تخريجُ حَدِيث أبي هُرَيرة - ﵁ - والحُكْمُ عليهِ.
رُوي الحَدِيث عن أبي هُرَيرة من عدة طُرُق:
١ - طريقُ أبي سلمة عن أبي هُرَيرة - ﵁ - مَرْفوعًا.
٢ - طريقُ سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هُرَيرة مَرْفوعًا.
٣ - طريقُ أبي سعيد كيسان المقبريّ، عن أبي هُرَيرة مَوقوفًا.
٤ - طريقُ زياد أبي المغيرة، عن أبي هُرَيرة مَوقوفًا.
٥ - طريقُ يحيى بن المتوكل، عن ابن عباد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هُرَيرة مَرْفوعًا.
الطريقُ الأوَّلُ: طريقُ أبي سلمةَ عن أبي هُرَيرة - ﵁ - مَرْفوعًا.
١ - تخريج الحَدِيث:
أخرجه:
- البخاريّ في التاريخ الكبير (٥/ ٩٥) - ومن طريقه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٧٥) -.
- والعقيليُّ في الضعفاء الكبير (٢/ ٢٥٧) - ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢١ رقم ١٢٢٤) -.
- والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٩٤).
[ ٨٣ ]
جميعهم من طُرُق عن سعد بن عبد الحميد بن جعفر قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن زياد.
- وابن الجارود في المنتقى (ص ٢١٧ رقم ٦٤٧) باب ما جاء في الربا.
- والبغويُّ في التفسير (١/ ٤٠١).
كلاهما من طُرُق عن النضر بن محمد.
- والدينوري في المجالسة (٤/ ٣٩٥ رقم ١٥٩٠).
- وابن عديّ في الكامل (٥/ ٢٧٥).
- والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٩٤).
جميعهم من طُرُق عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي قَالَ: حَدَّثَنَا عفيف بن سالم.
جميعهم (عبد الله بن زياد، والنضر بن محمد، وعفيف بن سالم)
عن عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير قَالَ: حَدَّثَنَا أبو سلمة عن أبي هُرَيرة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «الربا سبعون بابا أهونها عند الله كالذي ينكح أمه».
وَقَالَ البيهقي: «غريب بهذا الإسناد، وإنما يعرف بعبد الله بن زياد، عن عكرمة، وعبد الله بن زياد هذا منكر الحَدِيث».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - أبو سلمة تقدمت ترجمته (١)، وهو: متفق على ثقته وفقهه وجلالته.
_________________
(١) ص: ٤٥ من هذا البحث.
[ ٨٤ ]
٢ - يحيى بن أبي كثير تقدمت ترجمته (١)،وهو: متفقٌ على توثيقه، وكان يرسل.
٣ - عكرمة بن عمار تقدمت ترجمته (٢) وهو: ثقة، وفي روايته عَنْ يحيى بن أبي كثير اضطراب.
٤ - عبد الله بن زياد هو: اليمامي أبو العلاء (٣)، روى عن: عكرمة بن عمار، روى عنه: سعد بن عبد الحميد بن جعفر، قَالَ البخاريّ: «منكر الحَدِيث» (٤)، وذكره ابنُ أبي حَاتِم وسكت عنه، وذكره ابن حبان في الثقات.
هذا جميع ما وقفتُ عليه في ترجمة هذا الراوي بعد بحثٍ طويلٍ، ويظهر أنّ هذا الراوي لا يعرف، ولذا قَالَ ابنُ عدي بعد نقلهِ كلام البخاريّ: «وهذا الذي ذكره البخاري لم يحضرني فأذكره» (٥).
وقولُ البخاريّ: «منكر الحَدِيث» جرحٌ شديدٌ، قَالَ الذهبيّ: «أبان بن جبلة .. وَقَالَ البخاري: منكر الحَدِيث، ونقل ابنُ القطان (٦) أنَّ البخاريَّ قَالَ: كل من قلت فيه منكر الحَدِيث فلا تحل الرواية عنه» (٧).
قَالَ ابن حجر: «وهذا القولُ مروي بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدِ السلام بنِ أحمد الخفاف عن البخاري» (٨).
وَقَالَ أيضًا: «البخاريُّ في كلامه على الرجال في غاية التحري
_________________
(١) ص: ٢٢ من هذا البحث.
(٢) ص: ٤٦ من هذا البحث.
(٣) انظر: الضعفاء الكبير (٢/ ٢٥٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٦٢ رقم ٢٨٠)، الثقات (٨/ ٣٤١)، ميزان الاعتدال (٤/ ١٠٢)، المغني في الضعفاء (١/ ٣٣٩ رقم ٣١٧٨).
(٤) التاريخ الكبير (٥/ ٩٥ رقم ٢٦٩).
(٥) الكامل (٤/ ٢٤٤).
(٦) في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٧٧ رقم ١١٢٠).
(٧) ميزان الاعتدال (١/ ١١٩).
(٨) لسان الميزان (١/ ٢٠).
[ ٨٥ ]
والتوقي، ومن تأمل كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه وإنصافه، فإنَّ أكثرَ ما يقولُ: منكر الحَدِيث، سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه ونحو هذا، وقلَّ أن يقولَ: فلان كذاب، أو يضع الحَدِيث، بل إذا قَالَ ذلك عزاه إلى غيره بقوله: كذبه فلان، رماه فلان بالكذب، حتى أنه قَالَ: من قلتُ فيه في حديثه نظر فهو متهم، ومن قلتُ فيه منكر الحَدِيث فلا تحل الرواية عنه» (١).
قَالَ الذهبيّ: «وَقَالَ بكر بن منير: سمعتُ أبا عبد الله البخاري يقولُ: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا، قلتُ: صَدَقَ ﵀، ومَنْ نَظَرَ في كلامهِ في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحَدِيث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا وقلّ أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحَدِيث، حتى إنه قَالَ: إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع» (٢).
والبخاريّ إنما حَكَمَ عليه بناءً على تتبع أحاديثه والنظر فيها وهذه طريقة كبار النقاد، كما قالَ ابنُ أبي حَاتِم: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيث رَوَاهُ عَبْدُالْكَرِيمِ بنُ عبد الكريم النَّاجِي، عَنْ الحَسَنِ بن مُسْلِم، عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ حَبَسَ الْعِنَبَ أَيَّامِ الْقِطَافِ لِيَبِيعَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِلاّ كَانَ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَقْتٌ، قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيث كَذِبٌ باطلٌ، قُلْتُ: تَعْرِفُ عَبْدَ الْكَرِيمِ هَذَا؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: فتَعْرِفُ الحَسَنَ بنَ مُسْلِم؟ قَالَ: لا، ولكَنْ تَدُلُ رِوَايَتُهُمْ عَلَى
_________________
(١) تغليق التعليق (٥/ ٣٩٧).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣٩).
[ ٨٦ ]
الكَذِبِ» (١)، ولهذا نظائر كثيرة في كلام كبار النقاد وأئمة الجرح والتعديل.
وسكوت ابن أبي حَاتِم لا يدل على جرحٍ ولا تعديل، فقد قَالَ مبينًا منهجه في ذلك: «على أنَّا ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روى عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد» (٢).
وذِكْرُ ابنِ حبان له في الثقات - مع قول البخاري عنه: «منكر الحَدِيث» - دليل من الأدلة الكثيرة على تساهله في باب التوثيق.
٥ - النضر بن محمد هو: الجرشي، أبو محمد اليمامي، قَالَ ابن حجر: «ثقة له أفراد»، روى له البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة (٣).
٦ - عفيف بنُ سالم هو: الموصلي البجلي مولاهم، أبو عمرو، قَالَ الذهبي: «محدّث مشهور صالح الحَدِيث» (٤)، وَقَالَ ابنُ حجر: «صدوق» (٥)، مات بعد الثمانين ومائة، روى له النسائي في مسند علي (٦).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد معلول من وجهين:
_________________
(١) العلل (١/ ٣٨٩ رقم ١١٦٥).
(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٣٨).
(٣) تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٩٦)، تقريب التهذيب (ص ٥٦٢ رقم ٧١٤٨).
(٤) ميزان الاعتدال (٥/ ١٠٥).
(٥) تقريب التهذيب (ص ٣٩٤ رقم ٤٦٢٧).
(٦) تهذيب التهذيب (٧/ ٢٠٩).
[ ٨٧ ]
الأوَّل: أنَّ رواية عكرمة بن عمار عَنْ يحيى بن أبي كثير مضطربة كما تقدم، وهو في هذه الرواية بعينها يضطرب فقد روى الحَدِيث عَنْ يحيى بن أبي كَثير، عَنْ عبد الله بن سَلاَم مَوقوفًا عليه، وتقدم بيان ذلك عند ذكر حَدِيث عبد الله بن سَلاَم (١).
الثاني: أنَّ الأوزاعيّ - وهو أوثق من عكرمة بدرجات - خالف عكرمة بن عمار، فرواه عَنْ يحيى بن أبي كثير، عَنْ ابن عباس - مَوقوفًا عليه -، كما قَالَ ابن أبي حَاتِم: «قَالَ أبي: رَوَاهُ الأَوْزَاعِيّ، عَنْ يَحْيَى بن أَبِي كَثِير، عَنْ ابن عَبَّاس قولَهُ: "إنَّ الرّبا بِضْعٌ وسَبْعُونَ بَابًَا"، قَالَ أَبِي: هَذَا أَشْبَهُ، واللَهُ أَعْلَم» وتقدم بيان ذلك عند ذكر حَدِيث عبد الله بن عباس (٢).
ومما تقدم يعلم أنّ قول المنذريّ: «رواه البيهقي بإسنادٍ لا بأس به» (٣) فيه نظر بين.
- الطريق الثاني: طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هُرَيرة مَرْفوعًا، ورواه عن سعيد اثنان:
١ - أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، أخرجه:
- ابن ماجه في سننه (٢/ ٧٦٤ رقم ٢٢٧٤) كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، من طريق عبد الله بن إدريس.
- والمروزيُّ في السنة (ص ١٦٧ رقم ٢١٥)، من طريق النضر بن شُميل.
_________________
(١) ص: ٤٥ من هذا البحث.
(٢) ص: ٦١ من هذا البحث.
(٣) الترغيب والترهيب (٣/ ٥).
[ ٨٨ ]
- والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٩٥)، من طريق محمد بن أبي معشر.
جميعهم عن أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هُرَيرة قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه»، زاد المروزي، والبيهقيُّ: «وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه».
وفي رواية المروزيّ: «عن أبي هُرَيرة قَالَ: الربا ..» مَوقوفًا عليه، ويبدو أنّ هذا من اضطراب أبي معشر بالحديث.
وَقَالَ البيهقي: «أبو معشر، وابنه غير قويين».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - سعيد هو: ابن أبي سعيد: كيسان المَقْبُري، أبو سعد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين ولم تظهر له منكرات - كما قَالَ الذهبيُّ -، وثقه ابن المديني، والعجليُّ، والنسائي وغيرهم، قَالَ ابنُ حَجَر: «وزعم الواقديُّ أنه اختلط قبل موته بأربع سنين، وتبعه ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وابن حبان، وأنكر ذلك غيرهم» (١)، وَقَالَ الذهبيُّ: «ما أحسبه روى شيئًا في مدة اختلاطه، وكذلك لا يوجد له شيء منكر» (٢)، وَقَالَ أيضًا: «ثقةٌ، حجةٌ، شاخ ووقع في الهرم، ولم يختلط ما أحسب أنّ أحدًا أخذ عنه في الاختلاط، فإنّ ابن عيينة أتاه فرأى لعابه يسيل، فلم يحمل عنه» (٣)، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة (٤).
٢ - أبو معشر هو: نجيح بن عبد الرحمن السندي - بكسر المهملة
_________________
(١) مقدمة فتح الباري (ص ٤٠٥).
(٢) السير (٥/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) الميزان (٣/ ٢٠٤).
(٤) انظر: تاريخ دمشق (٢١/ ٢٧٧ - ٢٨٧)، تهذيب التهذيب (٤/ ٣٤).
[ ٨٩ ]
وسكون النون - المدني، أبو معشر، مشهور بكنيته قَالَ ابن حجر: «ضعيف أسن واختلط مات سنة سبعين ومائة»، روى له الأربعة (١).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد معلول من وجهين:
الأوَّل: ضعف أبي معشر السندي، قَالَ البوصيري: «هذا إسنادٌ ضعيف، أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن، متفق على ضعفه» (٢).
الثاني: تفرد أبي معشر بالحديث عن سعيد المقبري، فأين أصحاب سعيد المقبري لم يرووا هذا الأثر عنه!!.
قَالَ ابنُ رَجَب: «أصحابُ سعيد بنِ أبي سعيد المقبري: قَالَ عبد الله بن أحمد: قَالَ أبي: أصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري، ليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر يقدم في سعيد، وَقَالَ يحيى بن سعيد: ابن عجلان لم يقف على حَدِيث سعيد المقبري ما كان عن أبيه عن أبي هُرَيرة، وما روى هو عن أبي هُرَيرة. أضعفهم عنه - يعني عن المقبري - حديثًا أبو معشر، وَقَالَ عبد الله أيضًا قَالَ أبي: بلغني عن يحيى بن سعيد قَالَ: لم يقف ابن عجلان على حَدِيث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هُرَيرة فترك أباه، فكان يقول: سعيد المقبري عن أبي هُرَيرة، وأصح الناس حديثًا عن سعيد المقبري ليث بن سعد يفصل ما روى عن أبي هُرَيرة، وما عن أبيه عن أبي هُرَيرة هو ثبت في حديثه جدًا، وَقَالَ ابن المديني: الليث وابن أبي ذئب ثبتان في حَدِيث سعيد المقبري» (٣).
_________________
(١) تهذيب التهذيب (/٣٧٤)، تقريب التهذيب (ص ٥٥٩ رقم ٧١٠٠).
(٢) مصباح الزجاجة (٣/ ٣٤).
(٣) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٧٠).
[ ٩٠ ]
٢ - وعبد الله بن سعيد المقبري، أخرجه:
- ابنُ أبي شيبةَ في المصنف (٦/ ٥٦١)
- وهنادُ بنُ السري في الزهد (٢/ ٥٦٤ رقم ١١٦٧)
- وابنُ أبي الدنيا في الصمت وآداب اللسان (ص ١٢٣ رقم ١٧٣)
- والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١/ ٣٤٨ رقم ٥٩٠، ٢/ ١٩١ رقم ١٤٠٩)
- وأشار إليها البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٩٥).
جميعهم عن: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، زاد الأصبهانيُّ: أبا معاوية محمد بن خازم الضرير.
كلاهما عن عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هُرَيرة عن النبي - ﷺ - قَالَ: «الربا سبعون حوبًا، أيسرها نكاح الرجل أمه، وأربى الربا استطالة الرجل في عرض الرجل المسلم».
ووقع في رواية ابن أبي الدنيا: عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه، وهذا وهم والصواب " عن جده" كذا رواه ابن أبي شيبة، وهناد بن السري، وسليمان بن داود عن ابن أبي زائدة.
وخالفهم سويد بن سعيد الحدثاني فراوه عن ابن أبي زائدة، عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هُرَيرة به، وسويد بن سعيد قَالَ عنه ابن حجر: «صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه فأفحش فيه ابن معين القول» (١).
_________________
(١) تقريب التهذيب (ص ٢٦٠ رقم ٢٦٩٠).
[ ٩١ ]
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - سعيد المَقْبُري، تقدمت ترجمته في الإسناد قبله.
٢ - وعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري أبو عباد الليثي مولاهم المدني متفق على تركه، قَالَ البخاريّ: «تركوه» (١)، روى عنه الترمذي وابن ماجة (٢).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
هذا الإسناد باطل من وجهين:
١ - أنّ عبد الله بن سعيد المقبري متروك الحَدِيث.
٢ - تفرد عبد الله بن سعيد بالحديث، فأين أصحاب سعيد المقبري لم يرووا هذا الأثر عنه!!، وتقدم ذكر أصحاب سعيد المقبري.
الطريق الثالث: طريق أبي سعيد كيسان المقبريّ، عن أبي هُرَيرة، مَوقوفًا عليه.
١ - تخريج الحَدِيث:
أخرجه: الطبراني في مسند الشاميين (١/ ١٥٧ رقم ٢٥٤) قَالَ: حَدَّثَنَا موسى بن جمهور التنيسي، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن مصفى، قَالَ: حَدَّثَنَا بقية، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن ثوبان، قَالَ: حدثني مَنْ سمع سعيد المقبري، يُحدث عن أبيه، عن أبي هُرَيرة قَالَ: «الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها كالذي يأتي أمه ».
_________________
(١) الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٥٨).
(٢) تهذيب التهذيب (٥/ ٢٠٩)، التقريب (ص ٣٠٦ رقم ٣٣٥٦).
[ ٩٢ ]
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
١ - كيسان أبو سعيد المقبري المدني مولى أم شريك، ثقة ثبت، مات سنة مائة، روى له الجماعة (١).
٢ - ابنه سعيد المقبري تقدمت ترجمته (٢).
٣ - من سمع سعيد: هذا الراوي المبهم لم أقف على تسميته.
٤ - ابن ثوبان: هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثَوْبان العَنْسِيُّ، أبو عبد الله الدمشقي، صدوق عابد، قَالَ ابن معين - في رواية الدوري -، وعلي بن المديني، والعجلي، وأبو زرعة: «ليس به بأس» (٣)، وَقَالَ الذهبيُّ: «صالح الحَدِيث» (٤)، روى له البخاري في الأدب وغيره، والنسائي في اليوم والليلة والباقون سوى مسلم، مات سنة خمس وستين ومائة (٥).
٥ - بقية هو: بقيّة بن الوليد، أبو يُحْمِد - بضم التحتانية، وسكون المهملة، وكسر الميم - الحمصي، ثقة مكثر من التدليس عن الضعفاء والمجهولين، وفي روايته عن غير أهل الشام بعض الأوهام، قَالَ ابن سعد: «كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفًا في روايته عن غير الثقات» (٦)، وكذلك قَالَ ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة وغيرهم، وَقَالَ ابن عدي: «إذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خَلّط» (٧)، وذكره العلائي، وابن حجر في الطبقة الرابعة
_________________
(١) تقريب التهذيب (ص ٤٦٣ رقم ٥٦٧٦).
(٢) ص: ٩٢ من هذا البحث.
(٣) الجرح (٥/ ٢١٩ رقم ١٠٣١).
(٤) السير (٧/ ٣١٤)
(٥) انظر: تاريخ الدوري (٢/ ٣٤٦)، معرفة الثقات (٢/ ٧٤)، تهذيب الكمال (١٧/ ١٢ - ١٨).
(٦) الطبقات (٧/ ٤٦٩).
(٧) الكامل (٢/ ٧٢ - ٨٠).
[ ٩٣ ]
من المدلسين - وهم من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلاّ بما صرحوا فيه بالسماع -، روى له البخاري استشهادًا، ومسلم في المتابعات، واحتج به الباقون، مات سنة سبع وتسعين ومائة (١).
٦ - هو: محمد بن مُصَفَّى هو: أبو عبد الله الحمصي، صدوق، وكان يدلس، قَالَ أبو حَاتِم، والنسائي: «صدوق» (٢)، وَقَالَ أبو زرعة الدمشقيُّ: «كان صفوان بن صالح، ومحمد بن المصفى يسويان الحَدِيث» (٣)، وَقَالَ الذهبيّ: «صدوق مشهور» (٤)، وذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين، روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، مات سنة ست وأربعين ومائتين (٥).
٧ - موسى بن جمهور هو: ابن زريق البغدادي ثم التنيسي السمسار، ذكره الخطيب، وابن عساكر في تاريخيهما ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا (٦).
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد ضعيف:
_________________
(١) انظر: معرفة الثقات (١/ ٢٥٠ رقم ١٦٨)، تاريخ الدوري (٢/ ٦١)، والدارمي (ص ٧٩ رقم ١٩٠)، الجرح (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٦ رقم ١٧٢٨)، تاريخ بغداد (٧/ ١٢٣ - ١٢٧)، تهذيب الكمال (٤/ ١٩٢ - ٢٠٠)، جامع التحصيل (ص ١١٣)، تعريف أهل التقديس (ص ١٦٣).
(٢) الجرح (٨/ ١٠٤ رقم ٤٤٦)،
(٣) تعريف أهل التقديس (ص ١٥٢ - ١٥٣).
(٤) الميزان (٤/ ٤٣ رقم ٨١٨٢).
(٥) انظر: المجروحين (١/ ٩٤)، المعجم المشتمل (ص ٢٧١ رقم ٩٥٧)، تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٥ - ٤٦٩)، تعريف أهل التقديس (ص ١٥٢ - ١٥٣).
(٦) تاريخ بغداد (١٣/ ٥١)، تاريخ مدينة دمشق (٦٠/ ٤٠٢).
[ ٩٤ ]
- لإبهام الراوي عن سعيد المقبري.
- ثم أين أصحاب سعيد المقبري لم يرووا هذا الأثر عنه!!.
- وتفرد الشاميين بهذا الإسناد مع أنّ مخرج الحَدِيث مدنيّ يدعو للريبة مع العلل المتقدمة.
على أنَّ الخبر موقوف على أبي هُرَيرة - ﵁ -.
الطريق الرابع: طريق زياد أبي المغيرة، عن أبي هُرَيرة مَوقوفًا عليه.
١ - تخريج الحَدِيث:
لم أقف على من أخرج هذا الطريق، وقد ذكره ابنُ أبي حَاتِم معلقًا: «سَمِعْتُ أَبِي وذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ فُضَيلُ بنُ عِيَاض، عَنْ لَيْث، عَنْ الْمُغِيرَة، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: الْرِّبَا سَبْعُونَ بَابَا، أدناها (١) أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ لَيْث، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَة واسمه: زياد، عَنْ أَبِي هُرَيرة».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
- فضيلُ بن عِياض هو: التميمي، أبو علي، نزيل مكة، متفق على ثقته وهو عابد زاهد، وثقه ابن عيينة، والنسائي، وغيرهم، قَالَ الذهبيُّ: «مجمع على ثقته وجلالته» (٢)، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، مات سنة سبع وثمانين ومائة (٣).
_________________
(١) في المطبوع (مثل)، وليست في جميع النسخ المخطوطة!.
(٢) الميزان (٥/ ٤٣٩ رقم ٦٧٧٤).
(٣) انظر: الجرح (٧/ ٧٣ رقم ٤١٦)، تهذيب الكمال (٢٣/ ٢٨١ - ٣٠٠).
[ ٩٥ ]
- ليث هو: ابن أبي سُلَيم: زُنَيْم - بالزاي، والنون مصغرًا - القُرشيُّ، أبو بكر الكوفي، ضعيف، ضعفه جمهور المحدثين منهم: يحيى القطان، وابن معين، وأحمد وغيرهم، قَالَ ابن أبي حَاتِم: «سمعتُ أبي، وأبا زرعة يقولان: ليث لا يُشتغل به، هو مضطرب الحَدِيث» (١)، استشهد به البخاري في «الصحيح»، وروى له في كتاب «رفع اليدين»، وغيره، وروى له مسلم مقرونًا بابي إسحاق الشيباني، وروى له الباقون، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة (٢).
- المغيرة: اختلف في تسمية هذا الراوي:
فَقَالَ البخاريُّ: «زياد بن أبي المغيرة، عن أبي هُرَيرة، روى عنه ليث بن أبي سُليم، وَقَالَ ابن طهمان، عن ليث، عن زياد بن الحارث » (٣)، وتابعه على ذلك ابنُ حبان (٤).
وَقَالَ ابن أبي حَاتِم: «زياد بن المغيرة، أبو المغيرة» (٥)، وكذلك وقع في الكنى للدولابيّ (٦).
ويبدو أنَّ سبب الاختلاف في اسم الراوي اضطراب ليث في اسمه كما قَالَ الشيخ المعلميّ اليماني في تعليقه على «الجرح والتعديل»: «والظاهر أنّ ليثًا كان يضطربُ في هذا الاسم تارةً يقول: زياد بن المغيرة، وتارةً: زياد بن أبي المغيرة، وتارةً: زياد أبو المغيرة، وتارةً:
_________________
(١) الجرح (٧/ ١٧٧ - ١٧٩ رقم ١٠١٤).
(٢) انظر: العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٧٩ رقم ٢٦٩١، ٣/ ٢١٦ رقم ٤٩٣٦)، الكامل (٦/ ٨٧ - ٩٠)، تاريخ مولد العلماء (١/ ٣٣١، ٣٣٢)، تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٧٩ - ٢٨٨).
(٣) التاريخ الكبير (٣/ ٣٦٧ رقم ١٢٤٨).
(٤) الثقات (٤/ ٢٥٩).
(٥) الجرح (٣/ ٥٤٣ رقم ٢٤٥٧).
(٦) الكنى للدولابيّ (٢/ ١٢٦).
[ ٩٦ ]
زياد بن الحارث» (١).
وعلى كل حال فهو مجهول العين والحال.
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
وهذا الإسناد معلول من أوجه:
الأوَّل: ضعف ليث بن أبي سليم واضطرابه في اسم الراوي مما يدل على عدم ضبط الحَدِيث.
والثاني: جهالة زياد أبو المغيرة جهالة عين وحال.
الثالث: أنّ أحدًا من أصحاب أبي هُرَيرة لم يرو هذا الأثر عنه، فأين هم عنه!!.
الطريق الخامس: طريق يحيى بن المتوكل، عن أبي عباد (٢)، عن أبيه، عن جده، عن أبي هُرَيرة مَرْفوعًا.
١ - تخريج الحَدِيث:
أخرجه:
محمد بن أسلم السمرقندي (٣) في كتاب الربا (٤) - كما في عمدة
_________________
(١) الجرح (٣/ ٥٤٣) هامش.
(٢) كذا وقع في عمدة القاري، وفي القند "ابن عباد"، فلعل كنيته أبوعباد.
(٣) ترجم له القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية (ص ٣٣) فَقَالَ: «محمد بن أسلم بن مسلمة بن عبد الله بن المغيرة بن عمرو بن عوف الأزري، أبو عبد الله كان على قضاء سمرقند فى أيام نصر بن أحمد الكبير، مات فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين ومائتين، ومن أقران الماتريدي وأبي بكر محمد بن اليمان السمرقندي»، وَقَالَ أيضًا (ص ٤٠٤): «ابن عوف اشتهر بذلك محمد بن أسلم بن مسلمة بن عبد الله بن المغيرة بن عمرو بن عوف الأزري أبو عبد الله تقدم».
(٤) لم أقف على معلومات عن هذا الكتاب من حيث وجوده، ومنهجه، ولم أقف على من نقل عنه غير العيني في هذا الموضع.
[ ٩٧ ]
القاري (١١/ ٢٠٠)، ومن طريقه رواه النسفي (١)
في القند في ذكر علماء سمرقند (ص ٤٦٥) - قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن إسحاق قَالَ: أخبرنا يحيى بن المتوكل قَالَ: حَدَّثَنَا عن أبي عباد، عن أبيه عباد، عن جده، عن أبي هُرَيرة يرفعه: «الربا اثنان وسبعون حوبا، أدناها بابا بمنزلة الناكح أمه».
٢ - دراسةُ رجال الإسناد:
لم أقف على تراجم رواته عدا يحيى بن المتوكل فيظهر لي أنه: أبو عَقيل - بالفتح - المدني، صاحب بُهَية - بالموحدة مصغر - وهو متفق على ضعفه (٢)، قَالَ أحمد بن حنبل: «يروي عن قومٍ لا أعرف منهم
_________________
(١) والنسفي صاحب القند متكلم فيه، قَالَ ابن السمعاني: «إمامٌ، فقيهٌ، فاضل، عارف بالمذهب والأدب، صنف التصانيف في الفقه والحديث ونظم الجامع الصغير وجعله شعرًا، وأما مجموعاته في الحَدِيث فطالعتُ منها الكثير، وتصفحتها فرأيت فيها من الخطأ وتغير الأسماء وإسقاط بعضها شيئا كثيرا وأوهاما غير محصورة، ولكن كان مرزوقًا في الجمع والتصنيف سمع أبا محمد إسماعيل بن محمد النوحي النسفي وأبا اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي وجماعة كثيرة كتب إلي الإجازة بجميع مسموعاته ومجموعاته ولم أدركه بسمرقند حيا وحدثني عنه جماعة وإنما ذكرته في هذا المجموع لكثرة تصانيفه وشيوع ذكره وان لم يكن إسناده عاليا وكان ممن أحب الحَدِيث وطلبه ولم يرزق فهمه». التجبير في المعجم الكبير (١/ ٥٢٧)، وانظر: لسان الميزان (٤/ ٣٢٧). ومما يعجب منه الباحث أنَّ محقق الكتاب ذكر الثناء ولم يذكر هذا النقد المُفسّر، مع العلم أنه نقل الثناء عن التحبير للسمعانيّ، وفيه النقد بعد سطر فقط - كما هو منقول! -، وما أدري ما هو المسوغ لهذا العمل!. علمًا أنَّ هذا النقد المُفسّر يحل إشكالات كثيرة تمر على الباحث من خلط في الأسانيد، وتصحيف في الأسماء، وأسانيد غريبة لا نقف على تراجم لأصحابها والله المستعان. علمًا أنّ هذه " طبعة كارثية أساءت إلى الكتاب إساءة جسيمة" كذا قال الأستاذ: يوسف الهادي في إعادته تحقيق الكتاب وأفاد أيضًا أنّ هناك مائتي ترجمة ساقطة من هذه الطبعة!!، انظر: القند تحقيق: يوسف الهادي (ص ١١ ومابعدها).
(٢) تهذيب التهذيب (١١/ ٢٣٧)، تقريب التهذيب (ص ٥٩٦ رقم ٧٦٣٣).
[ ٩٨ ]
أحدًا، ولم يُحْمَلْ عنهم» (١).
وَقَالَ ابنُ حبان: «منكر الحَدِيث، ينفرد بأشياء ليس لها أصول من حَدِيث النبي - ﷺ - لا يسمعها الممعن في الصناعة إلا لم يرتب أنها معمولة، مات سنة سبع وستين ومائة» (٢).
وبقية رجال الإسناد لم أقف على تراجمهم للنظر في حالهم، ويبدو أنّهم يدخلون في قول أحمد المتقدم.
٣ - دراسةُ الإسناد والحكم عليه:
هذا الإسناد لا يصح لأمور:
١ - أنَّ يحيى بن المتوكل متفق على ضعفه، وينفرد بأشياء ليس لها أصول.
٢ - أنَّ بقية رجال الإسناد لم أقف على تراجمهم للنظر في حالهم، ويبدو أنّهم من الرجال الذين ينفرد عنهم يحيى بن المتوكل ولا يعرفون، ولم يُحْمَلْ عنهم كما قَالَ أحمد.
٣ - أنّ أحدًا من أصحاب أبي هُرَيرة لم يرو هذا الأثر عنه، فأين هم عنه!!.
٤ - تفرد محمد بن أسلم السمرقندي بإخراج الحَدِيث دون أصحاب الكتب المشهورة مما يدعو للريبة والتوقف.
فتلخص مما تقدم أنّ طُرُق حَدِيث أبي هُرَيرة تدور على ضعفاء، ومتروكين، وروايات معلولة، وتفردات غير مقبولة.
_________________
(١) الكامل (٧/ ٢٠٦).
(٢) المجروحين (٣/ ١١٦).
[ ٩٩ ]