قَالَ: حَدَّثنَا إبراهيم بن مُنقذ (١) الخولاني المصري قَالَ: حَدَّثنَا ابن وهب عَنْ هشام بن سعد عَنْ زيد بن أسلم أنّ عبد الله بن سَلاَم قَالَ: «الرّبَا سبعون حوبا أدناها » نحو ما تقدم.
• رجال الإسناد:
- زيد تقدمت ترجمته، وتقدم أنه لم يسمع من عبد الله بن سَلاَم.
- وهشامُ بن سعد فيه لين، وفي روايته عن الزهري مناكير، إلاّ أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم:
قَالَ ابن المديني: «صالح، ولم يكن بالقوي» (٢)، وَقَالَ أحمد: «كذا وكذا (٣)،
_________________
(١) في الشعب (سعد) وهو تصحيف، وهو على الصواب في النسخة المحققة الهندية (١٠/ ١٤٠).
(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (ص ١٠٢).
(٣) هذه الجملة يقولها الإمام أحمد في الضعفاء: وتارةً يقصد بها التضعيف الشديد، وتارةً مجرد التليين الخفيف، ويعرف المراد من خلال:
(٤) الروايات الأخرى عَنْ الإمام أحمد.
(٥) تفسير تلاميذه للمراد.
(٦) تفسير النقاد - كالعقيلي أو الذهبي وغيرهما - للمراد.
(٧) معارضة أقوال الإمام أحمد بأقوال بقية النقاد في هذا الراوي المعين. ومن الأمثلة على ما تقدم:
(٨) قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبى عَنْ ابن أبى الزناد فَقَالَ: كذا وكذا، يعنى ضعيف. ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٤٠). فقوله: «يعنى ضعيف» من كلام عبد الله بن أحمد بن حنبل. وَقَالَ عبد الملك بن عبد الحميد: سألتُ أحمد بن حنبل عَنْ ابن أبى الزناد؟ فَقَالَ: هو ضعيف الحَدِيث. ضعفاء العقيلي (٢/ ٣٤٠). وهذه الرواية عَنْ أحمد تؤكد تفسير عبد الله لكلام أبيه.
(٩) ومثله عبد الأعلى بن عامر الثعلبي قَالَ فيه مرة: «كذا وكذا»، ومرةً: «ضعيف».الكامل (٥/ ٣١٦)
(١٠) وَقَالَ الذهبيُّ: «يونسُ بن أبي إسحاق .. وقَالَ عبدُ الله بنُ أحمد: سألتُ أبي عَنْ يونس بن أبي إسحاق؟ قَالَ: كذا وكذا، قلتُ: هذه العبارة يستعملها عبد الله بن أحمد كثيرا فيما يجيبه به والده وهي بالاستقراء كناية عمن فيه لين» ميزان الاعتدال (٧/ ٣١٨). وانظر:
(١١) ترجمة يحيى بن سليم الطائفي في الضعفاء للعقيلي (٤/ ٤٠٦).
(١٢) ترجمة إبراهيم بن المهاجر الكوفي في الضعفاء للعقيلي (١/ ٦٦).
(١٣) ترجمة رشدين بن سعد أبو الحجاج المهري في الضعفاء للعقيلي (٢/ ٦٦).
(١٤) ترجمة عبد الله بن عُمَر بن حفص في الكامل لابن عديّ (٤/ ١٤١).
(١٥) ترجمة عتاب بن بشير الجزري في الكامل لابن عديّ (٥/ ٣٥٦).
[ ٤١ ]
وكان يحيى لا يروى عنه» (١)، وَقَالَ حرب بن إسماعيل: «سمعت أحمد بن حنبل وذكر له هشام بن سعد فلم يرضه وَقَالَ: ليس بمحكم للحديث» (٢)، وَقَالَ ابن معين، والنسائي - في رواية عنهما -، وابن سعد وغيرهم: «ضعيف»، وَقَالَ ابن حجر: «صدوق له أوهام» (٣).
وَقَالَ البرذعيّ: «وسمعتُ أبا زرعةَ يقولُ: هشام بن سعد واهي الحَدِيث، أتقنتُ ذلك عَنْ أبي زرعة، وهشامُ عند غير أبي زرعة أجلّ من
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٥٠٧).
(٢) تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٦).
(٣) تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٠٨)، التهذيب (١١/ ٣٩ - ٤١)، التقريب (ص ٥٧٢ رقم ٧٢٩٤).
[ ٤٢ ]
هذا الوزن، فتفكرتُ فيما قَالَ أبو زرعة فوجدتُ في حديثه وهما كبيرًا، من ذلك أنه حدّث عَنْ الزهري، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أبي هريرة في "قصة الواقع في رمضان"، وقد روى أصحابُ الزهري قاطبة عَنْ الزهري عَنْ حميد بن عبد الرحمن، وليس من حَدِيث أبي سلمة، وقد حدث به وكيع عَنْ هشام عَنْ الزهري عَنْ أبي هريرة كأنه أراد الستر على هشام في قوله عَنْ أبي سلمة» (١).
قَالَ الآجري عَنْ أبي داود: «هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم»، واعتمد مسلم روايته في الأصول خاصة عَنْ زيد بن أسلم (٢).
- عبد الله بن وَهْب القرشي، الفِهْريّ، أبو محمد المصري، متفقٌ على توثيقه وفقهه وفضله، روى له الجماعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة (٣).
- وإبراهيم بن مُنقذ الخولاني المصري، ثقة حجة (٤).
- أبو العباس محمد بن يعقوب هو: الأصم إمامٌ منْ الأئمةِ المشهورين (٥).
والذي يظهر - والله أعلم - أنّ كلا الوجهين محفوظان عَنْ زيد بن أسلم فتارةً يسنده فيذكر عطاء بن يسار، وتارةً يرسله فيحذف عطاء، وسبب هذا الترجيح ثلاثة أمور:
- الأوَّل: أنّ زيد بن أسلم معروف بالإرسال فهو تارةً يسمي
_________________
(١) سؤالات البرذعي (ص ٣٩١).
(٢) انظر صحيح مسلم الحَدِيث رقم (١٨٣، ٩٨٧، ١٠١٤، ١٨٥١، ٢٥٩٨).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (١٦/ ٢٧٧ - ٢٨٧).
(٤) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٠٣).
(٥) المرجع السابق (١٥/ ٤٥٢).
[ ٤٣ ]
الواسطة، وتارةً يحذفه، ومما وقع له من ذلك ما قاله ابن حجر - عند كلامه على قول ابن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله - ﷺ - إنا أرسلناك شاهدا الحَدِيث -: «ولحديث ابن سلام شاهد رواه ابن سعد في الطبقات من طريق زيد بن أسلم قَالَ: بلغنا أنَّ عبد الله بن سلام كان يقول: فذكره، والظاهر أنَّ الواسطة بينه وبينه هو: عطاء بن يسار لأنَّ زيدا من المكثرين عنه» (١).
- الثاني: أنّ هشام بن سعد أثبتُ الناس في زيد بن أسلم كما قَالَ أبو داود، فلا ينبغي تخطئته مع إمكانية الجمع بدون تعسف.
- الثالث: أنّ الزُّبيديّ ثقة ثبت، فلا يصح أن يقدم عليه هشام مع إمكانية الجمع.
وعلى ما تقدم يكون هذا الأثر - بهذا الإسناد - صحيحا من كلام عبد الله بن سَلاَم.
الثالث: طريق أبي سلمة، عَنْ عبدِ الله بنِ سَلاَم موقوفًا عليه، أخرجه:
العقيليُّ في الضعفاء (٢/ ٢٥٨) قَالَ:
حَدَّثنَا محمدُ بنُ إسماعيل، قَالَ: حَدَّثنَا أحمد بن إسحاق الحضرميُّ عَنْ عكرمة بن عمار، عَنْ يحيى بن أبي كثير، عَنْ أبي سلمة، عَنْ عبد الله بن سَلاَم قَالَ: «الرّبَا سبعون بابا أصغرها كالذى ينكح أمه».
_________________
(١) تغليق التعليق (٣/ ٢٣٥)، وانظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٣).
[ ٤٤ ]
• رجال الإسناد:
- أبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن بن عوف القُرشي الزُّهريُّ المدنيُّ، متفق على ثقته وفقهه وجلالته، وقد سمع من عبد الله بن سَلاَم، روى له الجماعة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة (١).
- يحيى بن أبي كثير تقدمت ترجمته (٢)،وهو: متفقٌ على توثيقه، وكان يرسل.
- عكرمة بن عَمّار هو: العجْليُّ، أبو عمار اليمامي، بصري الأصل، ثقة، وفي روايته عَنْ يحيى بن أبي كثير اضطراب، وثقه ابنُ معين - في رواية معاوية بن صالح -، وابن المديني، وأحمد بن حنبل، والدارقطنيّ وغيرهم، قَالَ البخاريّ: «مضطرب في حَدِيث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب» (٣)، وكذلك قَالَ أحمد بن حنبل، وابن المديني، وأبو داود، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم، وَقَالَ الذهبيُّ: «ثقة إلاَّ في يحيى بن أبي كثير فمضطرب» (٤)، استشهد به البخاريّ في «الصحيح»، وروى له في كتاب «رفع اليدين في الصلاة» وغيره، وروى له الباقون، مات سنة تسع وخمسين ومائة (٥).
- أحمد بن إسحاق الحضرمي هو: أبو إسحاق البصري، متفق على
_________________
(١) تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٧٠ - ٣٧٦)، تقريب التهذيب (ص ٦٤٥ رقم ٨١٤٢).
(٢) ص: ٢٢ من هذا البحث.
(٣) الكامل (٥/ ٢٧٢).
(٤) الكاشف (٢/ ٣٧٦).
(٥) انظر: سؤالات ابن أبي شيبة (ص ١٣٣ رقم ١٦٩)، الضعفاء الكبير (٣/ ٣٧٨)، الجرح (٧/ ١٠ - ١١ رقم ٤١)، سؤالات البرقاني (ص ٥٦ رقم ٤٠٣)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٥٧ - ٢٦٢)، تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٥٦ - ٢٦٤)، الميزان (٣/ ٩٠ - ٩٣ رقم ٥٧١٣)، التهذيب (٧/ ٢٦١ - ٢٦٣).
[ ٤٥ ]
ثقته، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (١).
- محمد بن إسماعيل هو: الصائغ الكبير، أبو جعفر البغدادي، نزيل مكة، قَالَ ابن أبي حاتم: «سمعت منه بمكة، وهو صدوق» (٢)، وَقَالَ ابن حجر: «صدوق»، مات سنة ست وسبعين ومائتين، روى له أبو داود (٣).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد معلول من وجهين:
الأوَّل: أنَّ رواية عكرمة بن عمار عَنْ يحيى بن أبي كثير مضطربة كما تقدم، وهو في هذه الرواية بعينها يضطرب فيها فقد رواه عَنْ يحيى بن أبي كَثير، عَنْ أبي سلمة، عَنْ أبي هريرة، مرفوعًا، وسيأتي بيان ذلك عند ذكر حَدِيث أبي هريرة - إنْ شاء الله تعالى -.
الثاني: أنَّ الأوزاعيّ - وهو أوثق من عكرمة بدرجات - خالف عكرمة بن عمار، فرواه عَنْ يحيى بن أبي كثير، عَنْ ابن عَبَّاس - موقوفًا عليه -، كما قَالَ ابن أبي حاتم: «قَالَ أبي: رَوَاهُ الأَوْزَاعِيّ، عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِير، عَنْ ابن عَبَّاس قولَهُ: "إنَّ الرّبَا بِضْعٌ وسَبْعُونَ بَابًَا"، قَالَ أَبِي: هَذَا أَشْبَهُ، واللَهُ أَعْلَم» (٤).
فتحصل من هذا أنّ الصواب أنّ الأثر موقوف على عبد الله بن
_________________
(١) تهذيب التهذيب (١/ ١٢)، التقريب (ص ٧٧ رقم ٧).
(٢) الجرح والتعديل (٧/ ١٩٠ رقم ١٠٨٤).
(٣) تهذيب التهذيب (٩/ ٤٩)، تقريب التهذيب (ص ٤٦٨ رقم ٥٧٣١).
(٤) العلل (١/ ٣٧٢ رقم ١١٠٥)
[ ٤٦ ]
سَلاَم بسندٍ صحيح من طريق: زيد بن أسلم عَنْ عطاء بن يسار عَنْ عبد الله بن سَلاَم أنه قَالَ: «الرّبَا اثنان وسبعون حوبا، وأدنى فجرة مثل أن يقع الرجُل على أمه، أو مثل أن يضطجع الرجُل على أمه، وأكثر من ذلك أظن عرض الرجُل المسلم بغير حق».
وقد رجح المنذريُّ وقفَ الحَدِيث على عبد الله بن سلاَم فَقَالَ:
«رَوَاهُ الطبرانيّ في الكبير مِنْ طريقِ عطاء الخراساني عَنْ عبد الله ولم يسمع منه، وَرَوَاهُ ابنُ أبي الدّنيا والبغوي وغيرهما موقوفًا على عبد الله، وهو الصحيح» (١).
_________________
(١) الترغيب والترهيب (٣/ ٦).
[ ٤٧ ]