تخريجُ حَدِيث عبدِ الله بنِ عَبَّاس - ﵁ - والحُكْمُ عليهِ.
رُوي الحَدِيث عن عبدِ الله بنِ عَبَّاس من عدة طُرُق:
١ - طاووس بن كيسان، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا.
٢ - عكرمة مولى ابن عَبَّاس، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا.
٣ - عَمْرو بن دينار، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا.
٤ - الأوزاعيُّ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن ابن عَبَّاس - موقوفًا عليه -.
الطريقُ الأوَّل: طاووس بنُ كيسان، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا
١ - تخريج الحَدِيث:
أخرجه:
البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٩٩) قَالَ:
أخبرنا أبو علي بن شاذان أنا عبد الله بن جعفر قَالَ: أخبرنا يعقوب الفسوي (١)، قَالَ: حَدَّثنَا محمد بن رافع (٢)، قَالَ: أخبرنا إبراهيم بن عُمَر أبو إسحاق الصنعانيّ قَالَ: سمعت النعمان يقول: إنه سمع طاوسا يقول: ابن عَبَّاس عن النبي - ﷺ - يقول: «إنّ الرّبَا نيف وسبعون بابًا أهونهن بابا
_________________
(١) لم أجد هذا الحَدِيث في كتاب المعرفة والتاريخ ليعقوب، ولم يذكره د. أكرم العمري في ملحق الاستدراك في آخر الكتاب، وهو على شرطه، والله اعلم.
(٢) وقع في المطبوع (نافع) وهو خطأ، وهو على الصواب في النسخة المحققة الهندية (١٢/ ١٠٦).
[ ٤٨ ]
من الرّبَا مثل مَنْ أتى أمه فِي الإِسْلاَم، ودِرْهمُ ربا أشدّ مِنْ خمسٍ وثلاثين زَنْية، وأخبث الرّبَا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته».
وَقَالَ ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٩١ رقم ١١٧٠):
«وسُئِلَ أبوزُرْعَةَ عَنْ حَدِيث رَوَاهُ مُحَمَّد بنُ رَافِعٍ النيَّسابُوريّ، عَنْ إِبْرَاهِيم بن عُمَر الصنعانيّ عن النعمان - يعني ابن الزبير (١) -، عَنْ طَاوُوس عَنْ ابن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: الرّبَا نَيّفٌ وسَبْعُون بَابَا، أهونُ بَابٍ مِنْ الرّبَا مِثل مَنْ أتى أمه فِي الإِسْلاَم، ودِرْهمُ ربا أشدّ مِنْ خمسٍ وثلاثين زَنْية، وأشدُّ الرّبَا - أو أربى الرّبَا، أو أخبث الرّبَا - انتهاك عِرْضِ المُسْلِم، أو انتهاك حرمته. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا حَدِيث مُنْكَر».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - طاووس هو: ابن كيسان اليمانيّ، متفق على توثيقه وفضله وفقهه، روى له الجماعة، مات سنة ست ومائة (٢).
٢ - والنعمانُ هو: ابنُ أبي شيبة عبيد اليمانيّ الجنديّ، ختن هشام بن يوسف، قَالَ ابن معين: «ثقة مأمون، كيسٌ كيسٌ» (٣)، وَقَالَ الذهلي: «النعمان بن أبي شيبة من ثقات أهل اليمن»، وكان هشام بن يوسف يثني عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وَقَالَ ابن حجر: «ثقة»، روى له أبو داود حديثًا واحدًا (٤).
_________________
(١) كذا في علل ابن أبي حاتم (الزبير)، وفي جميع كتب الرجال (عبيد).
(٢) انظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٣٥٧ - ٣٧٤)، التهذيب (٥/ ٨ - ١٠).
(٣) الجرح (٨/ ٤٤٨ رقم ٢٠٥٩).
(٤) انظر: الثقات (٩/ ٢٠٩)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠٥)، تقريب التهذيب (ص ٥٦٤ رقم ٧١٥٧).
[ ٤٩ ]
٣ - وإبراهيم بن عُمَر، أبو إسحاق الصنعانيّ، روى عن: النعمان بن الزبير، وعنه: محمد بن رافع، ونوح بن حبيب، مجهول الحال، قَالَ ابن حجر: «مستور» (١)، روى له أبو داود حديثًا واحدًا في الأشربة (٣/ ٣٢٧ رقم ٣٦٨٠) قَالَ: حَدَّثنَا محمد بن رافع النيسابوري قَالَ: حَدَّثنَا إبراهيم بن عُمَر الصنعاني قَالَ سمعت النعمان يقول عن طاوس عن ابن عَبَّاس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «كلّ مخمر خمر، وكلّ مسكر حرام، ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قَالَ: «صديد أهل النار» ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال». قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: «هَذَا حَدِيث مُنْكَر» (٢).
٤ - ومحمد بن رافع، أبو عبد الله النيسابوريّ، متفق على توثيقه وزهده، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، مات سنة خمس وأربعين ومائة (٣).
٣ - دراسةُ الإسنادِ والحكم عليه:
الحَدِيثُ بهذا الإسناد منكر لأمرين:
١ - أنَّ إبراهيمَ بن عُمَر لا تعرف حاله.
٢ - ثم إنّ سلسلة "طاووس عن ابن عَبَّاس" من السلاسل المشهورة
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال (٢/ ١٥٩ - ١٦٠)، الكاشف (١/ ٨٨ - ٨٩)، تهذيب التهذيب (١/ ١٢٩)، التقريب (ص ٩٢ رقم ٢٢٣).
(٢) علل الحَدِيث (٢/ ٣٦ رقم ١٥٨٧).
(٣) انظر: التهذيب (٩/ ١٦٠ - ١٦٢)، التقريب (ص ٤٧٨ رقم ٥٨٧٦).
[ ٥٠ ]
فكيف يتفرد مجهول - أعني: إبراهيم بن عُمَر - بها!، ومن القرائن عند المحدثين على بطلان الرواية أنْ يتفرد غير المعروف بحديث من طريقٍ مشهور، قَالَ ابنُ أبي حاتم: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيث رَوَاهُ عَبْدُالْكَرِيمِ بنُ عبد الكريم النَّاجِي، عَنْ الحَسَنِ بن مُسْلِم، عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامِ الْقِطَافِ لِيَبِيعَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِلاّ كَانَ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَقْتٌ، قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيث كَذِبٌ باطلٌ، قُلْتُ: تَعْرِفُ عَبْدَ الْكَرِيمِ هَذَا؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فتَعْرِفُ الحَسَنَ بنَ مُسْلِم؟ قَالَ: لا، ولكَنْ تَدُلُ رِوَايَتُهُمْ عَلَى الكَذِبِ» (١).
ومما يزيد الريبة في هذا الإسناد أنَّ أحدًا من أصحاب الكتب المشهورة لم يروه!.
ولما تقدم حَكَمَ أَبُو زُرْعَةَ على الحديث بأنه: «حَدِيث مُنْكَر»، وهذا حكم دقيقٌ.
الطريق الثاني: عكرمة مولى ابن عَبَّاس، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا
وله عن عكرمة طُرُق:
الأوَّل: طريق خُصيف بن عبد الرحمن، عن عكرمة أخرجه:
الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد (٦/ ٧٦) - ومن طريقه ابن الجَوزيّ في العلل المتناهية (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨) - قَالَ:
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد النجار قَالَ: أخبرنا عبيد الله بن
_________________
(١) العلل (١/ ٣٨٩ رقم ١١٦٥).
[ ٥١ ]
محمد بن سليمان المخرمي قَالَ: حَدَّثنَا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب قَالَ: حَدَّثنَا محمد بن بكار بن الريان قَالَ: حَدَّثنَا إبراهيم بن زياد القرشي، عن خُصيف بن عبد الرحمن، عن عكرمة، عن ابن عَبَّاس عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «مَنْ أعان على باطل ليُدْحِض بباطله حقا فقد بريء من ذمة الله وذمة رسوله، ومن مشى إلى سلطان الله في الأرض ليذله أذل الله رقبته يوم القيامة - أو قَالَ إلى يوم القيامة -، مع ما يدخر له من خزي يوم القيامة، وسلطان الله في الأرض كتاب الله وسنة نبيه، ومن استعمل رجلا وهو يجد غيره خيرا منه وأعلم منه بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين، ومن ولي من أمر المسلمين شيئا لم ينظر الله له في حاجة حتى ينظر في حاجاتهم، ويؤدي إليهم حقوقهم، ومن أكل درهم ربا كان عليه مثل إثم ست وثلاثين زنية في الإسلام، ومن نبت لحمه من سُحْت فالنار أولى به».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - عكرمة هو: هو: القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عَبَّاس، قَالَ ابن حجر: «ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عُمَر، ولا تثبت عنه بدعة»، روى له الجماعة، مات سنة أربع ومائة وقيل بعد ذلك (١).
٢ - وخُصيف بن عبد الرحمن فيه خلاف وجمهور النقاد - كيحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي حاتم وغيرهم - على ضعفه (٢)،
_________________
(١) انظر: الرواة الثقات (ص ١٣٨ رقم ٥٩)، الهدي (ص ٤٢٥ - ٤٣٠)، التقريب (ص ٣٩٧ رقم ٤٦٧٣).
(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٤٠٣ رقم ١٨٤٨)، الكامل (٣/ ٦٩)،تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٣).
[ ٥٢ ]
وقَالَ الدَّارقُطني " يعتبر به يهم" (١).
٣ - وإبراهيم بن زياد القرشي، لا يُعرف قاله ابن معين، والذهبيّ، وَقَالَ العقيلي: «هذا شيخٌ يحدث عن الزهري، وعن هشام بن عروة، فيحمل حَدِيث الزهري عن هشام بن عروة، وحديث هشام بن عروة عن الزهري، ويأتي أيضا مع هذا عنهما بما لا يحفظ، وهذا رواه الناس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة» (٢)، وهذا نقدٌ مُفسّر، وَقَالَ الخطيب: «في حديثه نُكرة» (٣).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا إسناد ضعيف جدًا:
١ - فإبراهيم بن زياد لا يُعرف
٢ - وخصيف بن عبد الرحمن ضعيفٌ يعتبر به.
٣ - ثم إنّ سلسلة "عكرمة عن ابن عَبَّاس" من السلاسل المشهورة فكيف يتفرد مجهول وضعيف بها!.
٤ - ومما يزيد الإسناد وهنًا أنَّ أحدًا من أصحاب الكتب المشهورة لم يروه!.
الثاني: طريق حنش الرَّحبي، عن عكرمة أخرجه:
ابن حبان في المجروحين (١/ ٢٤٣)،والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٩٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٣/ ٢٥٦)
_________________
(١) سؤالات البرقاني (ص ٢٧ رقم ١٢٥).
(٢) ضعفاء العقيلي (١/ ٥٣)
(٣) انظر: من كلام أبي زكريا يحي بن معين في الرجال - رواية الدقاق (ص ١٠٠ رقم ٣١١)، الميزان (١/ ١٥١)، تاريخ بغداد (٦/ ٧٦) -
[ ٥٣ ]
من طريق حنش الرَّحبي، عن عكرمة، عن ابن عَبَّاس عن النبي - ﷺ - قَالَ: «من أعان باطلا ليدحض بباطله حقا قد بريء من ذمة الله وذمة رسوله، ومن ولي وليا من المسلمين شيئا من أمور المسلمين وهو يعلم أن في المسلمين من هو خير للمسلمين منه وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فقد خان الله ورسوله وخان جماعة المسلمين، ومن ولي شيئا من أمور المؤمنين لم ينظر الله له في شيء من أموره حتى يقوم بأمورهم ويقضي حوائجهم، ومن أكل درهما من ربا فهو كإثم ستة وثلاثين زنية ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى به». وهذا لفظ ابن عساكر تامًا، ولفظ ابن حبان والبيهقي مختصرًا: «من أكل درهمًا ».
وأخرجه: العقيلي في ضعفاء (١/ ٢٤٧)، الطبرانيّ في المعجم الكبير (١١/ ٢٥١ رقم ١١٥٣٩، ٢١٧ رقم ١١٥٤٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٥٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٠٠)، والهرويُّ في ذم الكلام (٢/ ٢٠ - ٢١) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٥/ ٣١٥):
من طريق حنش الرَّحبي، عن عكرمة، عن ابن عَبَّاس عن النبي - ﷺ - مطولًا ومختصرًا ولم يُذكر الشاهد: «ومن أكل درهما من ربا فهو كإثم ستة وثلاثين زنية».
وَقَالَ الحاكم: «صحيح الإسناد»، وتعقبه الذهبيّ بقوله: «حنش الرَّحبي: ضعيف».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - عكرمة تقدم قريبًا.
٢ - حنش - بفتح المهملة والنون ثم معجمة - لقب الحسين بن قيس الرحبي أبو علي الواسطي وهو متفق على تركه، ورمي بالكذب،
[ ٥٤ ]
أخرج له الترمذي وابن ماجه (١).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
هذا الحَدِيث بهذا الإسناد باطل من أجل حنش، وقد ذكر الحَدِيثَ العقيليُّ، وابن حبان (٢)، وابنُ عدي (٣)، والذهبيّ في ترجمة حنش ضمن منكراته، وَقَالَ الهيثميُّ: «وفي إسناد الكبير: حنش وهو متروك» (٤).
الثالث: طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن عكرمة أخرجه:
- ابن حبان في المجروحين (١/ ٣٢٨).
- والطبرانيّ في المعجم الأوسط (٣/ ٤٥١ رقم ٢٩٦٨)، وفي المعجم الصغير (١/ ٨٢) وفي مسند الشاميين (١/ ٦١ رقم ٦٣).
- وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٢٤٨) وفي تاريخ أصبهان (١/ ٣٣٦).
- والهرويُّ في ذم الكلام (٢/ ٢٠ - ٢١).
- وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٢/ ٢٥٣).
من طريق سعيد بن رحمة المصيصيّ، عن محمد بن حِمْير، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عكرمة، عن ابن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من أعان ظالما بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٢/ ٣٠٣)، تهذيب التهذيب (٢/ ٣١٣)، تقريب التهذيب (ص ١٦٨ رقم ١٣٤٢).
(٢) وقد نصَّ ابنُ حبان على أنّ ما يورده في ترجمة الراوي من حديثه ما يستدل به على ضعفه فقال: «ونذكر عند كل شيخٍ منهم من حديثه ما يستدل به على وهنه في روايته تلك» المجروحين (١/ ٩٥).
(٣) انظر: ص: ١٩ من هذا البحث.
(٤) مجمع الزوائد (٤/ ١١٧).
[ ٥٥ ]
ذمة الله وذمة رسوله ومن أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية ومن نبت لحمه من السحت فالنار أولى به».
وَقَالَ الطبراني: «لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة - واسم أبي عبلة: شمر، وقدْ قيل: طرخان، والصواب: شمر -، إلا محمد بن حمير، تفرد بهِ سعيد بن رحمة».
وَقَالَ أبو نعيم: «غريب من حَدِيث إبراهيم، تفرد به محمد بن حِمْير».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - عكرمة تقدم قريبًا.
٢ - وإبراهيم بن أبي عبلة - بسكون الموحدة - واسمه شمر - بكسر المعجمة - الشامي، يكنى أبا إسماعيل، ثقة مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، روى له البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة (١).
٣ - ومحمد بن حِمْير هو: السَّليحي - بفتح أوله ومهملتين -، الحمصي، والراجح فيه ما قاله الذهبيّ: «ما هو بذاك الحجة، حديثه يعد في الحسان، وقد انفرد بأحاديث ..» (٢)، وَقَالَ ابن حجر: «صدوق»، مات سنة مائتين، روى له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجة (٣).
_________________
(١) تهذيب التهذيب (١/ ١٢٤)، تقريب التهذيب (١/ ٩٢ رقم ٢١٣).
(٢) السير (٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (٢٥/ ١١٦ - ١١٩)، الميزان (٣/ ٥٣٢ رقم ٧٤٥٩)، التقريب (ص ٤٧٥ رقم ٥٨٣٧).
[ ٥٦ ]
٤ - وسعيد بن رحمة المصيصيّ، قَالَ عنه ابن حبان: «يروي عن محمد بن حِمْير ما لم يتابع عليه، روى عنه أهل الشام، لا يجوز الاحتجاج به لمخالفته الأثبات في الروايات» (١).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا إسناد ضعيف جدًا:
١ - فسعيد بن رحمة لا يجوز الاحتجاج به، وخاصة عن محمد بن حِمْير.
٢ - ثم إنّ سلسلة "عكرمة عن ابن عَبَّاس" من السلاسل المشهورة فكيف يتفرد بها سعيد!.
٤ - ومما يقوي الريبة في هذا الإسناد أنَّ أحدًا من أصحاب الكتب المشهورة لم يروه!.
وقد ذكر الحَدِيث ابن حبان، والذهبيّ في ترجمة سعيد بن رحمة ضمن منكراته، وَقَالَ الهيثميُّ: «رواه الطبرانيّ في الصغير والأوسط، وفيه: سعيد بن رحمة، وهو ضعيف» (٢).
الطريق الثالث: عَمْرو بن دينار، عن ابن عَبَّاس مرفوعًا
أخرجه الطبرانيّ في المعجم الكبير (١١/ ١١٤ رقم ١١٢١٦) قَالَ:
حَدَّثنَا ابن حنبل قَالَ: حَدَّثنَا محمد بن أبان الواسطي قَالَ: حَدَّثنَا أبو شهاب عن أبي محمد الجزري - وهو حمزة النصيبي - عن عَمْرو بن
_________________
(١) المجروحين (١/ ٣٢٨)، وانظر: ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٩)، المغني في الضعفاء (١/ ٢٥٨ رقم ٢٣٨١)، لسان الميزان (٣/ ٢٨).
(٢) مجمع الزوائد (٤/ ١١٧).
[ ٥٧ ]
دينار عن ابن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من أعان بباطل ليدحض بباطله حقًا فقد برئ من ذمة الله، وذمة رسوله. ومن مشى إلى سلطان الله ليذله، أذله الله مع ما يدخر له من الخزي يوم القيامة، سلطان الله: كتاب الله وسنة نبيه. ومن تولى من أمراء المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلًا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين ومن ترك حوائج الناس لم ينظر الله في حاجته حتى يقضي حوائجهم ويؤدي إليهم بحقهم، ومن أكل درهم ربا فهوَ ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من سحت فالنار أولى بهِ».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - عَمْرو بن دينار هو: المكي، أبو محمد الجُمحي، متفق على ثقته وجلالته، روى له الجماعة، مات سنة خمس وعشرين ومائة (١).
٢ - وأبو محمد الجزري هو حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عَمْرو، متفق على أنه متروك، وَقَالَ ابن عدي: «يضع الحَدِيث .. وكل ما يرويه أو عامته مناكير موضوعة والبلاء منه» (٢)، روى له الترمذي (٣).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
هذا الحَدِيث بهذا الإسناد ضعيف جدًا:
١ - فأبو محمد الجزري متروك، ورماه ابن عدي وغيرهُ بوضع الحَدِيث.
٢ - وتفرده عن عَمْرو بن دينار مما يزيد روايته وهنًا على وهنها.
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ٥ - ١٣).
(٢) الكامل (٢/ ٣٧٧).
(٣) تهذيب التهذيب (٣/ ٢٥)،تقريب التهذيب (ص ١٧٩ رقم ١٥١٩).
[ ٥٨ ]
قَالَ ابنُ رَجَب: «أصحاب عَمْرو بن دينار » (١). ثم ذكر أقوال النقاد في بيان وعدّ أصحاب أصحاب عَمْرو فممن ذُكر: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وشعبة بن الحجاج، ابن جريج، فأين هم عن هذه الرواية! حتى يتفرد بها متروك!.
وَقَالَ الهيثميُّ: «فيه أبو محمد الجرزي حمزة ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح» (٢).
قلتُ: كذا قَالَ في هذا الموضع! وقد ذكره في عدة مواضع من كتابه وَقَالَ: «حمزة النصيبي وهو متروك» (٣)، ويبدو أنه اشتبه عليه الاسم فلم يعرفه، علمًا أنه في معجم الطبراني: «عن أبي محمد الجزري - وهو حمزة النصيبي -» كذا منسوبًا، وربما لم ينسب في النسخة التي نقل منه الهيثمي والله أعلم.
الطريق الرابع: الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عَبَّاس - موقوفًا عليه -
قَالَ ابن أبي حاتم: «وسَألتُ أَبِي عَنْ حَدِيث رَوَاهُ عِكْرِمَةُ بنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِير، عَنْ عَبْد اللَهُ بنِ زَيْد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: الرّبَا بِضْعٌ وسَبْعُونَ بَابًَا، قَالَ أبي: رَوَاهُ الأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِير، عَنْ ابن عَبَّاس قولَهُ: إنَّ الرّبَا بِضْعٌ وسَبْعُونَ بَابًَا، قَالَ أَبِي: هَذَا أَشْبَهُ، واللَهُ أَعْلَم» (٤).
_________________
(١) شرح علل الترمذيّ (٢/ ٦٨٤).
(٢) مجمع الزوائد (٥/ ٢١٢).
(٣) انظر: مجمع الزوائد (٤/ ٦٦)، (٥/ ٢٣)، (٦/ ٢٨٦).
(٤) العلل (١/ ٣٧٢ رقم ١١٠٥)
[ ٥٩ ]
ولم أجد من أخرج هذا الوجه.
فخُلاصة الكلام على حَدِيث ابن عَبَّاس أنّه لا يصح، ولا يعتمد عليه في الشواهد والمتابعات فجميع طرقه تدور على ضعفاء ومتروكين وكذابين، وأوجه معلولة، وغرائب عن أئمة مشاهير يُجمع حديثهم.
[ ٦٠ ]